الكرسي الإنطاكيّ
إنطاكية هي مدينة الانفتاح والحوار والمبادرات. اهتدت إلى الرب يسوع على
أيدي بعض من تلاميذه، وتعمّقت في إيمانـها به على أيدي الرسولين برنابا وبولس.
ورأت بطرس رئيس الكنيسة يرئس كنيستها قبل أن ينتقل إلى روما.
وازدهرت كنيسة إنطاكية واتّسعت، فأصبحت واحدة من البطريركيات الخمس
الكبرى. وهي روما،القسطنطينية، الإسكندرية، إنطاكية وأورشليم.
سنة 518 حطّ البطريرك ساويروس عن كرسيّه الانطاكي بسبب إنكاره الطبعتين
في المسيح، وبسبب رفضه المجمع الخلقيدوني. وأقيم مكانه بطريرك كاثوليكي هو
البطريرك بولس. ولكن المسيحيين لم يقبلوا جميعاً بهذا التدبير. فانقسمت الكنيسة
قسمين، قسم كاثوليكي وقسم غير كاثوليكي. ومنذ ذلك الحين كان بطريرك كاثوليكي
يؤيّد مجمع خلقيدونية وبطريرك غير كاثوليكي يعارضه.
وبعد ذلك بنحو قرن طرأ على البطريركية الإنطاكيةانقسام آخر بين السريان
والموارنة والملكيين.
في القرن السابع اتّخذت الطوائف المسيحية، أي الملكيون والموارنة
والسريان والآشوريون والأرمن، كل منها بطريركاً خاصاً بـها. ثم أضيف إليهم في
القرن الثاني عشر بطريرك سادس، هو البطريرك اللاتيني.
كانت إنطاكية كنيسة واحدة تشمل كل آسيا والمشرق. فأصبحت كنائس عدة. وكان
لها بطريرك واحد فأصبح لها بطاركة عديدون. ولكن رحمة الله واسعة، فستجمعهما
يوماً وتعود رعية واحدة لراع واحد.
الموارنة ولبنان
الموارنة هم المسيحيون الذين تجمّعوا حول كاهن يدعى مارون وتبعوا نـهجه
في الحياة.
عاش مارون في جوار إنطاكية في أواخر القرن الرابع. وكانت الكنيسة آنذاك
عرضة للانقسامات. فكان الذين يقولون إن يسوع هو اله والذين يقولون انه إنسان،
والذين يقولون إن له مشيئة واحدة والذين يقولون إن له مشيئتين.
وكانت الخلافات على أشدّها في المدن والقرى وفي البيت الواحد. فترك مارون
المدينة وصعد إلى جبل، ليكون في مأمن من المنازعات اللاهوتيّة ويعبد الله.
وعرف مارون في خلوته على الجبل إن دعوته هي أن يكون مع الشعب. فعاد إلى
الرعيّة وراح يعلّم. فكثر تلاميذه ودعوا باسمه، موارنة.
مات ما رون سنة 410 ولكن تلاميذه تابعوا المسيرة. وفي سنة 451 في أثناء
المجمع المسكوني الذي عقد في خلقيدونية كان لهم موقف صريح. أوضح المجمع العقيدة
الصحيحة حول شخص يسوع المسيح. يسوع هو اله وإنسان وله طبيعتان إلهية وإنسانية…
فأيّده الموارنة ودافعوا عن مقرّراته.
وسرعان ما أصبح أعداء المجمع الخلقيدوني أعداءالموارنة الذين دفعوا ثمن
ذلك 350 شهيداً، وأخذوا يلجأون على دفعات إلى جبال لبنان.
وكان اللبنانيون في جبل لبنان قد اهتدوا، في أواخرالقرن الخامس، إلى
المسيحيّة على يد بعض من تلاميذ مارون وأصبحوا موارنة، فرحّبوا بإخوانـهم
القادمين إليهم من جوار إنطاكية، وتابعوا معهم المسيرة. ولما استتبّ الأمر
نـهائياً للعرب في المنطقة، وتعذّر الاتصال ببطرير كية القسطنطينيّة بصورة
منتظمة، اضطر الموارنة إلى أن ينصبّوا، في سنة 687، بطريركاً عليهم هو مار يوحنا
مارون.
كان ملك بيزنطية بمثابة ملك الكنيسة. يعيّن بطاركتها ويتدخّل في شؤونـها.
وكان المسيحيون يرجعون إليه في كل أمر. ولما نصّب الموارنة بطريركاً عليهم، غضبت
بيزنطية. وفي أثناء غزوة شنّتها على المنطقة، حصل اصطدام بين الموارنة والجيش
البيزنطي في أميون، كانت الغلبة فيه للموارنة. وسكن البطريرك بلد ةكفرحي، جاعلاً
كرسيه الأسقفي فيها كرسيّاً بطريركيّاً.
ونسي الموارنة سني الشبع وحصّنوا نفوسهم لسني الجوع. فأقبلوا على الصخور
يحوّلونها تربة يزرعون فيها القمح والشعير والزيتونة والكرمة والتوتة… وجعلوا
رجاءهم في الله وأضافوا إلى صلواتهم هذه الصلاة الرائعة: “أبعد يارب بصلوات أمك
عن الأرض وسكانها ضربات الغضب. لاش الأخطار والفتن، وامنع الحرب والسبي والمجاعة
والوباء. تحنّن علينا نحن الضعفاء. افتقدنا نحن المرضى. ساعدنا نحن المظلومين.
أرح الموتى المؤمنين الذين انتقلوا من بيننا. وأهّلنا جميعاً إلى مصير امين،
لنرفعنّ إليك المجد إلى الأبد".
البطاركة في كفرحيّ
أقام في كفرحيّ بطاركة عديدون عرفنا منهم ثلاثة: يوحنا مارون، قورش
وجبرائيل. سهروا على القطيع وعلى إيمانه. إن نافور مار يوحنا مارون الذي هو
بمثابة شهادة ناطقة للآب والابن والروح الذي أخذ الموارنة ينشدونه كل يوم هو
شهادة على صحة إيـمانـهم. فلا مغريات العالم ، بعدما خسروا كل شيء، استطاعت أن
تنال منهم شيئاً، ولا تعدّيات العدو استطاعت أن تحيدهم عن الخط الصحيح.
أحبّواالله وأصغوا إلى تعاليمه.
وبعدما قضى البطاركة في أرض البترون 251 سنة، تحوّلواعنها في اتجاه
المجهول. كان عليهم أن يجابـهوا مشاكل جديدة في أرض جديدة.
هذه الرغبة حقّقها البطريرك يوحنا الثاني، فعاد هذا إلى دير مار مارون،
وعاد إلى إنطاكية عينها، وحاول أن يجمع شتات الرعيّة هناك. ولكنه لم ينجح، فقد
تكرّرت الشدائد وكثرت الأخطار، فاضطر “سنة 938، كما يقول الدويهي،إلى الهرب من
جديد إلى لبنان”. وتابع البطريرك طريقه إلى الجبل، في مرتفعات منطقة جبيل.
البطاركة والعاقورا
استقرّ الكرسي البطريركي في منطقة جبيل خمسماية سنة واثنتين، من سنة 938
إلى سنة 1440. وتعاقب عليها 34 بطريركاً، هم حسب سلسلة البطاركة للبطريرك
الدويهي التي نشرها رشيد الشرتوني، المطبعة الكاثوليكية بيروت سنة 1902:
يوحنا مارون الثاني، يوحنا من دملصا، غريغوريوس،اسطفان، مرقس، اوسابيوس،
يوحنا، يشوع، داود، غريغوريوس، توافيلكوس، يشوع، دومط، اسحق، يوحنا، سمعان، يوسف
الجرجسي (110 – 1120)، بطرس (1121 – 1130)، غريغوريوس من حالات (1130 – 1141) ،
يعقوب من رامات (1141 – 1151)، يوحنا (1151 – 1154)، بطرس (1154 – 1173)، بطرس
من لحفد (1173 – 1199)، ارميا من عمشيت (1199 – 1230)، دانيال من شامات (1230 –
1239)، يوحنا من جاج (1239 – 1245)، شمعون (1245 – 1277) ، دانيال من حدشيت (1278
– 1282)، ارميا من دملصا ( 1282 – 1297)، سمعان (1297 – 1339)،يوحنا (1339 –
1357)، جبرايل من حجولا (1357 – 1367)، يوحنا (1367 – 1404)، يوحنامن جاج (1404
– 1445).
ماذا عمل هؤلاء البطاركة وماذا تركوا من مآثر؟ لم يدوّن لهم تاريخ، فقد
أقاموا جميعهم في جبال وعرة صعبة المسالك، تعوزهم وسائل العلم ويحسبون من
السعادة أن يعيشوا في رعاياهم آمنين، محافظين على إيمانـهم.
لم يكن لهم مقرّ بطريركي ثابت، فانتقلوا من يانوح إلى ميفوق إلى لحفد إلى
هابيل إلى يانوح إلى كفيفان إلى كفرحيّ إلى الكفر إلى يانوح إلى ميفوق إلى حردين
إلى ميفوق. وإذا كانوا ارتضوا بالحياة الشاقة وأن ينتقلوا كإبراهيم الخليل، من
مكان إلى مكان، فلأنـهم أرادوا أن يسيرو ا على خطى معلمهم القديس مارون ويقولوا
نعم ليسوع المسيح.
أقاموا في كرسي وضيعة خلت من كل مظاهر الغنى، ولكنها رائعة في زهدها وفي
بساطتها. فقد أصرّ “أهالي يانوح، وهم أصحاب غيرة وعبادة، كما يقول الدويهي، أن
يبنوا كرسيّاً كله من الحجر الأزرق في غاية الصناعة والشرافة” (الدويهي، تاريخ
الأزمنة، 50)
أما كرسي ميفوق، الذي لا يزال قائماً، فهو آية في الفن. وإذا أخذت
الكنيسة الحجم الأكبر منه، كما هي الحال في سائر الكراسي المتبقّية آثارها هنا
أو هناك، فلأن البطاركة أرادوا أن يكونوا رجال صلاة، وأن تكون بيوتـهم قبل كل
شيء بيوت عبادة.
الأيام الصعبة
وبعدما عاد الصليبيون إلى بلدانـهم الأوروبية هجم المماليك على الموارنة،
وضايقوهم، وأحرقوا كنائسهم، وهدموا قراهم وأتلفوا كرومهم.
“يوم الاثنين ثاني محرّم سار اقوش باشا الافرم، نايبدمشق، بعساكر من
الشام وغيرها إلى جبال كسروان، فأحاطت العساكر تلك الجبال المنيعة وترجّلوا عن
خيولهم وصعدوا إليها من كل الجهات.
” ووصل نايب دمشق الافرم إلى جبال كسروان، ووطئ العسكر أرضاً لم يكن أهلها
يظنّون أن أحداً من خلق الله يصل إليها. فاحتووا على الجبال وخربوا القرى وقطعوا
كرومها وقلعوها، وقتلوا وأسروا من بـها. وخلت تلك الجبال منهم. ومن ذلك الحين
خربت كسروان والذين سلموا من أهلها تشتّتوا في كل صقيع…” (الأزمنة، 288)
وقد أصاب بطاركتهم النصيب الأكبر، فكان هذا يُهان،وهذا يُشرّد. وهذا
يُساق إلى المحاكمة، وهذا يقاوم وهذا يُحرق حيّاً.
“ففي سنة 1283 قاد البطريرك دانيال الحدشيتي رجاله وقاوم جيوش المماليك
عندما زحفت على جبّة بشري، واستطاع أن يوقف الجيوش أمام اهدن أربعين يوماً، ولم
يتمكّنوا منها إلا بعدما أمسكوا البطريرك بالحيلة”. “وفي سنة 1367 أحضر البطريرك
جبرايل من حجولا، قريته، حيث كان مستتراً زمن الاضطهاد، واقتيد إلى طرابلس وأحرق
حيّاً، وقبره لا يزال في باب الرمل في مدخل المدينة”. “في سنة 1402 جاء فناء حتى
بقي كثيرون بدون دفن، وصار غلاء حتى مات أناس كثيرون من الجوع،وأبصر الناس ضيقاً
وشدّة وهمّاً وجوعاً وحزناً وبلاء”. ( الدويهي، تاريخ الأزمنة، 338)
وصبر الموارنة، ووجدوا في منطقة جبيل، التي اختارهابطاركتهم لهم ملجأ،
أرضاً خيّرة. فدعتهم بطيبتها وجمال موقعها إلى التأمّل والصلاة، فعرفوا أن
يأخذوا من وعورة طرقها، الصبر على المحن، ومن جبالها الشامخة، التعالي عن
السيّئات، ومن بحرها الذي يعكس زرقة السماء ال صافية، النظر إلى بعيد. كانت لهم
منطقة جبيل بمثابة بستان الزيتون، فطبعتهم بروحها السمحاء، وأعطتهم صلابة في
الموقف، مع كثير من الاتّزان والهدوء، عادوا إلى الإنجيل وتضامنوا وكانواواحداً.
لم ييأسوا. راجعوا علاقاتـهم بالصليبيين: ماذا ربحواوماذا خسروا، ففهموا
أنـهم لا يستطيعون أن يتّكلوا على أحد في الأرض، وأن ليس لهم في النهاية غير
الله. فاتّكلوا عليه، وأعادوا النظر في كل شيء، وارتضوا بالبطريرك مرجعاً لهم في
الأمور الروحيّة والزمنيّة. برزت قيمة البطريرك، وأرادوا أن يعمل مقدّموهم، وهم
حكّام القرى، بتوجيهاته، ومن أجل ذلك قبل المقدّمون الدرجةالشدياقيّة.
إن الكنائس المتبقيّة من ذلك العهد هي صغيرة، ولكنها تدل على أنـها هي
التي جدّدت في جبالنا ما عمله يوم عاش على هذه الأرض ربنا وإلـهنا يسوع المسيح.
فكان الكاهن يوزّع الأسرار وينقل كلمة الله فتحدث العجائب. تضمّدالجراح وتمسح
الدمعة وتزول الخلافات ويصبح الكثيرون واحداً.
إن الحياة الرعائيّة هي وراء وحدة الموارنة، وهي التي قرّبتهم من الآخرين
فأقبلوا إلى إخوانـهم المتاولة والدروز، بانتظار الشهابيين السنّة ، وارتضوا أن
يعملوا معاً في خط واحد. فجمعوا صفوفهم أمام تحدّيات العدو. وعندما سدّت كل
الأبواب في وجوه الموارنة انتقلوا إلى وا دي قنّوبين.
الموارنة وروما
وقد رأى البابا زخيا الثالث بأمّ العين أن البطاركة الموارنة هم رجال
صلاة، يوم زاره البطريرك ارميا العمشيتي في روما وحضر المجمع اللا تراني الذي
عقد سنة 1215. “فأمر البابا بنقش صورة البطريرك في هيكل مار بطرس بروما. ولما
اعتراها التغيير بتمادي الزمان أمر بتجديدها البابا زخيا الثالث عشر سنة 1655
على ما كانت عليه أوّلاً. وكانت تلك الصورة ذكراً لوقوف القربان بين يديه بمعجزة
بينما كان يقيم القداس بحضرة البابا على هيكل القديس بطرس”. (الدويهي،سلسلة
البطاركة، 24)
لم يشيّد البطاركة كنائس فخمة، ولا قصوراً. ولم يتركوا لا تحف فن ولا
معاهد. ولكنهم استطاعوا، كالرسل، أن يسهروا، على قطيعهم سهرالآباء على أبنائهم،
ويعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصاهم به الرب يسوع. فكانت مآثرهم شعباً مؤمناً.
يُشتم فيبارك. يُضطهد فيصبر. يضيّ ق عليه فيحمل المشعل وينتقل من مكان إلى مكان
آخر.
عاشوا معزولين عن العالم، في حصار محكم دام أكثر من ثلاثة قرون. وقد فوجئ
الصليبيون بوجودهم يوم جاؤوا إلى الشرق، في القرن الحادي عشر، وفوجئ الكرسي
الرسولي بدوره، عندما اطّلع على أمر الموارنة، وكان اعتقد أنهم زالوا من الوجود.
وتوطّدت العلاقات بين الموارنة والصليبيين، ولا سيما بعد مجيء ملك فرنسا
القديس لويس التاسع إلى الشرق.
في القرن الثالث عشر عرف لبنان شيئاً من الأمان، فراح الموارنة يبنون
الكنائس، على ما ذكر الدويهي: “في هذا الزمان انتشر دين النصر انيّة في بلاد
الشرق، وصار ينادى به جهراً. والذين فاضت نعمة الله بين أيديهم صاروا يبنون
ديورة وكنائس،وتقصّد الناس خدمة الله وعمل الخير. وكان للخوري باسيل البشرّاوي
ثلاث بنات: مريم وتقلا وسالومي. فالبنت مريم بنت هيكل مار سابا في قرية بشري في
جبل لبنان، والبنت سالومي هيكل مار دانيال في الحدث، وأما تقلا فبنت هيكل مار جر
جس في بقرقاشا وكنيستين في أرض الكورة…” (تاريخ الأزمنة، 104)
عصا المطران
كانت وردت على البطريرك دعوة البابا اوجين الرابع إلى حضور المجمع
الفلورنسي. “وبسبب المخاوف من القرصان في ركوب البحر وانقطاع الطرقات، أوفد
البطريرك من قبله، فرا جوان، الى الكرسي الرسولي. ودخل فرا جوان إلى البابا،
وكان يرئس مجمع فلورنسا، وعاد إلى ل بنان حاملاً كتاب التثبيت.
“ولما قدم إلى مدينة طرابلس انحدر الشعب إلى لقائه. فبعث النايب من
يقبضون عليه وعلى رفاقه ويلقونهم في السجن، معتبرين أن النصارى لم يجتمعوا في
فلورنسا إلاّ ليعتصموا مع بعضهم بعضاًعلى استخلاص هذه البلاد من يد الإسلام.
وحين بلغ ذلك مسامع البطريرك الذي كان يومئذ قاطناً في دير سيّدة ميفوق،أرسل
بعضاً من أعيان الطائفة، يزيلون هذه الفكرة من رأس النائب، ويقنعوه في هبة
الدراهم، حتى أخرجهم من الحبس تحت كفالة الحضور.
“فصعد فرا جوان مع رفاقه إلى دير الكرسي. وبعدما أطلع البطريرك على
مكاتيب اوجانيوس وألبسه درع الرئاسة، قفل راجعاً عن طريق بيروت وعصى على النائب
فلم يمر عليه كما تمّ الاتفاق. ولأجل ذلك حنق عليهم حنقاً عظيماً وأرسل جملة
بيارق بطلب البطريرك والكفلاء. وإذ لم يحظوا بهم، سلبوا أرزاقهم، وأحرقوابيوتهم،
وقتلوا كثيرين من الطائفة ومن الرؤساء. والذين توجّهوا بطلب البطريرك،نكبوا
الدير وقتلوا بعض الرهبان، وأخذوا البعض في الجنازير إلى طرابلس.”
“ومذ ذلك الحين أخلى البطريرك دير ميفوق وانتقل إلى جبّة بشري، تحت حماية
المقدّم يعقوب البشرّاني”. (الدويهي في أصل الموارنة، 210)
وادي قنّوبين
في وادي قنّوبين. هذا الوادي العميق، الذي إذا كنتفيه لا تجد إلاّ جبلاً
شاهقاً من هنا وجبلاً شاهقاً من هناك، وقطعة صغيرة من السماء من فو ق. وأما إذا
نظرت إليه من إحدى مشارفه، فانك تشعر أنه يشدّ بك إليه، بعمقه وقوة جاذبيته.
فتضطر إلى أن تتمسّك بيديك الاثنتين بصخرة أو بشجرة. لئلا تهبط من علو نحو ألف
متر. في هذا الوادي الذي لا يصل إليه إلاّ النسور كما قال بعض السائحين الفرنج،
جعل البطرير ك الماروني في إحدى صخوره، كرسيّه، ومنه كان يوجّه شعبه ويقوده، كما
كان موسى يقود شعبه في العهد القديم.
ظل دير سيّدة قنّوبين كرسيّاً بطريركيّاً من سنة 1440الى سنة 1823، وقام
فيه أربعة وعشرون بطريركاً هم:
يوحنا من جاج (1440 – 1445)، يعقوب من الحدث (1445 – 1468)، يوسف من
الحدث (1468 – 1492)، سمعان من الحدث (1492 – 1524)، موسى العكاريمن الباردة
(1524 – 1567)، مخايل الرزّي من بقوفا (1567 – 1581)، سركيس الرزّي منبقوفا
(1581 – 1596)، يوسف الرزّي من بقوفا (1596 – 1608)، يوسف مخلوف من اهدن (1608 –
1633)، جرجس عميره من اهدن (1633 – 1644)، يوسف حليب من العاقورة (1644 – 1648)،
يوحنا البوّاب من الصفرا (1648 – 1656)، جرجس رزق الله من بسبعل (1656 – 1670)،
اسطفان الدويهي من اهدن (1670 – 1704)، جبرايل من بلوزا (1704 – 1705)،يعقوب
عوّاد من حصرون (1705 – 1733) ، يوسف ضرغام الخازن من غوسطا (1733 – 1742)،سمعان
عوّاد من حصرون (1743 – 1756)، طوبيّا الخازن من بقعاتا كنعان (1756 – 1766)،يوسف
اسطفان من غوسطا (1766 – 1793)، مخايل فاضل من بيروت (1793 – 1795)،
فيلبسالجميّل من بكفيا (1795 – 1796)، يوسف التيّان من بيروت (1796 – 1808)،
يوسف الحلومن غوسطا (1808 – 1823).
وقد عاشوا جميعهم بخوف الله وخدمة شعبه. ولا يزال وادي قنّوبين، هذا
الوادي المقدّس، يحكي قصة كلّ منهم كأنها قصة قدّيس، ويشهد أنهم طلبوا الله
واكتفوا للعيش بالشيء الزهيد.
وقد قيل فيهم: “عصيّهم من خشب أما هم فمن ذهب”.
وكان للمحن التي حلّت بالموارنة وجهها الايجابي، فقداجتمع شمل الشعب
والتفّ حول قادته تحت سلطة البطريرك. فإذا بالموارنة شعب واحد منظّم، وإذا
بمقدّم بشري يحكم على المنطقة بكاملها، وإذا بالمنطقة تعرف الهدوء.
في وادي قنّوبين حمل الموارنة الإنجيل واكتفوا به. عاشوا حياة تضحية
وإيمان ورجاء، وراحوا بعيداً في هذا المنحى، فكانوا مثالاً في الو حدة والمحبّة.
في وادي قنّوبين لم يكن الموارنة بحاجة إلى من يدعوهم إلى الصلاة، فوادي
قنّوبين وكلّ ما فيها يدعو إلى التأمّل والزهد في النفس وال صلاة. وتجاوب
الموارنة مع هذه الدعوة، فراحوا، كالمسيحيين الأولين، “يتابعون تعليم الرسل
والحياة المشتركة وكسر الخبز والصلاة” (أ عمال الرسل، 2/42). وشعر الكثيرون منهم
بالحاجة إلى مزيد من التأمّل والصلاة، فكثر العابدون والعابدات، وامتلأ الوادي
بمغاور النسّا ك.
عاشوا في هاجس الجوع إذا زرعوا الأرض ولم يصحّ الموسم. وفي هاجس الخوف
إذا توجّهوا إلى العمل وهجم عليهم العدو على حين غفلة. لكن لم تنسهم مشاكلهم
اليوميّة الرسالة التي يحملونها تجاه العالم. انهم رسل المسيح، فصبروا وترجّوا
ونظروا إلى أعدائهم نظرتهم إلى من مات المسيح من أجلهم، وطمحوا إلى أن يحملوا
إليهم رسالة الإنجيل. تقدّموا في الفضيلة، فكتب إليهم البابا لاون في سنة 1515
يشجّعهم ويؤيّد مسا عيهم، ويقول لهم: “إنكم لم تتخلّوا عن الإيمان بيسوع المسيح
بسبب الضّيم والضّنك والاضطهاد”.
في بداية القرن الثامن عشر انقسم الموارنة فئتين. فئة تتمسّك بتقاليدها
الشرقية العريقة، وفئة تسير في خط المسيحيين في الغرب، وتتقيّد بتقاليدهم
وطقوسهم. فكان لا بد من مجمع يوقف الفوضى ويعيد إلى الطائفة بهاءها الأول، فجاء
المجمع اللبناني الذي تقدّم ذكره، وقد عقد في اللويزة سنة 1736، وهوأوفى مجمع
إقليمي عقد في العصور الأخيرة.
في وادي قنّوبين عاش الموارنة أيضاً العوز والحرمان. ولحق بهم العدو،
فصرخوا ورفعوا الصوت. ترى هل تغيّرت الظروف، فسكت الموا رنة في جبيل وصرخوا في
وادي قنّوبين؟ هل رأوا إن لهم بعد جبيل ملجأ، فلما اقتُحموا، هربوا إليه. وان
وادي قنّوبين هي معقلهم الأخير، إذا خسروه خسروا كل شيء؟ فلما اقتُحموا صرخوا
وكانت لهم مبادرات. فكثُر العابدون والعابدات والنسّاك، وفُتحت المدارس،
وصارإقبال على العلم والمعرفة، وأُنشئت الرهبانيّات.
سنة 1823 انتقل الكرسي البطريركي إلى الديمان صيفاً وبكركي شتاءً. وقد
انتظر الموارنة أن يلقوا المجد بعدما عرفوا الألم والهوان.
وقد بنى البطريرك يوحنا الحاج الكرسي البطريركي في الديمان، المعروف
اليوم بالكرسي القديم، في وسط البلدة، وبنى إلى جانبه كنيسة مار يوحنا مارون،
وهي اليوم كنيسة الرعيّة. أما الكرسي الحالي فقد بناه البطريرك الياس الحويّك،
ووضع له الحجر الأساسي في 28 أيلول سنة 1899. وهو من تصميم الأخ
ليوناراللعازاري، الذي قام بتصميم إعادة بناء الكرسي في بكركي.
مدرسة روما المارونية
سنة 1584 في 5 تموز أنشأ البابا غريغوريوس الثالث عشر المدرسة المارونيّة
في روما، فحقّق آمال الطائفة وفتح أمام طلاّبها أبواب التقدّم. جاء في براءته
الرسوليّة هذه الكلمات:
“لنا الأمل الوطيد بأن تلاميذ هذه المدرسة، على مدىالأيام المستقبلة، بعد
امتلاكهم من عبر التقوى، والديانة الحقيقية، الصادر من شجر سرو صهيون، وتعاليم
الكنيسة الرومانية المقدسة، رأس كل الكنائس، لنا الأمل الوطيد بأن يوزّعوه على
أرز لبنان وعلى طائفتهم، عاملين في خدمة الرب ومجدّدين في بلدانهمالإيمان الضعيف
ومساندينه. وهكذا يتحوّل عمل مادّي لا يفيد إلاّ القليلين من زائري روما إلى عمل
روحي يكون لفائدة الطائفة كلها ولخلاصها.
“وبناء عليه، وعن معرفة تامة، وعملاً بكمال سلطتنا الرسولية،… نبني مدرسة
الموارنة ونؤسسها حتى يتغذّى فيها ويتزيّن بالأخلاق الصالحة، ويتربى على التقوى
والتعليم السليم والفضائل المسيحية الكاملة الواجبة لكل مسيحي، شبان هذه
الطائفة…”
ووفد التلاميذ الموارنة إلى روما، وبدأت آمال البابا تتحقّق، وراحت
الطائفة تنتقل إلى عالم المعرفة والنور. وأكثر من ذلك أيضاً فقدانفتحت الطائفة
على أوروبا والعالم، وأصبحت تلعب دور الوسيط بين الشرق والغرب.
وتخرّج من المدرسة المارونية ألمع رجالات الاكليروس، وكان أعظمهم:
البطريرك اسطفان الدويهي، مؤرّخ الطائفة المارونية الذي “طاف في كل
الأبرشيّات واختار كهنة ذوي علم وتقوى، وفحص الكتب البيعيّة وأصلح ما أوقعه
فيهاالنسّاخ من أغلاط، وردّ القواعد إلى أصلها، وغربل مصاحف المؤرخين ومصنّفات
الآباء القديسين، من شرقيين وغربيين، وألّف كتباً عديدة محفوظة في مدرسة روما”
(البطريرك يعقوب عوّاد)
يوسف السمعاني العالم الحصروني الذي عًيّن حافظاً للمكتبة الفاتيكانيّة.
جبرائيل الصهيوني الذي درّس في جامعة سابينـزا ثم انتقل إلى باريس ودرّس
في الكليّة الملكيّة.
مرهج ابن نمرون، وقد خلف الحاقلاني كأستاذوترجمان.
وشجّع البطاركة العلم، على ما أوضح المجمع اللبناني:
“نحثّ ونناشد بأحشاء يسوع المسيح كلاً من المتولّين رئاسة الأبرشيات
والمدن والقرى والمزارع والأديار جملة وأفراداً أن يتعاونوا ويتضا فروا على
ترويج هذا العمل الكبير الفائدة… فيعنون أوّلاً بنصب معلم حيث لا يوجد معلم،
ويدوّنون أسماء الأحداث الذين هم أهل لاقتباس العلم، ويأمرون آباءهم بأن يسوقوهم
إلي المدرسة ولو مكرهين. وان كانوا أيتاماً أو فقراء فلتًقدم لهم الكنيسة أو
الدير ضروريات القوت، وفي حالة تعذّر الكنيسة أو الدير فيترتب جزء منها على
الكنيسة والدير والجزء الآخر يقوم بدفعه آباء الأولاد”. (المجمع اللبناني، 529)
وأخذت الرهبانيّات الأوروبيّة تفد إلى لبنان. ففي سنة 1626 وصل
الكبّوشيّون، وفي سنة 1635 وصل الكرمليّون، وفي سنة 1656 وصل اليسوعيّون،ثم كرّت
المسبحة.
جاء هؤلاء الرهبان إلى لبنان لخدمة شعبه، فأسّسواالمدارس وأخذوا يزرعون
بذور العلم ويهيّئون للبلاد جيلاً جديداً. ولم يمض وقت حتى أصبحت المدارس التي
تأسّست في لبنان تضاهي مدارس أوروبا.
وكثُرت المدارس. وكانت مدرسة إلى جانب كل كنيسة مارونيّة. وازدهر بعضها
كمدرسة عين ورقة ومدرسة مار عبدا هرهريّا ومدرسة حوقا. و بعدما نال اللبنانيّون،
ومعظمهم كانوا موارنة، قسطاً كبيراً من الثقافة أصبحوا روّاد الحركة الفكريّة في
العالم العربي، وكان لهم دور كبير في النهضة الثقافية في كل الشرق الاوسط.
أول رهبانيّة مارونية
في سنة 1694 مثل جبرائيل حوّا وعبد الله ابن عبد الأحد قراألي ويوسف
البتن أمام البطريرك اسطفان الدويهي وكاشفوه بعزمهم على إقامة رهبانيّة تسير
بقانون واحد ويرئسها رئيس عام واحد، ويكون لكل دير من أديارها رئيس خاضع لسلطان
الرئيس العام. ويرتبط رهبانهم بنذورالطاعة والعفّة والفقر الاختياري،والانصياع
على اسم القديس انطونيوس أبي النسّاك، فسرّ البطريرك لعزمهم وشكر مساعيهم ولبّى
دعو تهم”. (الدبس، 253)
بكركي
لم يكن للبطاركة مقرّ شتوي، فاتّجهت الأنظار إلى بكركي.
سنة 1703 بنى الشيخ خطّار الخازن دير بكركي، وكان كنيسة صغيرة وبقربها
بيت للكاهن.
سنة 1730 تسلّمه الرهبان الأنطونيون.
سنة 1750 تسلّمه المطران جرمانوس صقر والراهبة هنديّةعجيمي ليكون مقرّاً
لأخوية قلب يسوع.
سنة 1779 صدرت براءة رسوليّة ألغت رهبانيّة قلب يسوع،وقضت بأن يتحوّل دير
بكركي لخير الطائفة المارونيّة.
سنة 1786 اعتبره المجمع الماروني تابعاً لكرسي قنّوبين.
سنة 1823 أصبح كرسيّاً بطريركيّاً لفصل الشتاء.
سنة 1890 رمّمه البطريرك يوحنا الحاج وأضاف إليه قسماً من الطابق السفلي
والطابق العلوي بكامله، وهو من تصميم الأخ ليونار اللعازا ري.
سنة 1970 رمّمه من جديد البطريرك بولس المعوشي.
سنة 1982 بنى البطريرك انطونيوس خريش البوّابة الخارجيّة.
سنة 1995 أضاف إليه البطريرك نصر الله صفير جناحا ًليحفظ فيه الأرشيف
ويكون متحفاً خاصاً بالكرسي البطريركي، كما أنشأ مدافن للبطاركة وزيّن الكنيسة
بشبابيك مزخرفة.
تعاقب على الكرسي البطريركي في الديمان صيفاً وبكركي شتاءً تسعة بطاركة
هم:
يوسف حبيش من ساحل علما (1823 – 1845)، يوسف راجي الخازن من عجلتون (1845
– 1854)، بولس مسعد من عشقوت (1854 – 1890)، يوحنا الحاج من دلبتا (1890 –
1898)، الياس الحويّك من حلتا ( 1899 – 1931)، انطون عريضه من بشري (1932 –
1955) ، بولس المعوشي من جزين (1955 – 1975)، انطونيوس خريش من عين ابل (1975 –
1986)، نصر الله صفير من ريفون (1986)
وجميع هؤلاء البطاركة قاموا بأعباء المسؤولية وعملوامن أجل وحدة الصف،
وكان هاجسهم الأول استقلال لبنان.
فكما استطاع الموارنة، بالرغم مما لاقوه من محن وشدائد في أيام المماليك،
وخصوصاً في أيام السلطنة العثمانيّة، أن ينتزعوا الحرية والاستقلال الذاتي، فلم
يقبل بطريركهم الفرمان الذي كان الباب العالي يعترف بموجبه بكل بطريرك، كذلك
فانهم أرادوا أن يتابعوا المسيرة ويعملوا ليكون لوطنهم استقلاله التام وأن
يحافظوا عليه.
1860
الفتنة الطائفيّة سنة 1860 راح ضحيّتها نحو عشرة آلاف قتيل ماروني،
فأحدثت شرخاً كبيراً بين الموارنة والدروز، فاضطر الكثيرون من الموارنة إلى أن
يتركوا وطنهم ويتوجّهوا إلى بلدان الاغتراب، وجعلت العيش المشترك على المحك. وفي
الحرب العالميّة الأولى أحكم العدو حصاراً تموينياً على جبل لبنان،فمات عشرات
الآلاف من الجوع.
الديمـان
وادي قنوبين هو المقر البطريركي في أيام الشدة،وقددامت 383 سنة، من سنة
1440 إلى سنة 1823، وعندما استتب الأمن اتجهت أفكار الب طاركة إلى الديمان، وكان
البطريرك يوسف حبيش أول من حقق هذه الفكرة فسكن في بيتيشرف على الوادي، وهو لأحد
الشركاء، غربي ال بلدة وقد بنى البطريرك يوحنا الحاج الكرسي البطريركي في
الديمان، المعروف اليوم بالكرسي القديم، في وسط البلدة وبنى إلى جانبه كنيسة مار
يوحنا مارون، وهي اليوم كنيسة الرعية . أما الكرسي الحالي فقد بناه البطريرك
الياس الحويك ووضع له الحجر الأساسي في 28 أيلول سنة 1899، وهو من تصميم الأخ
ليونار اللعازاري ، الذي قام بتصميم إعادة بناء الكرسي في بكركي.
لبنان المستقل
الاستقلال هو بناء لم يكن تشييده أمراً سهلاً. فقد ظهرت بين اللبنانيين،
وهم سبع عشرة طائفة، بعد انسحاب العثمانيين عدّة اتّجاهات جعلت الا تفاق مع
بعضهم بعضاً أمراً عسيراً. ولكن البطريرك الماروني، أيّاً كان اسمه، عرف أن يكون
رسول سلام، فكان حاضراً فاعلاً يؤيّد كل مسعى للخير ويقف في وجه كل ظلم. فمحضه
اللبنانيّون ثقتهم وكان لهم بمثابة عامل وحدة وحامل لواء الحريّة. ففي سنة 1919
فوّضوا إلى البطريرك الياس الحويك أن يتوجّه باسمهم جميعاً إلى مؤتمرالسلام الذي
عُقد في فرساي يطلب الاستقلال. وغادرالبطريرك إلى فرساي وعرض القضيّة اللبنانيّة
وفاوض ونجح، فوطّد ركائز الاستقلال وحقّق طموحات اللبنانيين.
وسار البطاركة الذين تعاقبوا على الكرسي بعده على الخط نفسه، فقال
البطريرك عريضه لا للاحتكار، وقال البطريرك معوشي لا للحكم المتشدد، وقال
البطريرك خريش لا للتقاتل، وقال البطريرك صفير لا للهيمنة، ونعم للسيادة والقرار
الوطني الحرّ. فتخطّوا الآفاق الضيّقة و عملوا لا من أجل طائفتهم فحسب، بل من
أجل جميع اللبنانيين. وبهذه الروح أسهموا في توحيد الصفوف، فانفتحت الطوائف
بعضها على بعض، فكانت ثروة ومصدر غنى وعرف لبنان الازدهار.
وانتظر الموارنة، بعدما زالت أسباب الشدّة وانتقل بطاركتهم إلى الديمان
صيفاً والى بكركي شتاءً، أن يبلغوا المجد وينعموا بشيء من السعاد ة. ففوجئوا
أنهم لا يزالون في أول الطريق، وأن يوم المجد لا يزال بعيداً.
الأبرشية المارونية
في بداية الكنيسة “وقع اضطهاد شديد على كنيسة أورشليم، فتشتّت أبناؤها
أجمع، ما عدا الرسل، في نواحي اليهوديّة والسامرة… وأخذ الذين تشتّتوا يسيرون من
مكان إلى آخر مبشّرين بكلام الله” (أعمال الرسل، 8/2،4).
إن هذه الظاهرة التي عاشها المسيحيّون الأوّلون في أورشليم، عاشها
الموارنة أيضاً في لبنان. فاتّجهوا على مدى حقبات متفاوتة إلى بلدان الاغتراب،
وحملوا رسالة مار مارون إلى كلّ بلدان العالم.
الموارنة في بلدان الاغتراب، اضطلعوا بدورهم الإنساني على الصعيد العالمي
ونجحوا، وكان أبرزهم جبران خليل جبران. ولكنهم لم ينسوا أنهم تركوا لبنان
معذّباً، فعملوا من أجله ودعموه بالمال والسياسة، إلى أن يعودوا إليه. فحوّلوا
ظاهرة الاغتراب ظاهرةإيجابيّة. انهم شعب لا يموت.
ومن جهة ثانية فان البراءات البابويّة المحفوظة في أرشيف الكرسي
البطريركي في بكركي التي تلقّاها البطاركة على مدى أجيال عديدة، والمخطو طات
التي نسخها الأساقفة والكهنة والنسّاك على مرّ الأجيال، في وادي قنّوبين وفي
أمكنة عديدة من جبل لبنان وكنائسه، والوثائق التا ريخية التي تفوق المليون
مستند،هي شهادة ناطقة بأعمال الموارنة الذين أدّوا رسالتهم على مدى أجيال عديدة،
وشهدوا ليسوع المسيح وسط جيل صعب وملتو وأظهروا أنهم يؤدّون رسالتهم بالرغم من
كل التحدّيات.
|
السبت، 12 فبراير 2011
موجز تاريخ الموارنة
الخميس، 10 فبراير 2011
القرار الاتهاميّ يستكمل الفوضى بقلم هيام القصيفي
![]() |
| دير مار مارون - عنّايا - الصورة من مدوّنة الأب جوزف |
القرار الاتهامي يستكمل الفوضى العربية
ولبنان يواكب الأزمة بخلاف على البنزين !
صحيفة النهار 4 شباط 2011
***
تذكّر الفوضى التي تشهدها تونس ومصر بالعبارة الاميركية التي انتشرت مع حرب العراق الثانية اي "الفوضى البناءة او الخلاقة"، في اطار رسم ادارة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش لمشهد الشرق الاوسط الجديد.
ومن السودان حيث رسم الاستفتاء مصير جنوبه، الى تونس ومصر واليمن والاردن، حيث تقوم التظاهرات تحت عناوين اقتصادية او سياسية، تنتشر الفوضى من دون ان ترتسم بعد في الافق الخاتمة التي يمكن ان يرسو فيها هذا الانفلات الكبير، لا سيما في احدى اكبر الدول العربية الفاعلة.
ووسط هذه الفوضى العامة ينصرف لبنان ومعه سوريا وايران الى ترقب اعلان القرار الاتهامي الذي يصدر عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
وتخشى مصادر سياسية متابعة لتطور عمل المحكمة وارتباط المحاكم الدولية بتطورات اوضاع الدول ذات الصلة، ان يستخدم نشر القرار الاتهامي كعامل مؤثر ودافع جديد يدخل البلدان الثلاثة في الفوضى التي بدأت تعم الشرق الاوسط. وتتعاظم الخشية من ان يصبح القرار اداة جديدة لاستكمال المشهد الفوضوي لاعادة تركيب المنطقة على اسس وضعها منظرو "المحافظين الجدد" في الادارة الاميركية السابقة، وتطبق في عصر الديموقراطيين.
وثمة مخاوف جدية من ان يدفع هذا القرار لبنان الى جملة تحديات داهمة لا يبدو ان الطبقة السياسية مدركة حتى اليوم اخطارها الحقيقية، خصوصا ان مرتبة لبنان تراجعت مرة اخرى في اولويات ادارات الأزمات الاقليمية والدولية للازمات، والمنشغلة بترتيب البيت العربي بطريقة لم تشهدها الساحة العربية سابقا.
فالجغرافيا السياسية التي نصح النائب وليد جنبلاط الرئيس سعد الحريري بقراءتها تحمل اوجها مختلفة، والتطورات المتسارعة في المنطقة هي سيف ذو حدين، لان ثمة ايحاءات بسقوط انظمة "سنية" في مقابل مد شيعي تكبر قوته يوما بعد آخر، وهذا امر قد لا تكون ترجمته حميدة في وقت قريب. كما بدأ يظهر في بعض الدول السنية، حيث ظهر الصراع الخفي الذي كان دائرا بين مصر وتركيا على تزعم الحالة السنية في الشرق الاوسط. واظهرت تصريحات المسؤولين الاتراك تجاه الرئيس المصري حسني مبارك عمق هذا الصراع وخفاياه، مما ترك ذيولا جدية على علاقة السعودية بتركيا، لا سيما ان حركة وزير الخارجية التركي داود اوغلو في اتجاه قطر كانت لافتة من ضمن المحور الذي ظهرت اولى اشاراته خلال رعاية اتفاق الدوحة، - مع ايران وسوريا - واتجاهه الى اداء دور متقدم على الساحة الاقليمية. وهذا ما يمكن ـ أن يثير خشية انظمة سنية في الخليج بدأت تعيد حساباتها في ساحات نفوذها كما في دولها ايضا.
اما اسرائيل فتجد حتى نفسها مطوقة باحتمالات التغيير الذي قد يطاول مصر، والتأثيرات التي يعيشها الاردن بفعل الحذر من امتداد التطورات الشعبية الى ارضه. والخشية التي يعبر عنها المسؤولون الاسرائيليون حول اتفاقات السلام المعقودة بينهم وبين الاردن ومصر، تترجم مخاوف حقيقية من المتغيرات التي قد تلحق بأي تطور ميداني سواء في سيناء او في غزة. وتل ابيب التي اعتادت ان تكون مصر وسيطا في اي تطور امني او عسكري تشهده غزة، تجد نفسها محاصرة اليوم من دون وسيط ثالث تركن اليه في المواجهة مع "حماس" قررت الاخيرة القيام بأي عملية ما. وهذا الامر له مثيله في لبنان، حيث لا يمكن اسرائيل الا ان تتخوف من "حزب الله" في غياب اي مرجعية لبنانية تلتزم القرارات الدولية او تسير بها كما حصل ابان القرار 1701.
ويخشى ان يرتد الطوق الذي حوّل اسرائيل جزيرة وسط انظمة بدأت تتغير او تنحو في اتجاه تبدل في اوضاعها، على دول الجبهة الشمالية لاسرائيل مما قد يدفع الى توقع سيناريوات غير مأمونة الجانب.
في المقابل، تعيش سوريا وايران، اللتان دفعتا الى تغيير حكومي في لبنان، حالة ارباك تتعدى مطالبتهما "بالحرية والديموقراطية" لشعبي مصر وتونس. فالسرعة التي تم فيها الانقلاب على رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، والاتيان بالرئيس المكلف نجيب ميقاتي لا تشبه بشيء التأني الذي ينعكس حتى اليوم عجزا عن تشكيل الحكومة تحت غطاء جملة اعذار عكستها صحيفة "الوطن" السورية، وليس الرئيس المكلف.
فاذا كان المسار البطيء والعقبات التي تعرقل تشكيل الحكومة استأثرا بهذا الكم من الجدالات والمماحكات، فبأي طريقة يمكن التعامل مع قرار اتهامي كالذي تتحدث عنه وسائل الاعلام الغربية ويمكن ان تكون له ارتدادات وخيمة على لبنان.
وسوريا وايران اللتان تبدوان مشغولتين بتطورات الوضع العربي ستكونان ايضا منغمستين في معالجة ذيول القرار الاتهامي وتفاعلاته في العالم العربي ودول الخليج والاثر الذي يمكن ان تترتب عليه اي صلة للقرار الاتهامي بسوريا او "حزب الله".
اما في لبنان فلا تبدو مواكبة زمن التحولات العربية، كما القرار الاتهامي، على قدر من الاهمية. حتى ان الحدث الاقليمي لا يظهر في اسلوب تعامل هذه القيادات قولا او فعلا مع حدث على مستوى التحول المصري. ففي زمن التحولات العربية السابقة كما حصل ابان حكم الرئيس جمال عبد الناصر كان الزعماء اللبنانيون متورطين في الشؤون العربية وتأثيراتها على دول المنطقة ولبنان، كما حصل مع "حلف بغداد" زمن الرئيس كميل شمعون او حتى في تحييد لبنان بعد فشل الحلف عبر تجربة الرئيس فؤاد شهاب مع عبد الناصر. وكذلك فعل الزعماء المسلمون من خلال مواكبة الحدث العربي وتبدلاته التي تركت لاحقا اثرها على لبنان، باندلاع حرب 1975.
اما اليوم فيواكب المسؤولون اللبنانيون الحدث العربي واحتمالات القرار الاتهامي، اما بترتيب الوراثة السياسية عبر الوزارات، او بتسجيل نقاط حول سعر صفيحة البنزين.
دعاء من أجل لبنان بقلم المطران جورج خضر
![]() |
| الوادي المقدّس في قنّوبين |
هذا البلد، بلدنا، ربي، بين يديك. ارتضيناه، جيلا بعد جيل، لحياتنا. ولكن سر إجماعنا عليه اننا آمنا بنعمتك عليه ونحن نؤمن انها باقية عليه ان نحن اطعناك وأطعناك أمة واحدة لنشهد للعالم على اننا، على اختلافنا في ما ورثناه من ذاكرتنا الجماعية نحن مؤهلون، بنعماك على الايمان بك، وسنسعى مع الصابرين القديسين ان نتمم ما يرضيك. قادنا التاريخ الى تلازم العيش على هذه البقعة من الدنيا ووثقنا بعد صراعنا الأرواح الشريرة التي في الجو انك تريدنا ألا نهجر هذه الأرض استرحاماً لأولادنا. لقد عشنا زمناً مديداً على جراح وعلى تضميد جراح.
اغفر لنا كل خطيئة قادت الى جرح آخر وتغاضَ عن إغفالنا له. ولعلنا نسينا ان اثم الغفلة عظيم. قد يكون الصغار الصغار أعظم في عينيك من الكبار علّم الأكابر انهم واحد مع الأصاغر. أدعو ايضا من أجل المستكبرين الذين لا يعرفون أنفسهم أذلة. على جهلهم هؤلاء هم لك أيضاً فالقبيح عندك كالجميل اذ لا تستقبح انت أيضاً من تاب.
ليس أحد منا قائما بقوته. انت القدوس والقدير وحدك. المخدوعون بقدرة عقولهم وكيدهم وضمهم كل آفاق الدنيا الى شهوات صدورهم ارحمهم هم أيضاً وأعدهم الى التواضع الذي ناديتنا جميعاً به حتى يسكنوا اليك ويستمدوا منك طرق سلوكهم عسانا نحن التائبين اليك نضم الجميع الى حنانك. نجنا من الدماء يا الله اذ خشيتي ان تبغض قاتلي البلد ولا تغفر لهم. والأعزة عندك محتقرون في هذه الأرض.
قد همس الشيطان في آذان الكثيرين وقد سمعنا القليل أو الكثير من هذه الوسوسات وصدقناها. قد يظن أهل الحل والربط ان في ايديهم الحلول لأنهم يؤمنون بذكائهم. لست أنا ديانًا لشعبي فإنك جعلت الدينونة بين يديك. وليست نيتي ان أقول إن بينهم اغبياء ولكن كل منا يفحص عقله وقلبه يرى ان كان بطريقة أو باخرى انقاد الى شيء من الغباوة وأسهم في دمار هذا البلد.
• • •
انت رب لكل طوائف هذا البلد. كلها باللسان موحدة والقلب انت تعرفه. قوّم قلوبنا، طهّر نياتنا لنعبدك مما من القلب ينضح على اللسان فنستقيم.
إسلام العالم سيبقى بعد ملايين من السنين. وسترى الطاهرين منهم لك. وإيماني انك ستحفظ المخلصين من المسيحيين حتى نهاية الدهور. كذلك ايماني بأن جمع الشعوب في ملة واحدة ضرب من الخرافة. وما يؤنسني يقيني أن الانسان له ان يحب من اختلف معه في المعتقد وتقاليد المعتقد وما تحول منه الى جماهير حضنته كما تشاء أو كما قدرت. كذلك يقيني ان بيننا عقلاء كثيرين يحافظون كل منهم على ما استلم من ربه وما خذله. ليست القضية ان يجتمعوا حول مصالح هذه الدنيا في حكمة هذا الدهر ولكن بحسب الحكمة التي توحيها – انت لهم في قلوب منكسرة – لا تبح يا سيد لأحد منا أي نوع من الاستباحات ولا أي شعور بالاستعلاء ولا أي تنطح للسلطة ان كان حقا قادراً على الحب وعلى اجتماع المحبين لإعمار لبنان فكراً وعملاً.
هذا طبعاً يقتضي ترتيباً لأمور تبلغ أحياناً ذروة في التعقيد ولكن هبنا ألا نعقد الأمور استكباراً أو طمعاً في التسلط. حبهم لك يعني في ما يعني انه لا حق لأحد باسم الدين أو المذهب ان يقود هذا البلد وحده وممنوع على اية طائفة ان تربط كرامتها بهذا المنحى أو ذاك من السياسة. هذا يطرح مسألة الطوائفية التي أرجو ان تسمح لي بالا أجعلها بعضاً من دعائي. هذه لن تذهب إلاّ بدوس قدميك لها.
أما الطوائف فلا يهمك ان تكون مكونة فقط من أجساد. انت ترى وجوهاً جميلة في كل تكوين تاريخي ومن كان جميلاً لديك يتعاون ومن تستحسن من كل صوب، لذلك ترتكب معصية ضد الانسان تلك المجموعة التي تعتبر نفسها الأبهى والأفعل والأبقى. "كل جمال عشب وكل جماله كزهر الحقل. يبس العشب، ذبل الزهر لأن نغمة الرب هبت عليه. حقا الشعب عشب" (اشعيا 40: 6 و7). وفق كلام نبيك أقول كل طائفة عشب. واذا قالت كلمتك تكون أو الأحسنون فيها يكونون. وانت تتمجد فيهم ولا تنظر الى امكنة صلاتهم بل الى صلاتهم.
• • •
ليس مرادك ربي ان تلقن اللبنانيين فقه السياسة. هم خبراء في هذا الحقل، علمهم الصدق أولاً وألا ينتقصوا من مجد الجماعات الأخرى لأن كل مجد زائل كعشب البرية. هم يفرحهم كثيراً انهم يتقنون فن إدارة البلد. ولكن قلة منهم تعلم ان الله ليس حليف أي مكون مجتمعي في هذا البلد لأنه فقط حليف من أحبه.
ولعل أفضل إلهام يحتاجون اليه ان عشق المال باطل وانه كان خراب البلد في مرحلة ليست ببعيدة. قلت هذا لأني رجل طاعن في الشيخوخة ورأيت أزمنة أجمل. انت قادر الآن ان تجعل الأيام الآتية أجمل من كل ما مرّ علينا من أيام.
عالجنا يا رب علاجاً سريعاً لأننا مشرفون على الموت الروحي. من زكى نفسه لأي سبب سياسي بتحليل يعتبره صحيحا وقتل نتيجة تحليله هذا مآله غضبك.
ارحمنا يا رب ارحمنا لأننا لما جرحنا البلد اخطأنا اليك وهذا هو الموت الكبير. توبتنا اليك تسوقنا الى ان نتوب الى الآخرين والى ديمومة لبنان لخدمة بني الانسان. آمين.
السريانيّة لغة أمّ بقلم حبيب افرام
![]() |
| محبسة مار شربل - عنّايا من مدوّنة الأب جوزف |
قد يظن البعض ان مسألة الاعتراف بالسريانية لغة اصيلة تاريخية ووطنية في جميع مدارس بلدان المشرق، قضية ثانوية، في خضم ما تتعرض له المنطقة من زلازل سياسية واقتصادية واجتماعية، وفي ظل حراك شعبي ضد انظمة وفي زمن تصاعد اصوليات الغائية تكفيرية.
لكن الاكيد ان مصير الشرق بأسره، حكومات وشعوبا، قد يكون معلقا، بطريقة ما، على كيفية تعامله مع اقلياته واثنياته وقومياته المتنوعة والمتعددة، وكيف يعترف بهذه الخصوصيات ضمن وعاء حضاري ونهضة فكرية، ومنها احترام اللغات الام، وخصوصا السريانية المقدسة التي تكلم بها السيد المسيح والتي كانت لغة المنطقة وكل امم الشرق، كما هي الانكليزية اليوم او اللاتينية في عصور غابرة.
ان السريانية ليست لغة مذهب او فئة او كنيسة او شعب، وليست لغة قديمة ميتة، بل هي لغة حية واساس ثقافي وحضاري انبثقت منه اللغة العربية.
انه تحد امام العقل العربي والاسلامي، ليس فقط عبر التصدي لموجة الارهاب ضد مسيحيي الشرق، بل في خلق فكر جديد نابع من حقائق التاريخ، يحترم كل الخصوصيات، كل التنوع، كل المذاهب، كل الطوائف، كل القوميات، وكل اللغات في المشرق، على قاعدة المساواة التامة.
انها ثقافة جديدة مطلوبة بدل ثقافة الحقد والالغاء والشوفينية والشعب المختار.
واين يقف لبنان؟
هل سيبقى متحجرا ما بين ارقام 8 و14؟
هل سيبقى نظامه معلقا على محاصصات طائفية ومذهبية فقط؟
هل يمكن ان يكون رائدا حقيقة، ليس فقط في الاعتراف المطلق بالهويات المتصالحة، بل مساحة حريات وارث حضاري يكسر صنمية القوميات الجامدة المتحجرة ويفتح صفحة التآلف والتضامن والتقارب في المشرق. فهل تعترف الحكومة العتيدة الآتية بالسريانية لغة وطنية؟
* رئيس الرابطة السريانيّة - جريدة النهار - 4 شباط 2011
المسيحيّون المشرقيّون ورياح التغيير بقلم الأب فرنسوا عقل
![]() |
| مسيرة حجّ في الوادي المقدّس في قنّوبين - لبنان الشماليّ |
09 / 02 / 2011
إنّ المسيحيّين المشرقيّين الذين عرفهم التّاريخ بروّاد النّهضة الفكريّة والوطنيّة في أوطانهم التي أهرقوا دماءهم حبّا بها وأزهقوا أرواحهم من أجل كرامتها، وحملوا فيها قبل غيرهم لواء التّغيير والتقدّم والسّير
نحو الأفضل والأكمل والأسمى، كونهم شعب العهد الجديد، وأورشليم الجديدة، والبشرى الجديدة، وأبناء الميلاد والجلجلة والقيامة والعنصرة والرّجاء والتّنوير، تراهم اليوم يهابون التّغيير المجهول الذي تحمل بشائرَه غيومُ النّيل الرّماديّة نحو أفق مَشرق هائج مضطرب، فيما يكاد المهد في فلسطين يفرغ مِن أتباع مَن قدَّسهُ بميلاده، وما انفكّت صلبان الاضطهاد في جلجلة العراق ترتفع وتتكاثر، نازفة استشاهادا وقهرا وخوفا وتهجيرا وتنكيلا، وما زال مسيحيّو بلاد الأرز في تشرذم مستمرّ جرّاء كيديّة بعض آلهة السّياسة الغاضبة؛ إلاّ أنّ أقباط مصر الأحبّاء، -وهم معنيوّن اليوم أكثر من سواهم- بالرّغم من أنّهم جزء لا يتجزّأ من شعب مصر الأبيّ، كأنّي بهم ينظرون إلى ضبابيّة هذه الأيّام العصيبة بحذر كبير، وتفكير عميق يتخلّله خوف صامت من مجهول آتٍ، عبر فوهة بركان ثورة قد تعيد إلى الذّهن كلمات من قال: "وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ ... عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَيُذْمَمِ".
بالطّبع، إنّ أنماط الحكم السّائدة في الشّرق الأدنى عموما، لا تمتّ إلى الحرّيّة والدّيموقراطيّة بصلة، بل هي بعيدة كلّ البعد عن الأنظمة الحرّة المتقدّمة التي تضمن حقوق الفرد الأساسيّة، وتطبّق مبدأ العدالة والحريّة والمساواة؛ إلاّ أنّ أشكال الحكم هذه، بالرّغم ممّا قيل عنها وما سيقال، وبغضّ النّظر عن توتاليتاريّتها، وأحاديّة فكرها، وصلابة قبضتها الأمنيّة والبوليسيّة، فهي على الأقلّ قد تحاول حماية مسيحيّي بلادها إلى حدّ ما، بسبب ما يربطها من علاقات سياسيّة ودبلوماسيّة بالعالم الغربيّ، ولما تحمله أيضا من إديولوجيّة فكرية وسطيّة، حكم عليها بعض الأصوليّين الجهلة بالكفر والإلحاد.
من حيث المبدأ، لا يمكن لمنطقنا البتّة تأييدَ أنظمة قمع ظالمة تحكم النّاس بالتّخويف والتّهويل والتّرهيب؛ ولكن من حيث الواقع، قد يجدر بنا الإقرار بأنّ هذه الأنظمة، بالرّغم من كلّ شيء، حاولت كحدّ أدنى وما انفكّت تحاول حماية المسيحيّين المتواجدين فيها، ربّما من أجلها لا من أجلهم. لكنّ هذا لا يكفي ولا يرضي أحدا، طالما لم يتساوَ المسيحيّيون بعد، مع شركائهم في تلك الأوطان في جميع الحقوق والامتيازات.
ما يخشاه مسيحيّو المشرق اليوم، جرّاء هذا التّغيير الذي انطلقت شرارته من تونس العلمانيّة، إنّما هو عودة الأصوليّة التّكفيريّة، وإمساكها بزمام الحكم... إذ قد تُعيد مصر وتونس والعراق إلى مرحلة ما قبل القرون الوسطى... وتنشر الخوف والقهر والذمّيّة المذلّة، وتدفع ما تبقّى من مسيحيّي المشرق إلى الهجرة والتّقهقر والشّرذمة.
فتونس، أرض قرطاجةَ أليسار، وحاضنة القديس أغوسطينوس العظيم، لا يجدر بها اليوم أن تتنكّر لحضارتها وعلمانيّتها وانفتاحها ووسطيّتها الدّينيّة المتسامحة.
والعراق الذي هدم الله برج كبريائه في بابل القديمة، قد ابتنى اليوم لنفسه برجا جديدا تختبئ فيه الأصوليّات الدّينيّة الضّالة والمضلّة، حيث تعيث فسادا وجهلا وإرهابا، باعثة الخوف في نفوس المسيحيّين الأعزال، ضاربة عرضَ حائط التّعصّب والتخلّف، بأجيالٍ وفصول من تاريخ التّعياش الحضاريّ، والحوار البّنّاء، والذّهنيّة المنفتحة التي تقدّس الاختلاف بالرّأي، وتحترم جميع الأديان والمذاهب والمعتقدات والثقافات.
أمّا مصر الحبيبة، تلك الأرض التي هُرِّبَ يسوع إليها من وجه سفّاح أصابه داء جنون العظمة والتّشبّث بالحكم فخاف من براءة الأطفال وأحلامهم الجميلة، فلا ينبغي لها اليوم أن يُهرَّبَ أتباع يسوع منها.
آن الآوان باعتقادنا، لا لتغيير بعض الأنظمة الدّيكتاتوريّة فحسب، بل لهدم أهرام الإيديولوجيّات الأصوليّة على مختلف مذاهبها، وتعدّد معتقداتها... وإسقاط نُصُبِ تلك التّيّارات المتوهّمة بامتلاكها الحقيقة التي لا حدّ لها، وهي ترى طيفها من كهف الجهل والوهم وسوء الفهم والشّروحات الخاطئة...
حان الوقت لإقفال تلك المدارس المظلمة التي تبشّر بالقتل والحرب والسّيف وسط عالم يضجّ بالحياة، ويحلم بالسّلام، ويتوق إلى الحبّ، ويتطلّع إلى المزيد من التّقدّم الإنسانيّ والحضاريّ والاجتماعيّ والعلميّ والتّكنلوجيّ والفكريّ والثّقافيّ...
وإن كان لا بدّ من ثورة فعليّة، فيجب عليها بالأحرى أن تضرم نيرانها في صروح فراعنة العصر الحديث، من مشارق الأرض إلى مغاربها، أولئك الذين يسيطرون على مقدّرات العالم برمّته، ويستغلّون فقراءه المساكين، ويلعبون بمصائر الشّعوب كما يحلو لهم، ويحاربون الإيمان في المجتمعات والمؤسّسات التّربويّة، وعبر مختلف الوسائل التّقنيّة المعاصرة، ويدمّرون المبادئ والأخلاق والقيم، عاملين على قتل البراءة في قلوب الأطفال، وهدم الأخلاق في عقول الشّباب، وزرع الإلحاد في أذهان الكهول، وخنق الرّجاء في نفوس الشّيوخ.
أمّا في مشرقنا المتخبّط في معضلاته المزمنة، فربّما الحلّ في هذه الأيّام العصيبة يكمن في تطبيق مقولة العالِم الفرنسيّ أنطوان لافوازييه Antoine Lavoisier: "لا شيء يفنى، لا شيء يُخلق، والكلّ يتحوّل". إذ يتمّ تحوّل أنماط بعض أشكال الحكم المستبدّة، إلى أنظمة، تقوم على الحرّيّة والقوانين الحديثة العادلة، وتفصل بين السّياسة والدّيانة، فلا تكفّر أحدا ولا تُفني ملّة، ولا تُلغي فئة، ولا تتسلّط على رقاب العِباد ومصائرهم وبصائرهم، بل تستفيد من أخطاء التّاريخ وشبهاته، فتنتقل بالمجتمع المدنيّ من الظّلم إلى العدل، ومن الظّلام إلى النّور، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن الفكر المتحجّر الذي أكل الدّهر عليه وشرب، إلى فكر نيّر منفتح وخلاّق يؤمن بأن الدّين لله والوطن للجميع.
الموارنة والكرسي الرسوليّ أو العلاقة البنّاءة بقلم الأباتي بولس نعمان
09 / 02 / 2011
كنيسة مار شربل - عنّايا
من مدوّنة الأب جوزف
اليوم تفرح الكنيسة المارونية وتبتهج مع أبنائها، في لبنان وبلدان الانتشار، لمبادرة وضع تمثال القديس مارون في بهو كاتدرائية مار بطرس في روما، وتعتبر هذه المناسبة من عمل الروح أكثر منها
من عمل الإنسان، لأنها تكلل علاقة دهرية بين الكنيسة المارونية وكنيسة مار بطرس، عمرها نحو ألف وست مئة سنة.
هذه العلاقة التاريخية نوجزها في ثلاث مراحل أساسية.
1 - مرحلة التأسيس: أو مرحلة التلاقي حول عقيدة موحدة، وقد تحققت في مجمع خلقيدونية السنة 451. خلال هذا المجمع، تم الاتفاق العقائدي بين الآباء الأنطاكيين برئاسة ثيودوريطس، أسقف قورش، ومؤرخ حياة القديس مارون، وبين البابا لاوون الكبير، من خلال رسالته الشهيرة إلى آباء المجمع.
على إثر هذا المجمع، أسس الآباء الأنطاكيون، بسماح من الأمبراطور مرسيان، ديرا على اسم الناسك مارون القورشي، في منطقة أفاميا، من سوريا الثانية، وجمعوا فيه كل الرهبان النساك، تلامذة القديس مارون، وأوكلوا إليهم الدفاع عن العقيدة الخلقيدونية الكاثوليكية التي أثبتها المجمع المذكور.
هذا الاتفاق، وما تبعه من صراع عقائدي وخلافات واضطهادات، دامت أكثر من مئتي سنة، هو الذي متّن العلاقات الطيبة بين كنيسة روما والموارنة، وهو الذي أكسب الموارنة، مع الزمن، صفة مهمة تقيهم التقوقع والانزواء، وتجنبهم التحجر، وتسمح لهم بالانفتاح على كل تقدم لاهوتي، وتطور حضاري واجتماعي في الغرب.
وإثباتا لهذه العلاقات نورد بعض الوثائق – الرسائل، أهمها:
رسالة من البابا لاوون الكبير إلى الأسقف توادوريطس، مباشرة بعد المجمع، يطلب منه فيها أن يثابر على الدفاع عن الكنيسة الكاثوليكية بالنشاط ونقاوة العقيدة نفسها "وأن يكون يده اليمنى في الشرق لاستئصال البدع والهرطقات، كما ذكر Le Nain de Tillemont في مذكراته".
بعد هذا التاريخ يحصل الفتح العربي (624-640) وتنشأ الخلافات العقائدية والسياسية بينهم وبين اليعاقبة حول الإرادة الواحدة وحول الولاء لبيزنطيا وحضارتها، الأمر الذي جعل الاتصال بروما والقسطنطينية مستحيلا، فالتجأوا إلى جبال لبنان وأوديته، وندر ذكرهم في التواريخ حتى منتصف القرن العاشر، حين ذكرهم المسعودي في تاريخه، قال: "إن دير مارون والصوامع المحيطة به دمرت من جراء الغزوات العربية وظلم السلطان".
ومنه نستخلص أنه لم يبق في سوريا بعد السنة 956، وهي سنة وفاة المسعودي، إلا جماعات صغيرة.
أما المرحلة الثانية، فقد كان من المفترض أن تكون زمن الصليبيين، في ربيع السنة 1099، لكن الصليبيين كانت لهم أهداف أخرى غير مساعدة المسيحيين، ولم تكد تنتهي هذه الحقبة حتى بدأ عهد المماليك، وكان من أقتم العهود، عندها رجع الموارنة إلى جبالهم وحصونهم، وبدأوا بتنظيم مجتمعهم الداخلي روحيا واجتماعيا حتى الفتح العثماني السنة 1516، وتلزيم المقاطعات إلى الأمراء.
2 - المرحلة الثانية: أو مرحلة بناء الإنسان، وقد تحققت في عهد الإمارة بواسطة الزيارات الرسولية المتعددة، وأهمها زيارتان: زيارة الأب يوحنا إليانو من قبل البابا غريغوريوس الثالث عشر السنة 1578، وزيارة الأب إيرونيموس دنرديني السنة 1596، ومع هاتين الزيارتين بدأت النهضة العلمية والاجتماعية، وتعددت البعثات المتبادلة ما بين الشرق والغرب، التي خلقت الجسر العظيم الذي عبر عليه لبنان وحده، من بين مجموعة الأقطار الشرقية، من مرحلة القرون الوسطى إلى مرحلة القرون الحديثة. من مرحلة النسخ والنساخ واحتكار العلم والكتاب إلى مرحلة الطباعة ونشر المعرفة والكتاب. وفي السنة 1584، تأسس المعهد الماروني في روما، وبفضل هذا المعهد وتلامذته، قامت نهضة علمية تعليمية في الشرق والغرب: من مطبعة دير قزحيا السنة 1584 إلى مدارس حلب، إلى مدرسة عين ورقة أم المدارس في لبنان، فكان لتلامذة هذه المدارس الفضل الأكبر في إنشاء المدارس في كل قرية ومدينة، وتحت كل سنديانة، وكان لهم الفضل في إدخال الطريقة العلمية لترتيب وتنظيم المكتبات، تشجيعا للبحوث، وقد احتلوا آنذاك مراكز علمية متعددة، في مختلف جامعات أوروبا، كجامعات باريس وإسبانيا وروما وفلورنسا.
هذا التيار المزدوج الاتجاه أحكم الصلات، وقرب المسافات، ومزج الحضارات، ففتح أمام الغرب أبوابا واسعة على الشرق ولغاته وآدابه وعلومه وأديانه، وسمح للشرق بأن ينهض فكريا وعلميا واجتماعيا. وقد علمتنا التجارب أن لنا دورا أساسيا في نقل ومزج الحضارات، وإننا نجحنا كل مرة قصدنا بذاتنا الغرب، فاغترفنا من منابعه، وإننا أخطأنا كل مرة تخلينا عن دورنا هذا وأفسحنا له أو لغيره أن ينقل ما يشاء من حضارته إلينا.
3 - المرحلة الثالثة: أو مرحلة لبنان الرسالة، بدأت هذه المرحلة مع البابا يوحنا بولس الثاني في إرشاده الرسولي الذي وجهه إثر محنة لبنان الأخيرة، قال: "عندما دعوت، في 13 حزيران 1991، سينودس الأساقفة، إلى جمعية خاصة من أجل لبنان، كان وضع البلد مأسوياً..."، فالإرشاد إذا يعبر عن حالة القلق والمعاناة التي عاشها قداسته خلال محنة لبنان اللا متناهية. "لذا دعوت الكاثوليك المقيمين على أرضه إلى مسيرة صلاة وتوبة وتفكير عميق، لأن صحة لبنان وعافيته وعطاءه الإنساني هي من صحة وصدق الكاثوليك وشهادتهم والتزامهم الإنجيل".
فالإرشاد هذا موجه أصلا إلى الكنيسة الكاثوليكية في لبنان والمسيحيين كافة، ولكنه يشمل أيضا المسلمين والدروز واللبنانيين عامة "لأن إعادة بناء لبنان لا تتحقق إلا بمشاركة ناشطة من الجميع". فلبنان بالنسبة إليه، هو بلد حضاري، أرض مقدسة، مجتمع تعددي، وهو أخيرا دعوة خاصة ورسالة حوار.
هذه باختصار، بعض خطوط من صورة لبنان، كما وردت في الإرشاد الرسولي.
صورة صاغها الحب والحقيقة: حب الأب الأقدس وحقيقة لبنان، لأنه ليس ثمة غير الحب والحقيقة، وبالتالي العلم المستوحى من الحماسة، قادرا على الولوج إلى أعماق الأمور، صورة عرف الأب الأقدس أن يخرجها إلى العلن في هذا الإرشاد، وكأنه نشيد أناشيد لبنان. هذه الصورة إذا قبل بها المحيط دعوة للبنان، يبلغ معها لبنان إلى مستوى الرسالة التي عناها البابا يوحنا بولس الثاني.
الأباتي بولس نعمان \ النهار
صورة مار مارون
صورة القديس مارون التي اختارتها اللجنة البطريركية للاحتفال باليوبيل 1600 لمار مارون من رسم الفنان فيليب موراني (1910) ونسختها الاصلية مرفوعة داخل كاتدرائية مار جرجس المارونية ببيروت.
في الابعاد الروحية للصورة:
- مار مارون متجه نحو الصليب الذي هو رمز المصلوب.
- السجود للصليب الثابت والمثبت في الصخر تعبيرا عن ثبات الايمان في القلب والعقل والارض.
- البطرشيل: علامة التزام الكهنوت واللاهوت.
- الرداء الاسود والإسكيم: سمة مميزة للحياة المكرسة. فاللباس الاسود يرمز الى الانغلاق عن العالم مدى الحياة، بحيث تنتفي معه كل فرص التلوين والمرح واختلاط الوان المجتمعات والطبيعة، فلا يبقى إلا الزهد بمباهر الحياة. ولا يشع الضوء واللون الا من داخل الذات حيث ينعكس نور المسيح وضياء مجده.
- النظرة الى فوق، الى العلاء، تعبيرا عن المارونية العمودية الناهضة الى السماء.
(من كتيب اللجنة البطريركية للاحتفال باليوبيل 1600 لمار مارون \ النهار)
المسيحيّون في الإدارات العامّة: أهل ذمّة؟ بقلم داني حدّاد
25 / 08 / 2010
ما أشبهنا بالتفاح، أحمر وأخضر وأصفر... ولكن "كلّو تفاح"، وكلّنا لبنانيّين! في بلدٍ طائفي، حتى إشعارٍ آخر، أبديّ على الأرجح، لا بدّ من مقاربات طائفيّة للواقع. في هذه السطور، وعلى حلقات ثلاث، مقاربة موضوعيّة، نأمل، لقضيّة الحضور المسيحي في الإدارات الرسميّة.
اليتم المسيحي... والدور المفقود
لا يجيب وزير مسيحي لبناني، من أهل الموالاة، مباشرةً على السؤال عن واقع المسيحيّين في الإدارات العامّة. يعود الى "الجوهر"، كما يقول،ليروي: "يعاني المسيحيّون في لبنان من "مصيبتين": إسرائيل والخليج. "مصيبة" إسرائيل أتت بمئات آلاف الفلسطينيّين الى لبنان، جُنّس بعضهم، و"توطّن" بشكلٍ شبه رسمي البعض الآخر. وأدّى وجود إسرائيل، وخصوصاً احتلالها لبنان، الى نشوء المقاومة واهتمام إيران بلبنان وتصدير "الثورة" إليه و"إغراق" المناطق الشيعيّة بالأموال".
يضيف الوزير اللبناني: "وجد أبناء الطائفة الشيعيّة، الذين لطالموا عانوا من حرمان، في مؤسسات الدولة خير سندٍ لهم خصوصاً بعد أن عانوا من التهجير من جرّاء الاحتلال الإسرائيلي لقراهم، شجّعتهم على ذلك أحزابهم، وخصوصاً حركة "أمل" التي عمل رئيسها على الدفع بالآلاف من الشيعة الى الانضمام الى الإدارات والمؤسسات الرسميّة، في توظيفٍ عشوائي في غالب الأحيان".
في المقابل، والكلام دوماً للوزير المسيحي اللبناني، "تدفّقت الأموال من الخليج النفطي الى المناطق السنيّة. كان المال السياسي المسيحي محدوداً بسبب افتقاد الدعم المالي الخارجي، فأتى رفيق الحريري ليصرف ملايين الدولارات وليعلّم عشرات الآلاف من التلامذة، غالبيّتهم من الطائفةالسنيّة، وهم باتوا اليوم قوّة انتخابيّة في النقابات، وقوّة اقتصاديّة فاعلة. أمّا وصول الرئيس الحريري الى الحكم فساهم في دخول الكثيرين من أبناء الطائفة السنيّة الى الإدارات، وخصوصاً الى المواقع الفاعلة فيها، حتى أصبحت وزارات كثيرة سنيّة الطابع".
وحين نستغرب التوصيف الطائفي للوزير، يشير الى أنّه يصف الواقع كما هو، وباختصارٍ شديد، ولا يتحدّث من منطلقٍ طائفي، "خصوصاً أنّ المسيحيّين باتوا مجرّدين من قوّة دعم خارجيّة، سياسيّة وماليّة، في حين ينعم السنّة والشيعة كلٌّ بدعم مالي كبير، للأحزاب والجمعيّات والمؤسسات الروحيّة والتربويّة والقيادات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، ما أدّى الى فقدان المسيحيّين لصفة التميّز لديهم، حيث كانوا رأس المال وروّاد العلم"....
ويلفت الوزير الموالي الى أنّ الحضور المسيحي في الإدارات الرسميّة انكفأ بعد نهاية الحرب اللبنانيّة بالتزامن مع انكفاء حضورهم السياسي وبروز قيادات سياسيّة جديدة عملت على الدفع بمناصريها والمحسوبين عليها بالدخول الى الإدارات، ولكن بشكلٍ محدود، خصوصاً أن مناخ الإحباط المسيحي الذي كان سائداً في حينها ورفع شعار "الدولة ليست لنا" حال دون تشجيع المسيحيّين على التوظيف و، خصوصاً، على التطوّع في المؤسسات الأمنيّة.
وعن الدور المتاح أمام الأحزاب المسيحيّة، خصوصاً الموالية منها، لتصحيح هذا الوضع، يقول: "لا إمكانيّة في المستقبل القريب لتصحيح الخلل، إلا أنّنا نعمل على تشجيع المسيحيّين على الدخول الى الدولة، كما على استعادة بعض المواقع الإداريّة التي فقدوها، ولعلّ التعيينات الإداريّة المنتظرة ستكون فرصة سانحة، مع اعترافنا بصعوبة تحقيق هذا الأمر بسبب عدم وحدة المسيحيّين في المطالبة بحقوقهم، بالإضافة الى أنّ ذهنيّة تجنّب الوظيفة الرسميّة ما تزال سائدة لدى المسيحيّين، خصوصاً في المدن".
وإذ يبدو الوزير متشائماً في نظرته المستقبليّة، يؤكّد، بلهجة تمتزج فيها السخرية مع الواقعيّة، الى "وجود حاجة الى سعوديّة أو إيران مسيحيّة لإعادة المسيحيّين الى لعب دورهم المفقود".
الأرقام المخيفة... الواقع الأليم
يشكّل انحسار أعداد الموظفين المسيحيّين في الإدارات العامة أحد أشكال انحسار حضورهم الديموغرافي والسياسي والاقتصادي في لبنان، منذ انتهاء الحرب اللبنانيّة على ما يشبه الهزيمة للمسيحيّين ولّدت إحباطاً لدى معظمهم. منذ اختلاف القادة المسيحيّين وتفرّقهم، نفياً وسجناً وهجرة، تولّد شعور لدى المسيحيّين، الرافضين بغالبيّتهم للوجود السوري في لبنان، بأنّ هذا الوطن لم يعد لهم، فأعلنوا استقالتهم من العمل العام، وإن ولج بعضهم هذا المجال فبدافع الاستفادة من حالة الفساد المستشرية في الإدارات اللبنانيّة، في أغلب الأحيان.
شكّل اتفاق الطائف أحد أسباب الإحباط المسيحي. نقلت بنود في الاتفاق بعض صلاحيّات رئيس الجمهوريّة الماروني الى مجلس الوزراء الذي يرأسه سنّي وعزّزت صلاحيّات رئيس المجلس النيابي الشيعي، ومدّد عمر ولايته من سنتين الى أربع سنوات، بالإضافة الى الكثير من التعديلات الأخرى التي لقيت اعتراضاً مسيحيّاً واسعاً. وألغى الاتفاق المناصفة التي كانت سائدة في الوظائف العامة، حاصراً إيّاها بموظفي الفئة الأولى، شرط مراعاة مقتضيات الوفاق الوطني، وهو شرط "مطّاط" ويحتمل الكثير من التفسيرات والاجتهادات.
يقول رئيس الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة - لبنان الأب طوني خضره، الذي يولي منذ سنوات مع مجموعة من "الرفاق والأصدقاء"، وفق توصيفه، اهتماماً كبيراً بقضيّة الحضور المسيحي في الإدارات العامة، إنّ المسيحيّين عانوا بعد الحرب "من الإقالة والاستقالة"، فتراجعوا عن الإقبال على كلّ ما يتّصل بالدولة ومؤسساتها، واكتفوا بتسديد الضرائب والرسوم من دون أن يستفيدوا، مع بعض الاستثناءات، من هذهالمؤسسات كما فعل الآخرون. ويشير الى ولادة جمعيّات وأجهزة تهتمّ بتقديم المساعدة الى المسلمين كي يدخلوا الى الدولة ويعزّزوا حضورهم في مؤسساتها، ما أدّى الى حصول خلل تراكم عبر السنوات، وبات من الصعب إصلاحه.
يرفع الأب خضره من نبرته حين يبدأ الكلام في الجدّ.
إنّها الأرقام التي يختارها من بين الأوراق الكثيرة المتكدسة في الملفات العريضة في مكتبه، يسحبها كما يسحب الساحر المستور من قبعته: وصل عدد الموظفين المسيحيّين في بعض الإدارات الى نسبة 3 في المئة، والى 26 في المئة فيأحسن الأحوال.
وينسحب هذا "التدهور" الرهيب على السلك العسكري، حيث انقلب الميزان بوضوح لصالح أبناء المذاهب الإسلاميّة، عناصر ورتباء وضبّاطاً.
يضيف الأب خضره: لا تتجاوز نسبة المسيحيّين في الدرك الـ 36 في المئة، وفي حال تمّ تثبيت الدفعة الأخيرة التي تمّ التعاقد معها، بالإضافة الى قبول ثلاثة آلاف مسيحي من بين السبعة آلاف الذين تقدّموا بطلب التطوّع، ستصل النسبة الى أربعين في المئة.
ويواصل الأب خضره سحب الأرقام التي تشكّل غيضاً من فيض ملف التوظيفات في الإدارات الرسميّة، الذي، للأسف، يغفل عنه الكثيرون، كنيسةً وأحزاباً وسياسيّين: بلغ عدد الإدارات الطالبة للوظائف في العام 2009 الـ 26، أمّا أنواع الوظائف فبلغ عددها الـ 110 وظائف، في حين بلغ عدد الشواغر الـ 6600. تقدّم 17984 لبنانيّاً لملء هذه الشواغر، توزّعوا على الشكل الآتي: 4318 مسيحيّاً (24 في المئة) و13666 مسلماًفي المئة). نجح في الامتحانات 5908 لبنانيّاً، منهم 1683 مسيحيّاً (28 في المئة) و4215 مسلماً (72 في المئة). إنّه أحد وجوه الخلل الوظيفي الطائفي.
إلا أنّ ما يجدر ملاحظته هو اختلاف النسب بين وزارة وأخرى. ففي وزارة الشؤون الاجتماعيّة، حيث الوزير والمدير العام مسيحيّين، بلغت نسبة المسيحيّين الناجحين في السنة نفسها الـ 52 في المئة في استثناء نادر في الجمهوريّة اللبنانيّة. أمّا في بلديّة بيروت فنجح من أصل 77 لبنانيّاً، 8 مسيحيّين و66 مسلماً.
ويؤكد الأب خضره أن نسبة الشغور في الوظائف الرسميّة التي كان يشغلها المسيحيّون في تصاعد سنة بعد أخرى، مشيراً الى أنّ الموضوع مرتبط بحضور فئة من اللبنانيّين في الدولة أكثر من فئة أخرى.(76
هل قلت "مناصفة"؟
تبلغ كلفة القطاع الرسمي سنويّاً حوالى سبعة مليارات دولار، يفترض أن يكون حصّة المسيحيّين منها 3.5 ملياراً. ويسأل الأب طوني خضره بنبرة تزداد ارتفاعاً: كم يستفيد المسيحيّون من الدولة، رواتب وإنماءً في مناطقهم؟ ثمّ يضيف: تساهم الوظيفة العامة في تحقيق دورة اقتصاديّة كاملة، بالإضافة الى أثرها المعنوي على صعيد تأمين مشاركة مسيحيّة فعليّة في الحياة العامّة.
وعمّا إذا كان يلاحظ، من خلال متابعته، وجود انحيازٍ لصالح المتقدّمين الى الوظائف من المسلمين على حساب المسيحيّين، ينفي الأب خضره وجود دلائل على مثل هذا الأمر، مشيراً الى "أن لا إجحاف ظاهراً في هذا المجال". ويتابع: "تقدّم مؤخراً الى وظيفة مسّاح ورسّام في دائرةالشؤون العقاريّة 201 لبنانيّ، منهم 80 مسيحيّاً و121 مسلماً، نجح منهم 34 على الشكل الآتي: 21 مسيحيّاً و13 مسلماً، والسبب أنّ غالبيّة المتقدّمين من المسيحيّين خضعوا الى تدريب في جمعيّة "لابورا" التي تتولّى الاهتمام بالحضور المسيحي في الإدارات العامّة"، والتي يشرف عليها الأب خضره.
ويعتبر الأب خضره أنّ المسيحيّين مطالبين بتحقيق تغييرٍ جذري في نظرتهم الى الدولة، وتعزيز شعورهم بانتمائهم إليها، على علاتها، يكاد يقول.
ولكن، مقابل هذه الرؤية "المحرّضة" للمسيحيّين، يكشف الأب خضره عن واقعٍ آخر، لا يخلو من المرارة. إنّها وزارة الماليّة، حيث الخلل الطائفي بات مخيفاً، حتى بشهادة قيادات وأحزاب 14 آذار المسيحيّة، الذين يكشفون عن هذا الواقع، ويضربون كفّاً بكفّ، لا حول ولا قوّة.
يعطي الأب خضره مثلاً، بين أمثلة أكثر من أن تحصى، عن الخلل الحاصل: "كان رئيس دائرة الضرائب، حتى العام 2003، مسيحيّاً، ثمّ قسّمت الدائرة الى ثلاث، ومنحت رئاسة اثنتين الى مسيحيّين وواحدة الى مسلم. ثمّ، في العام 2010، أصبحت أربع دوائر، يتولّى رئاسة ثلاث منها مسلمون".
ويؤكّد الأب خضره وجود "إجحاف في حقّ المسيحيّين في وزارة المال، من دون أن تنفع التطمينات التي تلقّتها جهات روحيّة وحزبيّة مسيحيّة بإصلاح هذا الخلل"، واعداً بعدم السكوت على استمرار هذا الواقع، خصوصاً في ظلّ معلومات عن محاولة لتثبيت 355 موظفاً في المركز الآلي في الوزارة من لونٍ طائفي واحد.
إلا أنّ الأب خضره، الذي يقرأ مزامير تصحيح الخلل، من دون كثرة سامعين، يعترف بأنّ المسؤولين ينطقون بكلامٍ معسول، إلا أنّ الحقيقة مختلفة "خصوصاً أنّ البعض يتصرّف على أساس أنّ ما لنا هو لنا وما ليس لنا نتقاسمه مع الآخرين". ويسأل: "إذا كان الهدف من دورة الدرك المنتظرة تأمين انضمام ثلاثة آلاف مسيحي الى السلك، فلماذا لا يتمّ اختيارهم من أصل 7 آلاف مسيحي تقدّموا للانتساب بدل إغراقهم في الـ 39 ألف شخص الذين تقدّموا؟". مضيفاً: "إذا كانت هناك غيرة على المسيحيّين من قبل الشركاء في الوطن، فيجب أن يبرزوا حرصهم على هذه الشراكة".
من هنا، تبدو مسألة المناصفة والشراكة، وغيرهما من التعابير "التعايشيّة"، أسيرة التصريحات والخطابات وتعجز عن تجاوز عتبة الإدارات العامّة التي تمتزج فيها رائحة السفاد برائحة الخلل الطائفي. وإذا كان الرئيس فؤاد السنيورة أكّد في 14 شباط الماضي أنّ "أساس بلدنا هو العيش المشترك المسيحي – الإسلامي ونحن طوّرنا صيغتنا الوطنيّة في الطائف واتفقنا على المناصفة، وهذا مبدأ أساس لن يكون فيه أي خلل أو تفريط"... وإذا كان مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة الشيخ محمد رشيد قباني اعتبر في 25 شباط الماضي أنّ "الأوطان لا تبنى إلا بالتعاون والتضامن والوحدة بين أبنائها كافة وتطلعات مواطنيها وشعوبها، ولبنان نموذج في العيش المشترك، لن يبقى مستقراً إلا بحكمة ووعي قادته المخلصين، الذين يحرصون على المناصفة بين المسلمين والمسيحيّين فيه، من دون إخلال بهذه المناصفة لأيّ سبب من الأسباب مهما كان"... فإنّ ذلك لا يحتاج سوى الى تعليقٍ واحد: "إسمع تفرح، جرّب تحزن".
وما أكثر المجرّبين.. وأكثر الحزانى من اللبنانيّين!
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)







