الثلاثاء، 8 مارس 2011

البطريرك صفير ورسالة لبنان بقلم محمد السمّاك



كتب محمد السماك في "المستقبل": طوال سنوات الحرب الداخلية في لبنان (1975 ـ 1989) لم يتوقف الاتصال والتواصل بين بكركي ودار الفتوى. كان البطريرك مار نصر الله بطرس صفير والمفتي الشهيد الشيخ حسن خالد حريصين على تبادل الآراء وعلى التنسيق بين مواقفهما. وكان قدري أن أتولى هذه المهمة التي استمرت حتى بعد اغتيال المفتي رحمه الله.

منذ ذلك الوقت تعرفت عن كثب على البطريرك صفير مرجعاً وطنياً الى جانب كونه المرجع الروحي الأول للطائفة المارونية؛ وخلال هذه السنوات الطويلة، مرت القضية اللبنانية في مراحل عديدة من التأزم السياسي والتصارع العسكري، ومن الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية. ولكن حتى في ذروة التوتر الطائفي، بقيت العلاقات بين بكركي ودار الفتوى خارج دائرة هذه التأزمات، الأمر الذي أدى الى تعرض كل منهما الى الانتقاد وحتى الى الاعتداء من طرفي الصراع.

كثيرة هي المناسبات الوطنية التي تتجاوز الطائفية والتي كان البطريرك صفير رائداً لها. وأذكر منها على سبيل المثال مناسبتين فقط.

كانت المناسبة الأولى في شباط 1989 (قبل عدة أشهر من انعقاد مؤتمر الطائف). فبدعوة من اللجنة العربية السداسية (التي كانت تضم وزراء خارجية كل من الكويت والأردن والسودان والجزائر وتونس والإمارات العربية)، توجهت الى الكويت بدعوى رسمية من اللجنة وعلى متن طائرة لبنانية واحدة المرجعيات الدينية الإسلامية والمسيحية للبحث في كيفية حل الأزمة. اجتمع أعضاء اللجنة بكل مرجعية دينية على انفراد. لم تمكّن حصيلة تلك الاجتماعات اللجنة العربية من تكوين تصور مشترك لصيغة توفيقية. فارتأت اللجنة بعد ثلاثة أيام من الاجتماعات تجاوز الأمر من دون الإعلان عن موقف أو إصدار أي بيان.

عشية عودة المرجعيات الى بيروت، تداولت في ما بينها الانعكاسات المحتملة لنتائج الاجتماعات على الوضع الداخلي اللبناني. يومها حذرت من احتمال استغلال عدم الاتفاق لإضفاء بعد طائفي على الحرب في لبنان، وهو ما كان القادة الروحيون جميعهم يرفضونه ويخشون منه في الوقت ذاته. وخلال هذا اللقاء الذي جرى في إحدى قاعات قصر "بيان" جرى تداول اقتراح صياغة بيان مشترك يصدر عن أصحاب السماحة وأصحاب الغبطة يحول دون استغلال اللقاء مع اللجنة العربية لتقويل القيادات الروحية ما لم تقله وما لم تريد أن تقوله. وبناء على اقتراح من البطريرك صفير نفسه، عهد إلي بكتابة مشروع البيان، علماً بأنني كنت مستشاراً للمفتي الراحل الشيخ حسن خالد.

وبعد أن أنجزت كتابة النص، حملته الى البطريرك باعتبار أنه هو الذي طلب مني ذلك. غير أن البطريرك وقبل أن يقرأ النص، سلمه الى المفتي حسن خالد. قرأ المفتي النص، وأعاده الى البطريرك معلناً قبوله. ثم قرأ البطريرك النص، وقال: وأنا أوافق.. وبعد ذلك تداول على قراءته أصحاب الغبطة والسماحة: البطريرك هزيم، والشيخ الإمام محمد مهدي شمس الدين، والبطريرك مكسيموس الخامس حكيم، والشيخ مرسل نصر (ممثلاً شيخ العقل الشيخ محمد أبو شقرا الذي تغيب لمعاناته من المرض).. ووافقوا عليه جميعاً.

تلا نص البيان على أجهزة الإعلام البطريرك هزيم بحضور جميع المرجعيات، وكان أول بيان مشترك يصدر عن المرجعيات الدينية بشأن الحرب في لبنان، وكان بالتالي أول مسمار في نعش إسباغ الهوية الطائفية على الأحداث اللبنانية.

أما المناسبة الثانية، فكانت في الثاني من آب 1993، فعلى اثر الاعتداءات الإسرائيلية التي تعرض لها لبنان ولا سيما الجنوب والبقاع الغربي، استضاف البطريرك في المقر البطريركي الماروني في بكركي لقاء روحياً وطنياً ضم رؤساء الطوائف الإسلامية والمسيحية، وحرص البطريرك مع الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين على أن يكون اللقاء أساساً لتواصل دائم، فانبثقت عنه اللجنة الوطنية الإسلامية ـ المسيحية للحوار لتكون صلة وصل بين المرجعيات الدينية من جهة، وبينها وبين مرجعيات وهيئات عربية ودولية مماثلة تُعنى بالشأن اللبناني وبالحوار الإسلامي ـ المسيحي. ولا تزال اللجنة مستمرة حتى اليوم.

إن الحديث عن البطريرك مار نصر الله بطرس صفير هو حديث عن العلاقات الإسلامية ـ المسيحية، فدوره في إقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف، ومن ثم في تعديل الدستور اللبناني على أساس هذه الوثيقة، كان دوراً أساسياً، حتى أنه يمكن القول إنه ما كان للطائف أن يمر من دون موافقته. كذلك فإن دوره في السينودس من أجل لبنان 1994، ودوره في السينودس حول مسيحيي الشرق، ومواقفه الثابتة في مؤتمرات ومجالس البطاركة الكاثوليك، تحمل بصمات واضحة عن ايمانه العميق وعن جهوده البناءة لإرساء هذه العلاقات على قواعد المحبة والاحترام والمواطنة الكاملة.

كذلك، فإن الحديث عنه هو حديث عن دوره في العلاقات الوطنية بين اللبنانيين من مختلف الأديان والمذاهب، وهو دور دفع ثمنه غالياً من التجني والافتراء من دون أن يتزحزح عن ثوابته الوطنية والأخلاقية والروحية.

وبمناسبة قراره الاستقالة من منصبه، لا نملك سوى الدعاء الى الله أن يحفظه ويرعاه لتبقى سيرته منارة يهتدي بها اللبنانيون جميعاً في تطلعاتهم نحو الازدهار والسلام.. وليبقى لبنان وطن الرسالة.. رسالة العيش الوطني بين مختلف الأديان والمذاهب.

ماذا ينتظر الموارنة من بطريركهم / من إعداد طانيوس شهوان



مقدمة:
في سياق التحضير للانتخابات البطريركية قامت مؤسسة "غلوبل فيزون" بدراسة ميدانية استطلعت فيها آراء عيّنة عشوائيّة من الموارنة في لبنان بلغ عددها 386 شخصاً تمّ اختيارهم استناداً الى مبادئ العيّنة الحصصيّة (Méthode des quotas) ومتغيّراتٍ تراعي الانتشار الديموغرافي الماروني في لبنان (المحافظة، القضاء، والأبرشية)، والفئات العمريّة (6 فئات) التي يتوزّع عليها الموارنة، ومتغيّر الجنس. نفّذت المؤسسة هذا الاستفتاء استناداً الى استمارةٍ ضمّت 27 سؤالاً توزّعت على المحاور الآتية:
المحور الأوّل: الالتزام المسيحي والحياة الروحيّة.
المحور الثاني: الروحانية المارونية في عالم اليوم.
المحور الثالث: المجمع البطريركي الماروني.
المحور الرابع: تقويم أداء المؤسسات في الكنيسة المارونية.
المحور الخامس: دور العلمانيين في الكنيسة المارونية.
المحور السادس: هويّة البطريرك الماروني المنتظر والمواصفات التي يجب أن يتمتّع بها والمهمات التي تنتظره.
المحور السابع: الكنيسة والسياسة.
نعرضُ في هذا التقرير النتائج الأوّلية لبعض محاور هذا الاستفتاء مساهمة في رصد التحدّيات التي تنتظر البطريرك الجديد والتي عبّرت عنها هذه العيّنة من الموارنة في لبنان.

 توصيف العيّنة:

أمّا توزّع هذه العيّنة على الأبرشيات المارونية فكان، كما يلي:
أبرشية طرابلس المارونية 19,7% وأبرشية بيروت 17,9%. يليهما من حيث الترتيب: 9,6% من رعايا أبرشية صيدا ودير القمر، 8,5% من رعايا أبرشية أنطلياس، 7,5 من رعايا نيابة جونيه، و7% من رعايا أبرشية جبيل. وقد تراوحت نسب نيابة بشري وأبرشية البترون ونيابة صربا في العيّنة بين 5,4% للأولى والثانية و5,2% للثالثة. أمّا أبرشية زحلة فكانت حصتها 4,9% من المستجوَبين، بينما بلغت حصّة نيابة زغرتا 3,4% وحصّة أبرشية صور 2,8% وحصّة أبرشية دير الأحمر 2,6%.
على مستوى متغيّر الجنس، تساوى الجنسان في العيّنة المذكورة بنسبة 50%.
وتوزّع المستجوَبون على ستّ فئات عمريّة بحسب الجدول رقم 4، وبنسب متقاربة كما يلي: بين 17,1% و18,7% للفئات العمرية الشابة (بين 18 و41 سنة)، وبين 14,8% و15,5% للفئات الأكبر (42 سنة وما فوق). وقد اعتمدنا هذا التوزيع الضيّق للفئات العمريّة توخّياً لاستكشاف آراء المجموعات الشابّة بطريقة دقيقة.
واعتبر المستجوَبون، في غالبيتهم الساحقة، أنّهم مؤمنون على المستوى الديني (96,9%)، في حين أكّد 53,1% منهم أنّهم مؤمنون ممارسون لواجباتهم الدينية، بينما صرّح 43,8% أنّهم مؤمنون غير ممارسين. وأخيراً أعلن 1,6% منهم أنّهم غير مؤمنين.
وغالبية المستجوَبين (72%) هم من المتعلّمين، 42,7% منهم جامعيّون و29,3% ثانويّون، بينما شكّل ذوو المستوى العلمي المتدني نسبة 8%، ومن هم ذوو مستوى تكميلي 18,1% من العيّنة المستجوَبة.
أخيراً يدلّل الجدول الرقم 7 أنّ 64,8% من المستجوَبين يعملون، بينما يشكّل غير العاملين نسبة 33,7% من العيّنة، وأنّ معظم هؤلاء هم من الطلاب وربّات المنازل والمتقاعدين.

 الروحانيّة المارونيّة في عالم اليوم:
حصلت معظم الخيارات المقترحة للاجابة على السؤال في شأن "تجسيد الروحانية المارونية في عالم اليوم" على معدّلات متقاربة وتعدّت كلها المستوى المتوسّط فكان أدنى تلك العلامات 5,7/10 وأقصاها 6,8/10.
يرى المستجوَبون في المرتبة الأولى أن تجسيد الروحانية المارونية يتمّ من خلال عمل الكنيسة التربوي (6,8/10) وذلك بسبب انتشار المؤسسات التربوية التابعة للكنيسة المارونية بكلّ أشكالها، الأبرشية والرهبانيّة.
وحصلت الحياة الرهبانية على معدّل 6,7/10 من حيث تجسيدها الروحانية المارونية في عالم اليوم، يليها الحفاظ على إرث مار مارون الروحي (6,4/10) ثم العمل في المجال الإنساني (6,3/10) فالعمل الوطني بمعدّل 6/10. وأخيراً حصلت "مواكبة العصر" على المعدّل الأقل بين الخيارات المطروحة (5,7/10).
ويؤكد تمركز كلّ المعدّلات المتّصلة بالاجابات الممكنة عن هذا السؤال قوّة تمظهُر الكنيسة المارونية وروحانيّتها في المجالات المذكورة أعلاه وهذا يعني كذلك أنّ نسبة كبيرة من الموارنة تدرك جهد الكنيسة المارونية في تجسيد روحانيّتها في المجالات المذكورة أعلاه في الجدول رقم 8 وتدرك ذلك.

 المجمع البطريركي الماروني
صرّح 68,4% من المستجوَبين عن علمهم بانعقاد المجمع البطريركي الماروني وذلك بحسب الجدول رقم 9، في حين صرّح 30,3% أنّهم إطلعوا على مقرراته بحسب الجدول رقم 10. وهذا يعني أنّ الجهد الذي تبذله الكنيسة المارونية على هذا الصعيد لم يشمل غالبيّة مؤمنيها.
على صعيد المستجوَبين الذين اطلعوا على مقرّرات المجمع، اعتبر 73,8%، وبحسب الجدول رقم 11، أنّ أكثر ما نجحت الكنيسة المارونية في تطبيقه من مقررات المجمع البطريركي هو ما تحقّق على مستوى الحياة الروحيّة. ورأى 61,3% من مجموعة الأشخاص هذه أنّ المقررات تجسّدت في التجدد الروحي في الكنيسة المارونية. وتوافق 57,5% من هذه المجموعة على أن مقرّرات المجمع البطريركي على مستوى الانتشار الماروني في دنيا الاغتراب قد طبّقت، في حين اعتبر 56,3% من اولئك أنّ مقررات المجمع البطريركي على المستوى التربوي قد طبّقت.
ورأى 82,5% من الذين اطلعوا على مقررات المجمع البطريركي الماروني أن مقررات هذا المجمع على المستوى الاقتصادي لم تطبق، وتوافق 66,3% منهم على القول أنّ مقررات المجمع على مستوى تجدّد الأشخاص والمؤسسات لم تطبق كذلك. أمّا المقررات على المستوى السياسي فاعتبر 63,8% أنّها لم تطبق. واعتبر 56,3% من هؤلاء أن المقررات على المستوى الاستشفائي لم تطبق، في حين تساوت تقريباً نسب الأشخاص التي اعتبرت امّا أنّ المقررات على المستوى الاجتماعي قد طبّقت وامّا أنّها لم تطبق (47,5% طبقت، 48,8% لم تطبّق).

أمّا دور الكنيسة المارونيّة في خمسة أنواع من مؤسساتها التربوية والاستشفائية والاجتماعية والأوقاف والحركات والمنظمات الرسوليّة العلمانيّة فحاز تقريباً النسب ذاتها من الاجابات التي وردت في الجدولين رقم 11 و12. فبالنسبة الى المؤسسات التربوية، يبيّن الجدول رقم 13 نسب الرضى نفسها، ذلك أنّ نسبة لا يستهان بها، 63,5%، اعتبرت أنّ دور الكنيسة المارونية في هذه المؤسسات هو دور جيد بينما رأت نسبة 28,8% أنّه دور لا بأس به في حين رأت نسبة 7,8% أنّ هذا الدور سيئ.
على مستوى دور الكنيسة المارونية في المؤسسات الاستشفائية، تراجع رضى المستجوَبين عنه اذ اعتبر 38,8% فقط منهم أنّه دور جيد، ورأى 37% أن لا بأس به، فيما أكّد 24,1% عدم رضاهم عن هذا الدور واعتبروه سيّئاًُ .
أمّا في المؤسسات الاجتماعية فتتقاطع الاجابات مع تلك التي وردت في الجدولين رقم 11 و12. اذ اعتبر 46,9% أنّ دور الكنيسة في المؤسسات الاجتماعية لا بأس به رأى 32,4% أنّه جيد فيما وصّفه 20,7% بالسيئ. وهذا يعني أنّ هذه المعدّلات تتقاطع مع تلك التي وردت في الجداول 11 و12 والتي كانت قريبة من المعدّل الوسطي. ويؤشّر الجدول رقم 13 الى تململ يقترب من عدم الرضى على دور الكنيسة المارونيّة في ادارة أوقافها، اذ اعتبر 42,7% أنّ هذا الدور لا بأس به، ورأى 28,5% أنّه سيئ، فيما وصفه 27,7% فقط من المستجوَبين بأنه جيد.
وظهّر أنّ ما يساق تقريباً من تململ وعدم رضى عن دور الكنيسة المارونية في المؤسسات الاجتماعية يساق كذلك على دورها في الحركات والمنظمات الرسولية العلمانية اذ اعتبر 45,1% من المستجوَبين أنّ دور الكنيسة في هذه المؤسسات لا بأس به، ورأى 22,5% أنّه سيئ ووصفه 26,9% فقط بالجيد.
واقترح المستجوَبون وبحسب الجدول رقم 14، أفكاراً تحسّن أداء الكنيسة المارونيّة. 

ويدلّ الجدول رقم 15 على أنّ غالبيّة المستجوَبين (61,9%) اعتبرت أن المؤسسات الكنسية هي في خدمة أبناء الكنيسة، بينما نفى 32,9% ذلك. واعتبر مجموع 4,6% من المستجوَبين، تحت عنوان غير ذلك في الجدول رقم 15، أنّ الكنيسة ومؤسساتها تخدم أبناءها ولكن بطريقة غير كافية (2,3%)، وأنّ نوعية عمل المؤسسات الكنسية تتّصل بمواصفات الأشخاص المسؤولين عنها والمناطق اللبنانيّة (1,8%)، وأنّها خدمات تتمّ بعد التدخّل والتوسّط (0,5%).

 دور العلمانيين في الكنيسة المارونية
يؤشّر الجدول رقم 16 الى أنّ 72,8% من المستجوَبين يؤكدون أهمية دور للعلمانيين في الكنيسة المارونية فيما يعتبر 26,7% أنّ ذلك الدور غير مهم.
وأكّدت اجابات المستجوَبين في الجدول رقم 17، وبنسبة 90,7%، أنّ لهذا الدور تأثيراً كبيراً (48,4%) ومتوسّطاً (42,3%) بينما اعتبر 8,5% من هؤلاء أنّ دور العلمانيين في الكنيسة المارونية ذات تأثير محدود.
جدول رقم 17: توزّع آراء المستجوَبين الذين أكّدوا دور العلمانيين في الكنيسة المارونية بحسب قدرة التأثير

 مجلس المطارنة الموارنة
استوضحت الاستمارة الاستفتائية رأي العيّنة المستجوَبة في شأن مجلس المطارنة الموارنة وأهمّيته وتأثيره في الحياة الكنسية والوطنية. ودلّت اجابات المستجوَبين، بحسب الجدول رقم 18، أنّ 53٫4% منهم يعتبرون أنّ أهمّيته كبيرة، وأنّ 36% يعتبرونها متوسّطة، بينما رأى 10% فقط من المستجوَبين أنّ أهمّيته لا تذكر.

وعن تأثير هذا المجلس في الحياة الكنسية والوطنية، أكّدت اجابات المستجوَبين، وبحسب الجدول رقم 19، أنّه كبير. فعلى مستوى تأثير هذا المجلس في الحياة الكنسية رأى 65% من المستجوَبين أنّه عالٍ. ورأى 27,7% أنّه تأثير متوسّط، في حين اعتبر 7,3% أنّ لا تأثير لهذا المجلس في الحياة الكنسية. وتتقاطع هذه النسب مع تلك التي وردت في جداول أخرى والمتّصلة بتجسيد الروحانيّة المارونيّة في عالم اليوم وبأداء المؤسسات الكنسية المارونية وبفعاليتها وبدور الكنيسة فيها، وهذا يعني أنّ المستجوَبين يربطون في شكلٍ عضوي وبنيوي بين مجلس المطارنة الموارنة والمؤسسات الكنسية المارونية على أنواعها، ويعتبرونه بطريقة ما المرجعيّة المارونيّة العليا التي تتصل بها كلّ المؤسسات المارونية من دون استثناء.
أمّا في اجابات المستجوَبين المتّصلة بتأثير مجلس المطارنة الموارنة على الحياة الوطنية فيدلّ الجدول رقم 19 على أنّ تلك التي تعتبره عالياً ومتوسطاً قد تساوت تقريباً (42٫2% تأثير عالي و40٫9% تأثير متوسّط). وهذه النتيجة تتقاطع كذلك مع تلك المتّصلة بمواقف المستجوَبين من دور الكنيسة المارونية في المجال السياسي وادائها فيه والتي وردت في جداول سابقة.
وفي ما يتّصل بانتخاب السادة المطارنة والسيّد البطريرك اعتبر 64% من المستجوَبين أنّ هناك تدخلات في انتخابهم بينما رأى 34,5% أنّ لا تدخلات فيها.

الكنيسة المارونية والسياسة
1 - عرضت الأسئلة 23 و24 و25 من الاستمارة الاستفتائية لموضوع الكنيسة المارونية والسياسة. بدايةً دلّت اجابات المستجوَبين أنّ 75.6% منهم يعتبرون أنّ للكنيسة المارونية دوراً في السياسة فيما اعتبر 24.1% منهم أنّ لا دور لها في هذا المجال.
ورأى من اعتبروا أنّ للكنيسة المارونية دوراً في السياسة، بحسب الجدول رقم 22، أنّ هذا الدور يقوم على "الدفاع عن الطائفة المارونية" بنسبة 46,3%، و"اختيار الاتجاه السياسي الذي ينسجم مع المسلّمات المارونية" بنسبة 21,4%، و"التوجيه العام" بنسبة 22,2%. أمّا من اعتبروا أنّ هذا الدور يقوم على الحياد فبلغت نسبتهم 10,1%. انّ 67,7% ممن يعتبرون أنّ للكنيسة المارونية دوراً في السياسة يعتبرون أنّ ذلك الدور يقوم على الدفاع عن الطائفة المارونية ومسلّماتها.

على رغم اعتبار غالبية المستجوَبين أنّ للكنيسة المارونية دوراً سياسياً استقرت نسبة مؤيدي تدخلها في السياسة على 51,8% بحسب الجدول رقم 23، بينما لا يؤيد هذا التدخّل 47,4% من العيّنة المستجوَبة. ويعكس هذا الانقسام العمودي بين الموارنة في شأن تدخّل الكنيسة المارونية في السياسة في المرحلة الراهنة، الانقسام السياسي الحادّ الذي يطبع الحياة السياسية في لبنان ويوزّع العاملين في المجال السياسي بين قوى المعارضة وقوى الموالاة.
وعما هو مطلوب من الكنيسة المارونية في المجال السياسي اعتبر 72,3% من المستجوَبين وبحسب الجدول رقم 24، أنّ الكنيسة المارونية مدعوّة الى اتخاذ مواقف توجيهيّة مستقلّة عن التيارات السياسية، بينما رأى 19,7% أنّها مدعوّة الى "مسايرة" كلّ الأطراف السياسيين. ورأت قلّة من المستجوَبين أنّها مدعوّة الى الاهتمام بالشؤون الروحية فحسب (1,8%) والشؤون الاجتماعية (0,5%).

في الخلاصة يبدو واضحاً أنّ غالبية العيّنة المستجوَبة تعتبر أنّ للكنيسة دوراً في السياسة وأنّ هذا الدور يقوم على الدفاع عن الطائفة المارونية ومسلّماتها من خلال اتخاذ قرارات سياسية مستقلّة عن التيارات السياسية في البلاد. كذلك يبدو أنّ أكثر من نصف هذه العيّنة يؤيّد تدخّلها الحالي في المجال السياسي في لبنان ويعتبرها انها تؤدي دورها فيه.

مواصفات البطريرك وما ينتظره منه الموارنة في لبنان والتحدّيات والمشكلات التي يعرض لها الواقع؟
عرضت الاسئلة 20، 21، و22 من الاستمارة الاستفتائية مواضيع تتصل بما يمثّله البطريرك الماروني اليوم عند الموارنة، والمواصفات التي يتمنّى الموارنة أن يتمتع بها بطريركهم الجديد ومهماته. وعرض السؤال 26 للمشكلات التي تواجه المسيحيين في لبنان في المرحلة الراهنة، والتي تترتّب على البطريرك الجديد مسؤوليات حيالها. يمثّل البطريرك الماروني في رأي المستجوَبين، استناداً الى الجدول رقم 25 أربع صفات أساسيّة هي: صفته رئيساً للكنيسة المارونية بنسبة 47% من آراء المستجوَبين، مرجعاً وطنياً جامعاً بنسبة 44,6%، رمزاً لوحدة الكنيسة بنسبة 35,5% ومرجعاً سياسياً مارونياً بنسبة 30,8%. وقد أتت هذه النسب نتيجة للخيارات المتعدّدة التي عُرضت على المستجوَبين والذين تركّزت خياراتهم على الصفات المذكورة أعلاه استناداً الى امكان اعتماد أكثر من اجابة عن هذا السؤال.  وحازت الصفات الأربع الأخرى التي عرضت لها الاستمارات (رمز الانقسام الوطني، رجل في المكان غير المناسب، مرجع سياسي لـ 14 آذار وشخص عادي كباقي الناس) مجتمعةً على نسبة ضئيلة بلغت 1٫4% من مجموع المستجوَبين.
وهذا يعني أنّ غالبية عظمى من المستجوَبين تقدّر البطريرك الماروني وتصفه بطريقة ايجابية وتعتبره رمزاً للكنيسة المارونية ومرجعاً وطنياً جامعاً ورمزاً لوحدة الكنيسة ومرجعاً سياسياً مارونياً. 
وفي سياق تحديدهم للمواصفات التي يرغبون في أن يتمتّع بها البطريرك الماروني الجديد، اعتبر 69.2% أنّه يجب أن يكون رجل علم ومعرفة، وأن يتمتّع بقوة الشخصية (68٫1%)، وأن يكون رجلاً متواضعاً مصلّياً متمتّعاً بحياة روحيّة حقيقية (64٫8%). بعد المواصفات التي حازت النسب التي فاقت الـ60%، حدّد المستجوَبون مواصفات أخرى حازت معدّلات متوسّطة، فاعتبر 49,2% انّ البطريرك يجب أن يكون شفّافاً، بينما حازت صفة "الانفتاح" 45,3%. أمّا المواصفات التي حازت أقلّ من 35% فكانت القدرة على التعاطي مع الحداثة بنسبة 32,4%، والتواصل مع وسائل الاعلام بسهولة بنسبة 21,8%. أمّا الصفات الثلاث التي يعرض لها الجدول (القدرة على جمع الموارنة تحت راية الكنيسة، الاندفاع على مساعدة الناس، العدل) فحازت مجتمعة 1,8%. وأتت هذه النسب نتيجة للخيارات المتعدّدة التي عُرضت على المستجوَبين، والذين تركّزت خياراتهم على الصفات المذكورة أعلاه استناداً الى امكان اعتماد أكثر من اجابة عن هذا السؤال.
وفي سياق اجاباتهم عن المهمات التي يعتبرون أنّ البطريرك الماروني الجديد مدعوّ الى القيام بها، اعتبر 71,5% من أفراد العيّنة المستجوَبة أنّ على البطريرك الماروني الجديد أن يوحّد الموارنة والمسيحيين. واحتلّت مهمّة العودة بالكنيسة الى الحياة الروحية المرتبة الثانية بنسبة 59,3%. هاتان هما المهمّتان اللتان حازتا النسب التي تفوق 55%. أمّا المهمات التي حازت  نسبٍاً وسطية فكانت توحيد اللبنانيين، تفعيل حضور المسيحيين في العالم العربي، والاهتمام بالأجيال الشابة. في الواقع يدلّ الجدول رقم 27 على أنّ 49,2% من أفراد العيّنة المستجوَبة  حدّدوا للبطريرك الجديد مهمّة توحيد اللبنانيين، وأنّ 45,9% طالبوه بتفعيل حضور المسيحيين في العالم العربي، وأنّ 43,3% منهم صرّحوا بأنّ مهمّة البطريرك الجديد تقوم على الاهتمام بالأجيال الشابة. أما المهمات التي حازت أقلّ من 35% من آراء أفراد العيّنة المستجوَبة فمتّصلةً بعمله في الكنيسة اذ رأى 33,9% منهم أنّه مطالبٌ بتحديث عمل المؤسسات الكنسية، واعتبر 32,6% أنّه مدعو الى تطبيق مقررات المجمع البطريركي الماروني وصرّح 26,2% انّ عليه السهر على العاملين في المؤسسات الدينية.
أمّا المهمّة المتّصلة بالاهتمام بالانتشار الماروني في دنيا الاغتراب فلم تتعدَّ 0٫5% وهي تتقاطع مع نتائج أخرى عُرضت في جداول سابقة تدلّ على رضى غالبية أفراد العيّنة المستجوَبة عن العمل على مستوى الانتشار. 
رتّب أفراد العيّنة المستجوَبة المشكلات التي طرحها السؤال رقم 26 من الاستمارة الاستفتائية من الأكثر أهمّية الى الأقلّ أهمية. فاعتبر، في الترتيب الأوّل، 42,6%، أنّ الهجرة هي المشكلة الأساسية التي تواجه المسيحيين في المرحلة الحاضرة، وتلتها مشكلة "الابتعاد عن الحياة الروحية" بنسبة 17,8%، ومشكلة بيع الأراضي بنسبة 11%. وبدا واضحاً انّ الإنقسام السياسي له الأولوية عند 9,4% من المستجوَبين، بينما أعطى 8,9% مشكلة فرص العمل الأولوية. واعطت قلّة من المستجوَبين "الأوضاع السياسية غير المستقرة" الأولوية بنسبة 4,7% في حين اعتبر 1,6% أنّ الأولوية في المشكلات يجب أن تعطى للأصولية الدينية الإسلامية.
وفي ترتيبهم الثاني للمشكلات، حصلت مشكلة "بيع الأراضي" على النسبة الأعلى من آراء المستجوَبين بنسبة 24,1%، تليها مشكلة "الهجرة" بنسبة 18,4%، فـ"الانقسام السياسي" و"الابتعاد عن الحياة الروحية" بنسبة 12,4%. بينما تساوت في الترتيب الثاني مشكلتا "فرص العمل" و"الأوضاع السياسية غير المستقرة في لبنان" بنسبة 10,1%.
في الترتيب الثالث والرابع للمشكلات حصلت مشكلة "الانقسام السياسي" على النسبة الأعلى من آراء المستجوَبين (17,4% في الترتيب الثالث، 17,1% في الترتيب الرابع)، بينما حصلت مشكلة "الأوضاع السياسية غير المستقرة في لبنان" على الأوّلية في الترتيب الخامس بنسبة 17,5%. وجاءت مشكلة "فرص العمل" لتحتلّ في الترتيب السادس الأوّلية بنسبة 14% من اجابات العيّنة المستجوَبة، بينما احتلّت مشكلة "التباعد بين العلمانيين ورعاة الكنيسة"  الترتيب السابع والثامن الأوّلية بنسبة 20,6% في السابع و24,5% في الثامن. أخيراً احتلّت في الترتيب التاسع، في الجدول رقم 28، مشكلة الأصولية الدينية الإسلامية بنسبة 32,5%. وظهرت منذ الترتيب الرابع وحتى الترتيب التاسع مشكلة "السعي وراء المصالح الشخصية على حساب الخير العام" بطريقة لافتة اذ بدأت النسب التي تعطيها الأولويّة في تصاعد مستمرّ الى أن احتلّت المرتبة الثانية في الترتيب السابع (16,1%) والثامن (21,4%) والتاسع (20,3%).

• نتائج استمارة استفتاء أجرتها مؤسسة "غلوبل فيزيون للدراسات".
• المدير العام للمؤسسة.

طانيوس شهوان      

إلى مجلس المطارنة بقلم زيّان / الياس الديري - النهار



صحيح انني لست مارونياً، لكنّني لا اعتبر نفسي متدخّلاً في ما لا يعنيني حين أبدي رغبة في طرح أفكار تراودني على مجلس المطارنة الذي يلتئم غداً في بكركي في مهمة لن تكون سهلة.

فالمطلوب من هذا المجلس أن ينتخب بطريركاً جديداً يفرش رعايته على انطاكية وسائر المشرق، واضعاً نصب عينيه أنه يخلف البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، ويستحق أن يُعطى مجد لبنان.
فالبطريرك المستقيل، المنتقل الى فترة الراحة والتأمل بعدما جاهد الجهاد الحسن وأكمل الشوط وحفظ الايمان، وسَّع الآفاق، ووسَّع المسؤولية، حتى توسَّعت الكرسي وصار حجم بكركي متخطياً الوطن الصغير، ومتجاوزاً البحار السبعة الى العواصم الكبرى وحيث يتّكئ نفوذ الشرعيَّة الدولية.
ومن هناك الى دنيا الانتشار، الى حيث مهاجر لبناني أو جدّه لبناني. أو جدّ جدّه. أيقظ في نفوس الذين نسوا انتسابهم الى سويسرا الشرق حنينا لم يُحسن الأوَّلون أن يغرسوه في نفوسهم وقلوبهم، ونسي البطاركة الذين "حكموا" بكركي قبله أَن ثمة لبنان آخر مغترباً ومندثراً في القارات الخمس.
إنما، ليس هذا كل ما أعطاه البطريرك صفير الذي أعاد الى بكركي الكثير من بريق البطاركة الكبار، الذين كانت عين لهم على وحدة لبنان وعين على الطائفة التي ما فتئت منذ الانتداب الفرنسي تصارع الشطط والهوس في صفوف المتزعٍّمين، واللاهثين خلف المناصب والمكاسب.
وقف البطريرك المستقيل، صادّاً كل ما من شأنه تصديع البيت اللبناني وهدم الحائط الذي يتكئ ظهر لبنان عليه.
وبوداعة وصلابة، قال لا.
وبقي يقولها على امتداد ربع قرن. وفي أصعب الظروف وأحلكها. لم يلوِ، ولم ينكسر. لم يقل كلمة إلا كانت مشتقة من ضميره ووجدانه واقتناعه.
من هنا، واستناداً الى مواقف رسمت حدوداً وتحوَّلت مبادئ، جالت في الخاطر والبال تلك الرغبة، التي تحثُّ على التوجه الى أصحاب السيادة المطارنة وهم يحاولون الاهتداء الى خليفة لهذا البطريرك الظاهرة.
مار نصر الله بطرس صفير وضع قواعد، وأسساً، ومنهجاً، واعرافاً، وتقاليد ورسَّخ مفاهيم ومبادئ تشمل بأمانتها كل لبنان، وتحتضن في جوهرها كل اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم وفئاتهم.
ربع قرن، ولبنان من دوامة الى خضَّة، الى هزّة، الى حرب، الى أزمة وزارية مثلاً، الى مجهول الى آخره.
الا أن البطريرك لم يتزحزح. بقي سانداً لبنان الصيغة الفريدة المميزة، لبنان الرسالة، لبنان التعددية بايمانه الكبير بوفائه. بعناده. بثقته باللبنانيين.
بطريركا لكل لبنان كان. بطريرك الفراسة، الحكمة، الشجاعة، الصلابة، التقوى، الايمان، الوعي كان.
ومثله، بهذه الصفات، بهذه الخصال، ينتظر اللبنانيون من مجلس المطارنة أن يختاروا خيرُ خلف لخير سلفٍ. لسلفٍ رسم درباً واضحة المعالم، ليس لطائفته فحسب، بل لكل اللبنانيين. وعلى قاعدة من النقاء والشفافية والصلابة، بعيداً من كل تعصُّب وتهوّر، وكل ما يدور في فلك الأطماع، والشخصانيات، والشهوات والحرتقات.
للسادة المطارنة الذين يلتقون غداً ضمن جدران وأبواب مقفلة، يقول لكم اللبنانيّون الحرصاء على الوطن المقهور المضطهد إنكم تجتمعون لتختاروا خليفة صالحاً لبطريرك صالح، ملأ ربع قرن بالجهاد الوطني، العاقل، المسؤول، الرصين، المدرك فرادة الصيغة ومدى هشاشتها، وما تتعرَّض له من تجاذبات وضغوط.
فاعطوا لبنان مَنْ يستحق مجد بكركي ومجده، والمؤهل ليكون حقاً خير خلف لخير سلف.

"زيّان"       



الخميس، 3 مارس 2011

الحديث الأوّل للبطريرك صفير بعد الاستقالة/ حبيب شلوق - النهار



للبطريرك صفير و"النهار" قصة عمر طوال 25 عاما وقد رافقته في 47 رحلة كانت اولاها زيارته الاعتاب الرسولية ونيله درع التثبيت بعد انتخابه بطريركا عام 1986، وآخرها قبل نحو اسبوع يوم تسلم من البابا بينيديكتوس السادس عشر رسالة تتضمن قبول استقالته التي تقدم بها قبل اشهر. 
البطريرك المستقيل الدائم الحضور خصص بعضا من وقته الصباحي امس، الذي استهله كما كل يوم، بقداس ثم تناول طعام الفطور، وتمشى مع كاتب هذه السطور والمصور الزميل اميل عيد، في حديقة الصرح، لجهة مواقف السيارات، هذه الحديقة التي تطل على كل الساحل من اطراف جبيل الى اطراف بيروت، وعليها يطل الجناح الخاص للبطريرك صفير الذي سيتخذه مقرا لاقامته في الآتي من الأيام.
تمشى البطريرك بين الاشجار التي برع المشرفان الزراعيان شربل عيسى وشقيقه بول عيسى في تقليمها، على اشكال مار مارون والسيدة العذراء والبطريرك صفير بتاج البطريركية وعصا الرعاية، اضافة الى اشكال هندسية عدة.
نظر البطريرك طويلا الى هذه الاشكال وابتسم ثم تابع طريقه متفقدا اجزاء الحديقة.
اسئلة طرحناها عليه شملت كل شيء وهو رد "بما قل ودل"... والبطريرك كما هو لا يمكن استدراجه ولا استفزازه.
يتمنى التوفيق لخلفه، ويضع نفسه في خدمته اذا شاء، واستبعد اللجوء الى روما بعد 15 يوما اذا تعذر الانتخاب، اذ "اعتقد ان الامور تمشي".
كذلك ينفي البطريرك مجددا ما يشيعه البعض عن ان الاستقالة طلبت منه وقد اجبر عليها، و"كتاب الاستقالة معروف وظاهر، وما في احد يجبرني".
ويتمنى ان يصار الى تأليف الحكومة ويستقر البلد، "لان الوضع موضع قلق"، الا انه يستدرك لأن لبنان "افضل من غيره حاليا".
وعندما تسأل البطريرك أين سيكون مقر اقامته بعد انتخاب بطريرك جديد، يلتفت الى الوراء ويشير باصبعه الى الجناح الشمالي الشرقي في بكركي الذي شغله لفترة البطريرك مار انطونيوس بطرس خريش، ثم اعيد تجهيزه ليرتاح فيه البابا يوحنا بولس الثاني عندما زار لبنان في ايار 1997 الا ان كثرة الانشغالات حالت دون استراحة البابا فيه واقتصرت زيارته للجناح على تفقده. وقد استراح فيه بطريرك الروم الارثوذكس اغناطيوس الرابع في انتظار اجتماع بطاركة الشرق مع البابا.
والبطريرك راض عن كل ما فعله خلال توليه السدة البطريركية، وهو قبل "بما اراده الله لنا"، ويصف علاقته بالرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم خلال ولايته بأنها "منيحة"، والبعض منهم كانت العلاقة به "ساعة هيك وساعة هيك". ويبدي خشيته على الاستقلال اللبناني الذي "ليس ناجزا وتعتوره امور كثيرة، ويراه معرضا "اذا كان ابناء لبنان لا يدافعون عنه".
يتحدث البطريرك وينطلق الى الامام، فهو فعل ما يمليه عليه الضمير، اما الانتقادات التي وجهت اليه فيرد عليها بـ"ليسامحهم الله" مشيرا الى "ان بعض الناس يظن انني كنت منحازا، ومنهم من يريدون ان اكون معهم"، مؤكدا انه "مع ما اراه مفيدا للطائفة والوطن".
وبين سؤال وجواب، وسؤال وآخر، يردد اقوالا وحكما، واشعارا، بعضها قديمة جدا، وكان آخرها الابيات الشعرية:
يا ليت ذا القطا لنا
ومثل نصفه ليَ
الى قطاة اهلنا
اذ لنا قط ميا
والمعروف ان القطا هو الحمام البري، والبيت الشعري من الأحاجي وجوابه مئة.
وهنا الحوار:
• بعد ربع قرن بطريركا ونصف قرن اسقفا، هل لديك شعور بأنك انجرت ما كنت تطمح اليه للبطريركية وللطائفة وللمسيحيين عموما؟
- عملنا ما قدرنا الله على عمله والله شاء أن نقوم بما قمنا به فانجزناه.
• وهل ثمة شيء كنت تريد تنفيذه ولم تتمكن او لم يتسن لك الوقت لتنفيذه؟
- ربما هناك بعض اشياء لم نستطع ان نتمها كما يجب ان تتم.
• مثلا...
- بعض كتابات، بعض انجازات لم نستطع ان نتمها.

"تصرفت وفق الضمير"
• هل قمت بعمل معين أو اتخذت موقفاً معيناً و قلت لاحقاً كان من الأفضل ألا أقوم به لأي سبب من الأسباب؟
- لم أبحث في ذلك. كل ما أقوله انني تصرفت وفق ما يرشدني اليه الله ويقتضيه الضمير.
• هل يساورك قلق على البطريركية والطائفة ولبنان، في ظل الانقسامات، وخصوصاً في صفوف الزعماء الموارنة؟
- كما حفظ الله الطائفة في ما مضى من الزمن سيحفظها الآن، ولكن هذه الانقسامات طبعاً تبعث على القلق.
• هل ترى ابتعاداً لبعض المسيحيين عن الكنيسة في هذه الظروف؟ وما سبب ذلك؟
- طبعاً الناس ليسوا سواء، فمنهم من يبتعد ومنهم من اقترب من الكنيسة، وهذا كان في كل زمن وفي كل وقت.

ليسامحهم الله
• يتهمك بعض الاطراف بانحيازك الى فئة معينة، كيف ترى ذلك. وهل تعتقد ان هذا الواقع كان له تأثير على بكركي ورمزيتها؟
- بعض الناس يظن انني كنت منحازاً، ومنهم من يريدون أن أكون معهم، ولكن أنا لست معهم ولا مع سواهم، أنا مع ما أراه مفيداً للطائفة والوطن، ولذلك نرى ان هذا القول ربما لم يكن في محله.
• ماذا تقول للذين حملوا على البطريرك صفير في فترة من الفترات وانتقدوك؟
- أكتفي بالقول ليسامحهم الله.
• الجميع يعلم ان دوراً كبيراً اضطلعت به بالنسبة الى موضوع استقلال لبنان الجديد بعد الاستقلال الذي ساهم في صنعه البطريرك الحويك. كيف تصف هذه المرحلة؟ وهل أنت مرتاح الى ما حصل؟
- قمنا نحن وسوانا بما ألهمنا الله القيام به، والاستقلال يجب صونه والحفاظ عليه، والاستقلال اللبناني ليس ناجزاً وتعتوره أمور كثيرة، ولذلك يجب صونه وحمايته.
• هل تعتبر ان الاستقلال معرّض للاخطار اليوم؟
- ربما كان معرضاً إذا كان ابناء لبنان لا يدافعون عنه، بل يتخلون عنه ويريد كل منهم ان يحكم لبنان على ذوقه من دون الآخرين، وهذا ليس مرغوباً فيه، ويشكل قلقاً.
إن الاستقلال هو الأهم بالنسبة الى الأوطان التي إذا فقدته فقدت مداميك وجودها، ولذلك على الجميع ان يعملوا للحفاظ على الاستقلال من خلال التضحية في سبيله وتغليب مصلحة الوطن على أي مصلحة أخرى، سواء كانت شخصية أو غير شخصية.
• كيف ترى المرحلة المقبلة في ظل استمرار الازمة الحكومية الحالية والعقبات التي تعترض التأليف؟
- نتمنى ان يصار الى تأليف حكومة وان يستقر البلد ويرجع الناس بعضهم الى البعض وان ينصرفوا الى أعمالهم في أمن وطمأنينة وسلام.
• هل أنت راض عن كل الفترة التي توليت فيها البطريركية؟ وما أكثر ما آلمك تلك الفترة؟ هل ما بعد الطائف او ما بعد الدوحة او ما بعد مصالحة الجبل أم "حرب الشرقية"؟
- قبلنا بما أراده الله لنا، ولذلك إن الوضع في لبنان كان موضع قلق ولا يزال. وهذه الاضطرابات التي نشهدها الآن، ما هي إلا نتيجة للتراكمات التي حدثت في لبنان في ما سبق.
وعلى كل حال إننا نرى ما يحصل في المنطقة بينما الوضع اللبناني لا يزال أفضل من غيره حالياً، ونأمل ان تظل هذه التطورات بعيدة وان يبقى لبنان في منأى عنها.
• كيف تصف العلاقة بين الطوائف اللبنانية؟ وهل تراها كما يجب أن تكون؟
- هذا وقف على الطوائف، فمنها من يوثّق عرى الصداقة والمعرفة مع الطوائف الأخرى ومنها من ينكفئ على ذاته.
• هل ترى تأثيراً خارجياً لا يزال قائماً على اللبنانيين وعلى الموارنة تحديداً؟
- التأثير الخارجي لا ينكر، وهو موجود دائماً في لبنان وفي غيره. وطبعاً الناس يتفاعلون بعضهم مع البعض.

"هيك وهيك"
• لقد رافقت بطريركاً أربعة رؤساء جمهورية، هل ترى رئيساً مميزاً او ربطتك بأحدهم علاقة مميزة؟
- كلهم مميزون.
• وعلاقتك بهم؟
- منيحة... منيحة. والبعض منهم ساعة هيك ساعة هيك بحسب الظروف... وعموماً كانت العلاقة منيحة.
• زرت اللبنانيين في دول انتشار عدة، كيف رأيت هذا الوجود اللبناني والمسيحي تحديداً في الخارج؟
- إنهم على وجه الاجمال متمسكون بايمانهم وبتقاليدهم، هذا في الجيل الأول والثاني، اما الجيل الثالث فإنه تبنى عادات البلد الذي يقيم فيه. لكن اللبنانيين يضطرون الى الذهاب بعيداً الى اماكن مختلفة شرقاً وغرباً، ذلك ان هذا البلد معروف، كانوا يقولون انه جبل الشح في ما مضى وهو لا يتسع لجميع أبنائه، لذلك اضطروا الى السفر والهجرة.
والمطلوب اليوم الحفاظ على علاقة المنتشرين بالوطن الأم، وتجنيد كل الطاقات في سبيل ترسيخ هذه العلاقة، وجعلهم يشعرون بأنهم ما زالوا لبنانيين بكل الطرق.
• هل يعني ذلك العمل لاستعادة جنسيتهم؟
- استعادة الجنسية وما اليها من قضايا تهمهم وتجعلهم لا يشعرون بأنهم غرباء عن وطنهم الأم.
• سافرت كثيراً وقابلت رؤساء كثراً، من منهم ترك أثراً معيناً في نفسك؟
- كلهم جيدون، ولكل منهم صفاته التي يمتاز بها عن غيره.
• وأي رحلة تركت أثراً أكبر؟
- كل الرحلات كانت جيدة، انما رحلة أميركا كانت كبيرة.
• وزيارتك لفرنسا؟
- كذلك جيدة، وقابلنا أكثر من رئيس فرنسي.

"ما من أحد يجبرني"
• لندخل في موضوع الاستقالة، فالبعض لا يزال يقول انك اجبرت عليها. كيف ترد على ذلك؟
- هذا غير صحيح أولاً، ولم استقل تحت أي ضغط، وان كتاب الاستقالة معروف، وظاهر، وما من أحد يجبرني، انما ضميري وربي. ولكن لا علاقة للذين يقولون ذلك بهذا الأمر.
• لماذا كل هذا التداول للاسماء وبلوغ ذلك حداً لم يعرفه اللبنانيون من قبل؟
- لكل من المطارنة الحق في أن يرشّح نفسه أو يكون مرشحاً، ولكن هذا في علم الله، وسيكون بطريركاً من يريده الله أن يكون. 
• هل ترى في ذلك صحة أم أن في الأمر محاولة لإضعاف الموقع؟
- لا نعرف، هل في إمكانك أن تسكت الناس؟ فلهم ألسنة ويتكلمون.
• هل تتوقع أن يأخذ انتخاب البطريرك الجديد وقتاً، أم سيكون سريعاً؟
- لا أعرف، هذا يتقرر داخل المجمع.
• هل يمكن أن نصل إلى عرض الموضوع على روما بعد مرور 15 يوماً من الجلسات؟
- لا أعتقد. في حال الصعوبة يمكن ذلك. ولكن أعتقد أن الأمور تمشي.
• هل أنت مرتاح إلى المرحلة البطريركية المقبلة؟
- لكل بطريرك شخصيته، إنما الثوابت العامة قائمة. ومهمة البطريرك معروفة.
• هل ستكون يداً مساعدة للبطريرك الجديد؟
- اذا طلب منا شيئا فنقوم بما يمكن ان نقوم به. وطبعا أضع نفسي في خدمته.
•كيف تصف علاقتك بالبابا بينيديكتوس؟ وهل هي العلاقة نفسها التي كانت مع البابا السابق يوحنا بولس الثاني، أم أن لكل منهما شخصية مختلفة؟
- طبعا لكل شخصيته، انما العلاقة هي نفسها، علاقة البطريرك الماروني والطائفة المارونية بروما.
•إحدى الكنائس تعتبر نفسها في شركة مع روما؟
- نحن نعتبر ان البابا هو رئيس الكنيسة الكاثوليكية عموما.
•هل تمكن المقارنة بينك وبين أي من البطاركة وتحديدا البطريرك الحويك؟
- أنا لا يمكنني أن أقارن، انما قد تكون الظروف هي التي تجعل الانسان يتكيف معها. وقتها كان الاستقلال وكان الاتراك ومجيء فرنسا، ونحن في أيامنا ليس هناك شيء من هذا كله.
•ولكن هذه المرحلة بدت أكثر صعوبة؟
- طبعا فيها صعوبة.
•يحكى كثيرا عن مقر اقامة البطريرك صفير بعد انتخاب بطريرك جديد، فأين سيقيم البطريرك صفير؟
- سأقيم في البطريركية.
•وماذا عن الاقاويل في هذا المجال؟
- لا يمكنني أن أسكت الناس.
•هل أنت راض عن الوضع السياسي الحالي؟
- كنا نأمل ان تكون الطائفة مجتمعة أكثر مما هي، فهي متفرقة وكل ذاهب الى مكان. وهناك انقسام، فيما بعض الطوائف غير منقسم مثل الطائفة المارونية.
•قد تتزامن فترة انتخاب بطريرك مع استحقاقين، الاول تأليف الحكومة والثاني صدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري؟
- أولا ان انتخاب البطريرك لا علاقة له بالحكومة وبالقرار الاتهامي، والقرار اذا ظهر فهو يرتب مسؤوليات على الذين ارتكبوا هذه الجريمة الكبيرة. وقد تتغير المواقف. ثم ان للمحكمة الدولية موقعها في لبنان وفي غيره ويجب عليها ان تظهر الامور على حقيقتها.