الخميس، 22 سبتمبر 2011

الموارنة والمسيحيون بعد "نهاية التاريخ" في سوريا


كتب جهاد الزين - النهار - أيلول 2011

هؤلاء المسيحيون الذين تحمل الحداثة رائحة وازياء احيائهم ومدارسهم سنكتشف انهم يستقبلون الآن المرحلة الاكثر حداثية وغربية في المنطقة منذ عقود بتحفظات بل باعتراضات.
 لا يمكن للمراقب السياسي، خصوصا اللبناني، الا ان يتوقع الضجة التي بدأت تثيرها التصريحات التي ادلى بها البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال زيارته الى فرنسا.
فهذه التصريحات ليست مجرد مواقف غير مألوفة صادرة عن الرئيس الجديد للكنيسة المارونية، انما هي بما تعنيه حرفيا انقلاب حقيقي في مواقف هذه الكنيسة ليس قياسا بالبطريرك السابق مار نصرالله بطرس صفير وانما بما هو ابعد من ذلك.
لهذا تستلزم هذه التصريحات قبل اتخاذ موقف منها سلبا او ايجابا ان نسعى الى فهم اسبابها والمعطيات التي ادت الى صدورها. فهي لم تصدر فقط عن البطريرك بل اختار صاحبها اطلاقها في العاصمة الفرنسية التي تقود سياسات نقيضة لها، وهي اي باريس ماهي عليه من اهمية رمزية وعملية في حاضر وتاريخ الموارنة ولبنان الصغير ثم الكبير.
يمكن اختصار تصريحات البطريرك الراعي في اربع نقاط اساسية:
الاولى هي الموقف من خطر التشدد الاسلامي السني على المسيحيين السوريين وبالتالي اللبنانيين بل على مسيحيي المنطقة.
الثانية هي الموقف المتفهم لوضع النظام السوري من حيث حاجته الى الوقت لتنفيذ اصلاحاته الموعودة.وهذا يعني نوعا من التأييد لهذا النظام.
الثالثة وهي تأييد عدم تسليم "حزب الله" لسلاحه قبل انهاء الاحتلال الاسرائيلي لما تبقى من اراض لبنانية بحوزته ولتأمين عودة اللاجئين الفلسطينيين الى بلادهم.
الرابعة وهي اشتراطه ان لا تكون المحكمة الخاصة بلبنان مسيّسة او مزورة... لتأييدها.
هذه المواقف بالمعايير اللبنانية والاقليمية هي مواقف صاعقة وخصوصا لفريق مسيحيي 14 اذار، ناهيك عن انها تحمل تحديا مباشرا في نقاطها الثانية والثالثة والرابعة للسياسة الغربية الاميركية والاوروبية في لبنان والمنطقة وليس فقط للدولة المضيفة فرنسا.
لو حملنا على محمل الحرفية كلام السيد الراعي لكان بامكاننا ان نعتبر بلا اي تردد ان اقوال البطريرك الاخيرة تعني لاول مرة منذ عام 1920 انتقالا للكنيسة المارونية من اولوية خطاب الحفاظ على صورة ما للبنان السياسي التي هي مؤسِسة تكوينية بالشراكة مع الفرنسيين في قيامه كدولة الى اولوية استطيع القول ولو بحذر انها من نوع جديد هي اولوية الحفاظ على وجود المسيحيين المشرقيين في بلاد الشام بما فيها لبنان وفلسطين والاردن وطبعا مسيحيي مصر وما تبقى في العراق.
الكنيسة المارونية هي الكنيسة الوحيدة في العالم العربي التي تعتبر نفسها مسؤولة عن كيان وطني له دولته على غرار الكنيسة الارمنية في القوقاز والصربية واليونانية والبلغارية في البلقان والبولونية في شمال اوروبا ناهيك عن علاقة الكنيسة الروسية بالدولة الروسية ما قبل وما بعد الحقبة السوفياتية.الكنائس العربية الاخرى او الموجودة في العالم العربي لا تملك هذه الخاصية بما فيها الكنيسة القبطية التي وان كانت شديدة الاعتزاز حتى داخل العالم المسيحي باصالتها الوطنية الا انها لا تعتبر نفسها مسؤولة عن الدولة المصرية على الاقل منذ الفتح الاسلامي، بل العكس هو القائم اي كونها خاضعة لتقاليد الدولة "السلطانية" المسلمة المصرية.
منذ عام 1920 تأسست الثقافة السياسية المسيحية اللبنانية على الحساسية الكيانية اللبنانية حيال سوريا كداخل واسع  ثم لاحقا ككيان موحد عاصمته دمشق باعتبار الاخيرة مصدر تهديد الاستقلال اللبناني. ستستمر هذه الحساسية اللبنانية وبكركي عنوان رئيسي فيها، لتبلغ بسبب مسؤوليات سورية ولبنانية متبادلة لسنا في مجال التدقيق فيها هنا، مستوىً عاليا من التوتر في العقدين المنصرمين.
تنزع تصريحات البطريرك الراعي الاخيرة اذا اعتبرناها "كُلا" مترابطا الى اولوية الوجود المسيحي المشرقي لا اللبناني وحده. وبهذا المعنى هي تحدث تعديلا نوعيا  في خطاب الحساسية باتجاه تغييره الفعلي مرتبة الخطاب المشرقي داخل توجهاتها السياسية. وليس صدفة في هذا السياق ان تنضم هذه التصريحات الى النمط الغالب لخطاب الكنائس الانطاكية الاخرى ولكن طبعا سيعني، هذا لأن المارونية هي الكنيسة العربية الاقوى سياسيا- وان كانت ليست الكنيسة الاكبرعدديا وجغرافيا- سيعني انها ستحتل الموقع القيادي بين الكنائس في الخطاب المشرقي كونها الكنيسة "الدولتية" الوحيدة (السلبيون يقولون انها الكنيسة الوحيدة غير الذمية).
البعد الاخر لتصريحات البطريرك اذا كانت غير عابرة انها تنتقل الى تبني مفهوم تحالف الاقليات المسلمة والمسيحية في مقابل الاكثرية السنية. ادخال موضوع "حزب الله" في التصريحات يعني ان الشيعة الاثني عشرية جزء من هذه الاقليات في نظر البطريرك.
لا بأس هنا من التدقيق. بما ان مواقف السيد الراعي تضع ضمنا ومباشرة الطائفة الشيعية ضمن الاقليات في المنطقة، لا بد من التساؤل عما اذا كان هذا "التصنيف" للشيعة دقيقا قياسا بـ"معيارين"، الاول هو مسؤولية الحالة الايرانية التاريخية منذ العام 1979 عن تفعيل بل اطلاق الاسلام السياسي الذي يتوجس منه البطريرك الراعي بمعناه "الاكثري"داخل ايران ذات الثمانين مليون مواطن، وبمعناه الايديولوجي الذي سيساهم في تفعيل مد اصولي سني هائل اعتبارا من منتصف الثمانينات من القرن العشرين، رغم ان جزءا مهما من الجيل الثاني لهذا المد سيصبح معاديا للشيعية الخمينية.
المعيار الثاني هو دور الاسلام السياسي الشيعي ايضا الاغلبي في العراق - الى جانب الاسلام السني - في ما آلت اليه الحالة العراقية بعد العام 2003 ومن ضمنها اوضاع المسيحيين "الانقراضية" في بغداد المختلطة مذهبيا وفي الشمال الموصلي السني مع التذكير الدائم بأن تدهور اوضاع المسيحيين العراقيين بدأ في الثلاثينات من القرن الماضي. فبعكس الازدهار الاجتماعي الذي لاءم المسيحيين مع تأسيس الكيان السياسي السوري  والحماية الملكية الدستورية للاقلية المسيحية الاردنية يجب ملاحظة ان الكيان العراقي منذ تأسيسه عام 1921 سيظهر سريعا انه لم يلائم بشكل عميق المسيحيين العراقيين لا في المجال السياسي بعكس لبنان والاردن، ولا في المجال الاجتماعي الاقتصادي بعكس سوريا، بينما سيشاطر المسيحيون الفلسطينيون سوء الطالع الذي اصاب المسيحيين العراقيين انما بشكل اقسى بما لا يقاس لان المسؤولية هناك تتعلق بالعدو الاسرائيلي وفي سياق وحشي لم يميز بين مسلمين ومسيحيين. لكن من الواضح في خلفية تصريحات سيد بكركي ان الشيعة في لبنان هم جزء من اقليات بلاد الشام رغم سيطرة نوع من الاسلام الاصولي على تمثيلهم السياسي.
دائما يخبىء التاريخ اشكالا غير متوقعة من ردود الفعل. ففي الزمن المفاجىء للثورات العربية شبه الشاملة تحت الشعار الديموقراطي اساسا شهدنا في جملة وقائع كثيرة ان حركات الاخوان المسلمين لاسيما في مصر هي في الواجهة الديناميكية للحدث. لكن شهدنا ايضا بروزا سريعا لحساسية سلبية من الفاتيكان حيال تأثير التيارات الاسلامية المتشددة المباشر في مصر. استدعى هذا رد فعل  ليس من المتطرفين بل من المؤسسة التي عادت تحاول تحضير نفسها في ظل قيادة شيخها المتنور الدكتور احمد الطيب لقيادة تيار الاعتدال الاسلامي اي مشيخة الازهر.
اذن سيصبح السجال في مرحلته الاولى "الثورية" سجالا بين معتدلين (الفاتيكان-الازهر) وليس بين معتدلين ومتطرفين وهذا امر حمل معه خطر ظهور نوع من التوتر بين الاسلام  والمسيحية. واسمح لنفسي بالقول انه تلاسن في المكان الخطأ لان مصر نفسها، دولة ونخبا، تبدو حتى في حالتها الثورية ذات فرادة مطمئنة عميقا على المدى الابعد وهي خوض التغيير من داخل المؤسسات القضائية رغم التحديات اليومية بل المخاطر اليومية للتطرف.
 اما في المشرق "الليفانت"، بلاد الشام والعراق، فتبدو الامور اقل يقينية، حيث دول غير مكتملة الشرعية منذ تأسيسها ومجتمعات تزداد تفككا حتى لو ان  الرؤية المتفائلة (دعونا نسمها الرؤية التماسكية) التي تحملها نخب علمانية ومتنورة معارضة في الداخل والخارج تستطيع الاتكاء على معطيات جادة من تاريخ الصراع السياسي في هذه الدول. لكن من اين لنا اليقين بل الثقة في ان اجنحة الاسلام السياسي في "الليفانت" قادرة على لعب ادوار "تماسكية" فاعلة بالمعنى الذي اظهرته القيادة الرئيسية للاخوان المسلمين في مصر ناهيك عن التجربة الميدانية "العلمانية" لتيار مهم من شباب "الاخوان" في ميدان التحرير مع اليساريين والليبراليين اقباطا ومسلمين؟ اذا كان للامور الكبيرة نِصابها فمن المستحيل ان يكون كلام البطريرك الراعي مجرد فورة عابرة كنسيا وفاتيكانيا. نعم انه انقلاب يقوده البطريرك ولكن علينا ان نفهم موجته الضمنية لاسيما في الفاتيكان. وحتى لو ان اعتراضات كبيرة عليه يمكن انتظارها من داخل النخب المارونية، فلن تكون المرة الاولى التي تختلف فيها هذه النخب على خيارات سياسية كبيرة.وسبق لبعض البطاركة ان اختلف مع المفوض السامي الفرنسي كما حصل عام 1936 في موضوع امتياز التبغ (وجعل ذلك رياض الصلح يلتقط الفرصة لمد جسور بين بكركي وقيادة الكتلة الوطنية السورية) او حتى كما تقول مذكرات الجنرال غورو التي نشرها ابن شقيقته عندما اعترض البطريرك حويك عام 1921  على النفوذ الذي يتمتع به جهاز المفوضية الفرنسية في دمشق!
واذا كانت النخب المسيحية عموما في بلاد الشام قد ساهمت في الحفر الثقافي والسياسي الذي ادى الى سقوط الامبراطورية العثمانية فسيكون من الترويج السطحي الادعاء ان هذه النخب وجماهيرها قد انخرطت بدون تعقيدات في عملية اخراج الانتداب الفرنسي من لبنان وسوريا. لقد كان الكثير منها واجفا وقلقا من ذلك التغيير "الوطني" حتى لو كان بعضها في قيادة التيار الاستقلالي. واي كلام آخر هو مجرد بروباغندا.
اليوم ها هي موجة التغيير الديموقراطي العربي التي يقودها الغرب بالاستناد الى ديناميات واحتقانات اجتماعية وسياسية واقتصادية محلية هي بنت زمننا الاكثر عولمة، واذا بالتاريخ الراهن يخبىء لنا مفاجأة كبيرة بدءا من الشكل: المسيحيون الذين هم بيئة الليبرالية الاجتماعية والثقافية في المنطقة، هؤلاء الذين تحمل الحداثة في بلادنا رائحة وازياء احيائهم ومدارسهم، هؤلاء انفسهم في سوريا بشبه صمت وفي لبنان بضجيج ما بعد تصريحات بشارة الراعي يثيرون اشكالية مدى اهلية التيارات الاسلامية لقيادة مرحلة التحول الديموقراطي!؟
لنكتشف انهم ايضا في الموجة الديموقراطية التي هم بائعو بضاعتها الغربية الاعرق في بلاد الشام منذ القرن التاسع عشر... لنكتشف انهم لديهم اسئلتهم وتحفظاتهم واعتراضاتهم - احيانا الوجودية - على اكثر مرحلة غربية وحداثية في المنطقة منذ عقود... كأنهم يفتحون كوة في جدار "نهاية التاريخ" نحو ما بعده....؟
جهاد الزين     
jihad.elzein@annahar.com.lb     

تأخّر مأسسة الكنيسة ورفض الموافقة على أسماء مطارنة اتصالات خارجية لحصر تداعيات كلام الراعي

كتبت هيام القصيفي - النهار - الأربعاء 21 أيلول 2011


في 15 كانون الثاني الماضي قال عميد مجمع الكنائس الشرقية في الفاتيكان الكاردينال ليوناردو ساندري خلال تكريسه الكاتدرائية اللاتينية في حلب، ان سوريا "مثال يحتذى في الترابط بين ابناء مجتمعها". كرست تلك العبارة التحول في نظرة الفاتيكان الى مستقبل المسيحيين في الشرق الاوسط، بخلاف النظرة التي سادت في حقبة البابا البولوني الراحل يوحنا بولس الثاني. فتح ساندري الباب امام الاجتهادات داخل الكنيسة المارونية والرهبانيات التابعة لسلطة روما، ليتكرس التحول الفاتيكاني الذي كان بوشر به بالطلب من البطريرك الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير الاستقالة، واشراف ساندري على اختيار خليفته البطريرك مار بشارة بطرس الراعي.
تزامنت احداث سوريا مع وصول بطريرك جديد الى سدة بكركي، لكن الخطاب الفاتيكاني والبطريركي الماروني لم يواكب التحول السوري، الى ان جاء موقف البابا حاسما حيال العنف الذي يمارسه النظام السوري على شعبه. في المقابل ظل ساندري على حذره فتمنى في حزيران الماضي ان يكون الربيع العربي "مصدر رجاء، وإنما ينبغي عليه أن يحترم كرامة الانسان، وخصوصا الحرية الدينية".
عند هذا المفترق حصل التباين في لبنان بين توجهين حيال النظرة الى سوريا، وتبعا لذلك تكرس الافتراق حول مختلف المواضيع الخلافية وابرزها سلاح  "حزب الله" والموقف من المحكمة الدولية. لكن هذا التباين ظل محكوما بسقف لبناني سياسي، الى ان جاءت مواقف الراعي قبل زيارة باريس وبعدها، لتضع الوضع الداخلي في مرتبة ثانية امام النظرة الشمولية الى وضع مسيحيي لبنان والشرق الاوسط. ويكمن جوهر التباين الراهن في انه لا ينحصر في دوائر لبنانية بعينها خاضعة لمزاج القادة السياسيين من 8 و14 آذار، بل تخطتها الى المجمع الشرقي الفاتيكاني الذي ينقل متصلون بدوائر فاعلة فيه ان النقاشات بدأت تنحو جديا نحو الخيارات التي اتخذها ساندري سابقا، ليس على مستوى لبنان فحسب انما ايضا على مستوى الشرق الاوسط، في كيفية مقاربة المسألة المسيحية المشرقية برمتها. ولا تنفصل بطبيعة الحال، بحسب زوار الفاتيكان شبه الدائمين، النقاشات التي تصل احيانا الى حد الصراع بين قوى النفوذ في الكرسي الرسولي، عن التأثيرات الديبلوماسية الاوروبية والاميركية. تماما كما حصل بعد زيارة الراعي الى باريس، من خلال ما مارسته الخارجية الفرنسية بقيادة الوزير الان جوبيه صاحب الموقف الصارم من سوريا والمؤيد تقليديا لبكركي ايام كان يلتقي صفير ابان الصراع مع دمشق. وينقل سياسي لبناني قريب من السفير الفرنسي دوني بييتون ان تعديل موقفه من زيارة الراعي جاء بناء على قرار واضح من الاليزيه وليس الكي دورسيه وحده.
وتتقاطع معلومات دوائر روحية مارونية مع ما نقل الى سياسيين غير مسيحيين ان الملاحظات التي قدمت الى الفاتيكان تتناول ثلاثة مستويات: الاول العلاقة بين مسيحيي لبنان والعالم العربي. وعلى هذا المستوى فان ما ذكره الراعي عن السنّة لا يصب في خانة مسيحيي سوريا (موارنة سوريا هم اقلية) ولا مسيحيي المنطقة العربية عموما. والقرار الذي كان اتخذ بتحييد الراعي يتغير تحت وطأة اصراره على مواقفه. وهذا الامر لا ينحصر بلبنان، وتكفي متابعة بيانات المثقفين السوريين وقادة المعارضة والصحف السعودية والخليجية ومقالاتها واخبارها عن الراعي، لفهم حقيقة ما خلّفه كلامه. والتطور الابرز جاء اخيرا بحسب معلومات لبنانية عن اتصالات فاتيكانية - سعودية وزيارة وفد فاتيكاني الى الرياض لحصر اضرار الكلام الماروني اللبناني وتأثيراته على مسيحيي الخليج سكانا وعمالا، وخصوصا انه سبق للبابا الحالي بينيديكتوس الـ16 ان اختبر ردود الفعل على كلامه حول المسلمين في احدى الخطب الدينية بعد تنصيبه.
اما المستوى الثاني فيرتبط بزيارة الراعي الى بعلبك حيث حل ضيفا في حمى "حزب الله" الذي يسعى المجتمع الدولي الى تقديم افراد منه الى المحكمة الدولية، ونيته زيارة الشريك الشيعي الآخر في الجنوب، الامر الذي ما يفاقم ازمة الثقة بين بكركي والشريك السني لبنانيا وعربيا.
والمستوى الثالث يتعلق بالشأن الماروني الداخلي لأن الفاتيكان قدم الراعي على قاعدة انه يمهد لمأسسة الكنيسة ويبعدها عن الصراعات السياسية. ولكن بعد مضي سبعة اشهر، صارت بكركي في قلب الصراع السياسي الحاد، الذي يترجم خلال جولة الراعي الاميركية المقبلة وسط تأكيد ممثلي الجاليات من قوى 14 آذار نيتهم مقاطعته، والتأخير المتعمد بإبلاغ بكركي تحديد مواعيد رسمية للراعي مع المسؤولين الاميركيين، والتي كان يفترض تحديدها قبل اسبوعين. وكذلك لم يسجل اي تقدم في ادارة الكنيسة الجامعة، لا بل ان الفاتيكان لم يوافق الا على سيامة مطرانين مشهود لهما هما كميل زيدان وحنا علوان. في حين ان لديه ملاحظات "مسلكية" على بعض اسماء رفعت اليه، ولن يكون في مقدوره الموافقة على الاسماء الاخرى، مما يجعل تأخير الموافقات الاخرى دفعة واحدة الى السنة المقبلة امرا ممكنا
هيام القصيفي    
hiyam.kossayfi@annahar.com.lb     

الثلاثاء، 12 يوليو 2011

عبّاس بيضون وسعيد عقل والمركز الكاثوليكيّ للإعلام



هكذا تكلم سعيد عقل لعبّاس بيضون 


بلغ المئة ولم يقع تحتها تماماً، كما حصل لميخائيل نعيمة. أوفى سعيد عقل على المئة. هكذا سيكون للأدب اللبناني جد شرعي. انه يستحق بالطبع احتفال بكركي، فمنذ نعومة أظفاره لم يخالف الإنجيل ولو بشعرة واحدة. حاول أن يخترع لاهوتا موازيا، وبالفعل أحبه الله وأعطاه الكثير، دزينة مواهب تقريباً وعلمه كل شيء. وهو أيضاً علم الآخرين بنعمة أبيه السماوي كل شيء. وصيه واحدة لم يتعظ بها وهي حب الجار وحب القريب، في الواقع كرههما وخاصة عندما كانا يشاركانه في أرضه، كرههما كثيراً واختال كثيراً عليهما. كانا هنا فقط ليعرف مدى تفوقه وجماله وحكمته. بالفعل كان جميلاً جداً لكنه أحب جماله كثيراً ولم يمنحه لإنسان، فتنته نفسه ولم يجد أحداً يستحقها. كان بنعمة أبيه السماوي مخلوقا إلهياً وجعل يخاطب المطلق. عاش مع القيم السبع والمبادئ الاحد عشر والمدن التسع والوصايا الست، عاش كالآلهة مع الأعداد المقدسة ومع الهنيهات التي تقع في المطلق ومع الساعات الذهبية، أحبته النساء وأحبه الرجال لكنه كان أقنوماً خالداً وفوق الحب والكره. لم ير القبح ولا ذاق المرارة ولا عرف عاقبة الخسارة أو الخيبات. ظل في سمائه الصغيرة لا يرى الدم يسيل من السكاكين، الدم الذي يملأ الشوارع. حين احتربوا تحت نافذته لم يراجع نفسه، ظلّت له من نفسه فتنة كافية، ظل له من نفسه شريكاً أعظم. ظل له، من نفسه، الواحد الذي لا يتجزأ، الواحد الذي لا يرى الكسور. حين سقطت الأعداد وتكسرت تحت نافذته لم يشعر. حين انتهى العالم من حوله لم يشعر، ظل فوق الحزن والفرح، فوق الحب والكره وكان جميلاً، كما يقدر لإله، كما يقدر لمخلوق صنعته الخلود. ظل طاهراً ونظيفاً كما يقدر لمن تأله طفلاً وشرب من كأس الآلهة. لم يتعظ بالوصية التي توصي بحب الجار وحب القريب. تلك هفوة واحدة ولن تحسب عليه، لكن من سحره جمال نفسه سيغضب الآخرين. من فتنته صورته خبله جماله. من أوحشه جماله وصرعه مرة واحدة ستخيله المسافات وسيبحث عن صورته ولن يكف. سيكره من يجده في قدسه. سيعبد نفسه حتى الكفر بالباقين. في كل حال لن يراهم وفجأة في هذه الذات المستوحشة يلمع الخنجر. فجأة وهو يتعبد يتناول الخنجر. في افتتانه بالواحد الذي هو يروح يحلم بالقتل، يضيف وصية جديدة «على كل لبناني ان يقتل فلسطينيا». القتل بدون كره، القتل بدون انتقام، القتل فقط ليكون هناك قربان، ليقبل الإله هذه الأضحية. لتتم العبادة وتتم التضحية ونقتل لا الابن لكن الجار والقريب. مرة قال برونون السيريالي الحقيقي هو الذي ينزل إلى الشارع ويطلق على العامة. سول بيلو اعتبرها فاشية. هكذا يتكلمون في الخارج، من أكثر من أحب نفسه يصير فاشيا، من هام بنفسه يصير قاتلاً. سعيد عقل وصل إلى المئة. صعد الدرجات كلها ووصل منهوكا. لقد وصل ونال جائزته قداساً. ما أشق الطريق ما أخف الجائزة.


وهكذا ردّ الأب عبدو أبو كسم رئيس المركز الكاثوليكيّ للإعلام



رداً على مقالة عباس بيضون هكذا تكلم سعيد عقل

السفير 12/07/2011

عبده ابو كسم
طالعنا عباس بيضون في مقال يحمل عنوانا «وإنها لثورة» صدر في جريدتكم الغراء نهار الجمعة 8 تموز 2011، العدد 11931 في صفحة «الثقافي». يتكلم فيه على الثورات وما تحمل من معانٍ، لكن ما لفت انتباهنا واستغرابنا في آن، هو كلامه على الشاعر سعيد عقل، الذي لا يمت إلى الموضوع بصلة، وما ساقه من تهجمات واتهامات في حق هذا الرجل العظيم الذي حمل اسم لبنان عالياً شامخاً إلى كل العالم، بنبرة ممزوجة بالعنفوان والحق.
نحن لسنا بصدد الدفاع عن الشاعر سعيد عقل، فالعمالقة أمثاله لا تهزّهم مداعبات صبيانية كهذه، لكن ما يهمنا في الأمر، تناول السيد بيضون اسم بكركي والاحتفال التكريمي للشاعر سعيد عقل والتحقير لمعنى القداس، الذي هو أسمى وأرفع الاحتفالات المقدسة في حياة كنيستنا، لذلك رأينا من الواجب أن نوضح للسيد عباس بيضون وللرأي العام ما يلي:
1ـ إن الاحتفال التكريمي الذي أقيم للشاعر سعيد عقل في بكركي كان بدعوة من جامعة سيدة اللويزة لافتتاح مئوية سعيد عقل، ان بكركي رحبت بهذا التكريم الذي يحمل في مضمونه وجها روحيا وثقافيا، لما يستحقه هذا الشاعر الكبير من تقدير بامتياز.
2ـ أما الكلام على اللاهوت الموازي الذي اخترعه سعيد عقل في مقابل اللاهوت المسيحي، فهذا كلام في غير محله، فسعيد عقل جسد لاهوت الكنيسة في كتاباتهوشعره، وحوّل بعضه إلى ترانيم تُرفع إلى الله في ذبيحة القداس.
3ـ إن كلام كاتب المقال الذي يوحي في نهاية مقاله أن الكنيسة تكرّم الحاقدين والفاشيين أمثال سعيد عقل وتمنحهم الجوائز منهياً بالقول: لقد وصل (سعيد عقل) ونال جائزته قداساً، ما أشق الطريق وما أخف الجائزة.
إن هذا الكلام خطير جداً ويطال جميع المسيحيين ويسيء إليهم في صميم معتقداتهم الإيمانية ويولد لديهم اشمئزازاً وقد يثير النعرات الطائفية.
4ـ إن هذا التهكم على أقدس مقدساتنا أي «القداس» هو أمر مرفوض ويتوجب على صاحبه سحبه والاعتذار عن هذه الإساءة، فالقداس بالنسبة إلى المسيحيين هو تجديدلذبيحة الصليب، إذ يقدم سيدنا يسوع المسيح ذاته الآن في الزمان والمكان فداء عناليرفعنا إلى الأب السماوي. هذه التقدمة كانت وما زالت وستبقى أكبر هدية منحها اللهللبشرية جمعاء ليخلصها من عبودية الخطيئة، عبودية التجني والحقد والافتراء عبودية الجهل التي تتجلى في العبادات التي تزين مقال السيد بيضون.
5ـ لهذا وإظهاراً للحقيقة، وانسجاماً مع حق الرد، فإننا نطلب نشر هذا الرد في المكان عينه في صفحة الثقافي متمنين على السيد بيضون ان يضيف إلى ثقافته احترام المقامات والمقدسات، ويحرص على الالتزام بالموضوعية في مقاربته للمواضيع التي تخص الكنيسة.
الخوري عبده أبو كسم
مدير المركز الكاثوليكي للإعلام


÷ شكراً للأب عبده أبو كسم لأنه قرأ مقالتي ولن أجادله في شأن سعيد عقل فما كنت لأكتب عنه لولا أهميته في الشعر العربي الذي يشكل منعطفاً فيه وما كنت لآخذ عليه ما شط اليه من أقوال لولا ان مثل ذلك لا يغفر إذا جاء من أمثال سعيد عقل في مكانته الإبداعية والفكرية. أما وصف القداس بالخفة فليس بحال استخفاف بالقداس وفرق ما بين الاستخفاف والخفة فالخفة ضد الثقل وقد تكون لذلك صفة محمودة أما إذا حملها الأب المحترم على محمل الاستخفاف فأنا أعتذر له ولمن فهمها كذلك اعتذاراً كثيراً لكن هذا الكلام على أي محمل حملنا لا يجوز ان يكون خطيراً جداً ويطال جميع المسيحيين... وقد يثير النعرات الطائفية إذ ان المسيحية أرحب من ذلك وقد سبق لها ان احتملت في الغرب كتاب نيتشه ضد المسيح كما احتملت امثاله في الفن التشكيلي والمسرح والسينما، والانتروبولوجيا والتاريخ ولا ننسى انها تعايشت مع الديموقراطية والعلمانية ونقد الدين. أكرر شكري للأب لأنه قرأ مقالتي واستحقت رده.
عباس بيضون


الأربعاء، 6 يوليو 2011

سياسيون مسيحيون يخشون «خريفاً مبكراً» للبطريركية المارونية / دنيز عطاالله


مجلس المطارنة يحدد اليوم (6 تمّوز) موقفه من المحكمة والقرار الاتهامي
سياسيون مسيحيون يخشون «خريفاً مبكراً» للبطريركية المارونية

على وقع السجال الدائر في البلد وفي المجلس النيابي حول القرار الاتهامي والمحكمة الدولية، يعقد اليوم المطارنة الموارنة اجتماعهم الشهري الدوري. وبحسب مطلعين فإن المجتمعين لن يغضوا الطرف عن هذه النقطة الخلافية التي تشغل البلد. وسيكون لهم موقف منها. اما مضمون الموقف فسيتم «الاستعانة بالبلاغة اللغوية للمطارنة كي لا يُفسر إصرار المجلس على احترام العدالة وكشف الحقيقة ومحاسبة المجرمين موقفا مع جهة ضد جهة اخرى».
هذه الحسابات «الوسطية» هي التي تحكم مسيرة البطريرك بشارة الراعي منذ توليه السدة البطريركية. حسابات ناتجة عن قناعة راسخة ان التطرف والمواقف الحادة لا تثّبت الاستقرار ولا العيش المشترك ولا تؤسس لاعادة وصل ما انقطع بين اللبنانيين بحكم انقساماتهم ودخولهم في لعبة المحاور.
لكن السياسيين الذين اعطوا البطريرك «فترة سماح» لجهة تعاونهم معه وانفتاحهم على طروحاته، بدأوا يتحللون من تعهداتهم ويتعاطون مع بكركي مجددا «على القطعة» او بحسب مواقفها.
آخر بوادر غياب «مونة» بكركي تمثّل في انفراط عقد اللقاء الذي كان من المفترض ان يجمع في دير مار يوحنا في كفرحي النواب بطرس حرب وسامر سعادة وأنطوان زهرا والوزير جبران باسيل اضافة الى النائبين السابقين سايد عقل ومانويل يونس. ففي اقامته في الدير، دعا الراعي نواب المنطقة الى لقاء. اعتذر الجميع، كل واحد لاسبابه، فلم يحضر سوى سعاده ولاحقا باسيل على موعد الغداء.
لكن هذا اللقاء الذي لم ينجح، ربما لانه لم يحُضّر بشكل جيد، ليس المظهر الوحيد لتفلت السياسيين المسيحيين من «ضوابط» بكركي المبدئية التي تلت الاجتماعين (الرباعي والموسع) اللذين عقدا في بكركي. فوسائل الاعلام عادت تمتلئ بـ«القصف الكلامي العشوائي» بين السياسيين المسيحيين والاتهامات المتبادلة استعادت زخمها. وللفريقين ملاحظاتهما على بكركي وسيدها، فهما يريدانه في «معسكرهما» بالكامل وإلا فالارتياب سمة العلاقة به.
مسيحيو «14 آذار» يعتبرون ان رأس الكنيسة المارونية، ايّا يكن، موقعه الطبيعي تبني مواقفهم وطروحاتهم. وبرأي احدهم «ان الامانة للتاريخ المسيحي، وخصوصا الماروني، في هذا الشرق والبلد تفترض ان تنحاز بكركي بالكامل الى كل ما يختزنه الوجدان المسيحي من رهان مطلق على الدولة ومناعتها واحتكارها وحدها للسلاح. كما ان ذلك يفترض ان تتبنى منظومة قيم متكاملة تبدأ بالشرعة العالمية لحقوق الانسان والديموقراطية والحداثة وصولا الى التعاطي بإيجابية ومن منطلق الصداقة والمصلحة مع المجتمع الدولي. كما أن بكركي معنية بشكل مباشر بتبني القيم المسيحية من حرية وعدالة وانفتاح. ودورها في لبنان التركيز على حماية العيش المشترك وعيشه بكامل ابعاده. وإن اخطر ما يواجه البلد اليوم يتمثل في تنكر فريق لأي شرعية دولية جريمتها انها تريد كشف الحقيقة ومحاسبة من قتل واغتال سياسيين لبنانيين و68 مواطنا بريئا. وبهذا المعنى لا يُفترض ببكركي ان تكون على الحياد. هي على محك الامتحان الاخلاقي والمبدئي لقيمها وقناعاتها وإرثها الكبير».
لكن مسيحيين آخرين لا يشاركون مسيحيي «14 آذار» الرأي والموقف من بكركي. ويقول قيادي في «التيار الوطني الحر» ان «بكركي رمز وطني وحاضنة لاستقرار البلد ومصلحته. وهي لا يمكن ان تتبنى رأيا او موقفا يعارضه نصف الشعب اللبناني او يشككون به ويتخوفون من تداعياته على البلد. والموقف اليوم من المحكمة الدولية ليس مسألة اخلاقية فقط لجهة ضرورة محاسبة القتلة، وهذا امر لا يرفضه احد. لكن المشكلة من يحاسب وعلى أية خلفية ولاي هدف؟». يضيف «بكركي معنية باستقرار البلد. وهي كسلطة كنسية مسؤولة عن شعبها تعي انه لا يمكن التنكر لاية قيمة من العدالة الى الحقيقة. لكن سلم القيم متكامل. فالسلام والاستقرار وتداول السلطة وتأمين حياة اقتصادية واجتماعية كريمة وآمنة للناس هي من القيم الاساسية ايضا. ولذلك لا يجوز ان تنحاز بكركي لقيمة على حساب اخرى».
لكن ابعد من هذا الصراع على موقف بكركي من المحكمة، كيف ينظر الفريقان المسيحيان الى سيد بكركي اليوم؟
لافت للانتباه سماع العبارة نفسها تقريبا من نائبين على طرفي نقيض. فالنائبان في مجالس ضيقة حددا مواصفات مطلوبة من أداء البطريرك ومواقفه والا فالخوف من «خريف مبكر للبطريركية المارونية».
يتوجس الطرفان من مواقفه التي تسر احدهما يوما وتزعجه في اليوم التالي. الحذر هو ما يحكم علاقتهم بالراعي. وحماسته وانطلاقه في زيارات الى المناطق والاديرة وعلاقته بالناس، والشبيبة بشكل خاص، لا تفرح الطرفين. يتمنيان لو ينسحب الى الصلاة الديرية او ينحاز اليهما. و«هما» تعني كل فريق منهما. فالراعي كما هو اليوم مربك. فالمطران الذي انحاز يوما الى طروحات العماد ميشال عون، عاد وابتعد عنها وهدد بـ«الحرم الكبير» على من يتطاول على بكركي وسيدها.
يبتسم احد الآباء القريبين من البطريرك الراعي للارباك الذي يسببه للسياسيين ويعلق «اذا كان فعلا يربكهم فهذا دليل عافية ودليل على ان البطريرك غير منحاز الا للقيم الانجيلية والوطنية. للساسة حساباتهم ومصالحهم اما البطريرك الراعي فحساباته كنسية ومصالحه وطنية. وإذا صح ان الفريقين يتخوفان من خريف مبكر للبطريرك فنذكّرهم بأن «البشارة» لا تشيخ وتحمل في مضمونها عناصر شبابها وتجددها وفرحها والرجاء».

السبت، 2 يوليو 2011

أن تكون مارونيًّا في هذا الزمن اللبنانيّ الرديء/ ماري القصيفي


قاديشا


أن تكون مارونيّاً في هذا الزمن اللبنانيّ الرديء لا يعني أنّك مرشّح دائم لرئاسة الجمهوريّة كما كان يخطر للبنانييّن كلّما دار الحديث عن الموارنة، فتغيّرات الأزمة وتقلّبات الدهر وأنانيّة أولي الأمر والصراع المارونيّ المارونيّ أدّت كلّها الى تعريف جديد للانتماء المارونيّ، لا يليق ويا للأسف الشديد بتاريخ هذه الطائفة ودورها في الصعد الحضاريّة المختلفة إن في لبنان او في العالم العربي او في العالم الغربي. فان تكون مارونياً اليوم يعني انك ستبيع ارضا ورثتها عن والدك لتقيم عرسا فخما لابنك، وانك ستتزوج وتطلق بعد اشهر ولن تنجب اولادا في هذا البلد "الخربان"، وانك لن تجرؤ على كتاب رواية واحدة من تاريخ طائفتك لانك تخشى من ان تتهم باثارة النعرات الطائفية، وانك الآن تحزم حقائبك للهجرة لانك لا تريد ان تعلق وسط صراعات اقليمية واصولية ودولية وداخلية.ان تكون مارونياً اليوم يعني انك محكوم بان تختار جهة مارونية واحدة من جهتين لا ثالث لهما، فانت مجبر على الاختيار بين الدكتور سمير جعجع وكل ما يمثله من ماض وحاضر ومستقبل، وبين العماد ميشال عون وكل ما يمثله من ماض وحاضر ومستقبل.(الآن وعند هذه الكلمة ثمة تساؤلات عند عدد من الموارنة الذين يقرأون هذا النص تدور حول الجهة التي أنتمي أنا اليها، فمجرّد وضع اسم من اسميّ الزعيمين المارونيين قبل الآخر قد يُفهم عند هذه الفئة او تلك بطريقة لن تخطر الا على بال موارنة هذا الزمن).

ان تكون مارونياً اليوم يعني انك محكوم منذ لحظة تكوّنك في احشاء أمّك باتخاذ منحى سياسي يحدّده الطبيب المولّد الذي اختاره والدك ولأية جهة سياسية ينتمي، ثم هناك مدير المدرسة، والكنيسة التي تذهب اليها يوم الاحد ومن سيلقي العظة الاسبوعية، والاغنية التي ستسمعها، والجامعة التي ستذهب اليها، والمحطات التلفزيونية والاذاعية اللتان تقولان الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة.فعيد العلم الذي سنحتفل به قريبا ليس هو نفسه في مدرسة مارونية رئيسها عوني او قواتي، ففي الاولى سيصدح صوت جوليا باغنياتها الوطنية، وفي الثانية ستكون ماجدة الرومي نجمة الاحتفال. وفي خضم الخطب وهزج التلاميذ، ستقع الاعلام اللبنانية التي وزعتها البلديات السخية على الارض وسيدوسها الجميع ولن تجد من يرفعها اعلى من صوت المطربتين.وفي عيد الميلاد، ستجد المسيح مدفونا تحت مئات المصابيح ووسائل الزينة ذات الالوان السياسية التي تعلن مع سابق الاصرار والتصميم على ان الموارنة في هذا البيت الكريم مع الحكيم او مع الجنرال، "واللي مش عاجبو ما يجي لعنا عالعيد، حتى ولو كان المسيح نفسه".

لا يمكنك ان تكون بلا لون اذا كنت مارونياً، لا تستطيع ان تكون محايدا او غاضبا من الجميع، او ان تختار خطا ثالثا لا علاقة له بالخطين المتوازيين اللذين لن يلتقيا الا خارج مقاييس هذا الزمن الرديء، لان ذلك يعني انك لست مارونياً، او انك جبان لا تجرؤ على التعبير عن رأيك، او انك خبيث لا تريد ان تفصح عن ميولك، او انك خائن لا تعنيك مصلحة الطائفة ومصير المسيحيين في الشرق وصولا الى العالم كله. لا يمكنك ان تكون مع 14 آذار وتحتفل بعرسك عند الخوري سليم او جميل او عصام (طبعا هي اسماء وهمية، فالكهنة الموارنة يحملون حكما اسماء قديسين)، ولا يمكنك ان تكون مع 8 آذار وتقرأ صحيفة "النهار" او تفتح مواقعها على الانترنت كي لا ترتفع في احصاءات الجريدة نسبة الاقبال عليها. لا يمكنك ان تكون مارونياً على سنّة الحكيم وتنتقد البطريرك الماروني، وكذلك لا يمكنك ان تكون مارونياً تتشيع للجنرال وتنتقد السيد حسن نصرالله.فان تكون مارونياً اذاً يعني ان ثمة امورا كثيرة عليك ان تأخذها في الاعتبار (التي بليت بالعمى في هذه الطائفة) ولا تستطيع ان تتصرف كما يحلو لك او كأن الدنيا فالتة. ولذلك فأنت مجبر على اتخاذ جانب الحيطة والحذر في كل ما تفعله، فالجميع يراقبون تصرفاتك ليعلموا من ستنتخب في رابطة المعلمين (وستين سنة على التربية)، وعن اي دار نشر سيصدر كتابك (رحم الله الثقافة)، وفي اي جريدة تنشر مقالاتك (مسكينة حرية التعبير). انت ستحسب على احد مهما فعلت، ولن تنجو كماروني من تهمة الانحياز، ولا تحاول التهرب بالقول انا مع مار مارون، فقد يقول لك احد العونيين: انت معنا لان مار مارون اتى من سوريا، ولا تتذاكى وتقول انا مع الكنيسة لان احد القواتيين سيقول لك: أنت معنا اذاً لان الكنيسة في رأيه مع الحكيم. ورجاء لا تحاول الدخول في بحث تاريخي تحليلي نقدي لكلا القولين لانك ستكون كمن يغني في الطاحون.لو كانت في لبنان احصاءات علمية دقيقة وشفافة، لاكتشف الزعماء الموارنة المنقسمون بين الجنرال والحكيم، ولاكتشف رجال الدين المنقسمون بين 14 و8 آذار، ان نسبة الإدمان على مهدئات الاعصاب والمخدرات مرتفعة بين اتباعهم وابنائهم، وكذلك الانتحار والهجرة والطلاق والهجر وتدهور المستوى المعيشي والعنف المنزلي وتدني المستوى الدراسي وكل ذلك بسبب القلق على المصير، والخوف من المستقبل، والغموض في الرؤيا، والتخبط في الصراعات الداخلية، وانهيار المؤسسات الاستشفائية والتربوية والاجتماعية بسبب الفساد والفضائح الاخلاقية والادارية والسرقات والهدر وسوء التخطيط.

هل هذه هي المارونية النسكية التي انطلقت من اودية لبنان لتسمو على قممه؟ هل هذه هي رسالة الموارنة في هذا العالم: عهر واقتتال وفساد ومصالح فردية وعمالة وسطحية وجهل؟ وكيف يجرؤ الزعماء الموارنة على تناول القربان المقدس على مائدة خلاصية واحدة وما من احد منهم صالح اخاه قبل التقدم من مذبح الرب؟ وهل يجرؤ الكاهن الذي يؤنب مراهقة ترتدي ملابس متحررة اما جموع المصلين على النظر في عيون هواة الحرب والمناصب؟ هل هذه هي المارونية المشرقية التي تتنازل عن روحانيتها من اجل اسواق الاعلام والاعلان وتحاربك لانك لا تفهم لغة "السوق"؟ وهل هذه هي المارونية المتنورة المتحررة التي تتبرّأ من عقلها وتضطهدك لأنّك تفكّر؟اذا كانت هذه هي المارونيّة الجديدة، واذا كان لا كيان لي ولا وجود ولا رأي الا اذا كنت "محسوبة" على فريق (سياسي او طائفي او مذهبي او اقليمي او حزبي او عائلي او مناطقي او بلدي او صحافي او ادبي او ثقافي)، فانا اذاً انزل الحرم الكنسي بنفسي لانقذ هذه الطائفة مني...

السبت، 25 يونيو 2011

اختلاف الرؤية لانعكاس الأحداث السوريّة على المسيحيّين - هيام القصيفي



كلام الراعي في الفاتيكان فتح باب النقاش على مصراعيه
إختلاف الرؤية لانعكاس الاحداث السورية على المسيحيين

لمرتين متتاليتين اثار كلام البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي اول من امس في الفاتيكان حول ما سمّاه "التظاهرات والاعتراضات العربية"، وقبله بيان مجلس المطارنة الموارنة في الاول من حزيران عن "احداث امنية"، التباسات على مستويات كنسية وسياسية مختلفة. ففي ضوء الاحداث الخطيرة التي شهدها العالم العربي وتشهدها سوريا منذ نحو اربعة اشهر، ما اضطر الفاتيكان الى توجيه كلام لافت للقيادة السورية، يدور في لبنان نقاش جدي على خطين حول تداعيات الاحداث السورية ، ومستقبلها المجهول ، على وضع المسيحيين في لبنان وسوريا.

وبدا واضحا في الاسابيع الاخيرة ان ثمة كلاما يقوله بعض المسيحيين للمرة الاولى في تاريخهم الحديث يعبّرون فيه عن قلقهم من احتمالات التغيير في النظام السوري.
يدور النقاش حول فكرتين تقليديتين، لكنهما تصبان في روحية المنحى الخطر الذي يعيشه لبنان: هل بقاء النظام السوري الحالي اضمن للوجود المسيحي في لبنان وسوريا والذي سيصبح في خطر اذا ما حل محله نظام اسلامي اصولي؟ ام ان النظام العلماني البعثي كان مسؤولا عما حصل للبنان ومسيحييه، وتاليا فان اي تغيير فيه لن يكون انعكاسه اسوأ مما حصل حتى الان؟
تداول هاتين الفكرتين في المجتمعات الشعبية، تحول اخيرا مناقشات سياسية عميقة، بدأت تنعكس في التعاطي السياسي للفريقين المسيحيين في 8 و 14 آذار في ادارتهم للازمة الراهنة.
يتحدث العماد ميشال عون عن انعكاس زياراته لسوريا تباعا على وضع المسيحيين هناك وعلى تطور اوضاعهم، والآتون من سوريا يتحدثون عن اعتزام بعضهم الانضمام الى التظاهرات، وفي المقابل عن الخوف الذي يعيشه هؤلاء في خضم المأزق الذي يتعايشون معه. فهم اولا من ابناء النظام ومنضوون تحت لوائه امنيا وسياسيا. وقد عبر عن مخاوفهم ما قاله الاسبوع الفائت رئيس اساقفة دمشق للسريان الكاثوليك المطران غريغوريوس الياس طبي الذي عكس قلقا من مرحلة ما بعد الاسد وقيام نظام اصولي. لكنهم بقدر ما يلتصق بعضهم اليوم بالنظام حفاظا على مواقعهم تحت سقف التهديدات المتتالية، يمثل هاجس مسيحيي العراق همّا في صحنهم اليومي، ما يجعلهم يعيشون بين سندان النظام ومطرقة تهديداته. 
لكن وضع مسيحيي لبنان وسوريا وفق قيادات 8 آذار المسيحية، سيصبح في مأزق اذا سقط نظام الاسد وتحولت سوريا موطىء قدم للاسلام الاصولي ولو بالنموذج التركي “الاصولي كما يظهر من لباس زوجات الرئيسين عبدالله غول ورجب طيب اردوغان ووزير الخارجية داود اوغلو”، بحسب قيادي مسيحي في 8 آذار. 
وتتعاطى هذه القيادات مع ما يحصل في سوريا من زاوية انعكاسه على لبنان، وضرورة الافادة من الوضع الراهن لتعزيز وضع المسيحيين المنضوين تحت خط هذه القيادات في ظل الحكومة الجديدة. من هنا تصبح الاتصالات البعيدة عن الاضواء بين البطريرك الراعي والعماد عون، محط اهتمام. وتنظر قوى 14 آذار الى انضمام الرئيس ميشال سليمان الى هذه الاتصالات بقلق على انها محاولة لايجاد خط دفاع داخلي يهدف الى تعزيز ورقة المسيحيين المناوئين لقوى 14 آذار، كما حصل مع التجمعات التي كانت تقودها سوريا لمقارعة “قرنة شهوان”. 
وعلى خط قوى 14 آذار، توضح اوساط سياسية رفيعة فيها ان ثمة نقاشا مفتوحا ليس حول ما يجري في سوريا واحتمالاته فحسب، انما ايضا على مستوى مجاراة المسيحيين لهذه التطورات وكيفية تعاطي الشريك المسلم مع الهواجس والاسئلة التي يطرحها البعض علنا. وهذه النقاشات ليست طارئة اذ بدأت حتى مع دوائر الفاتيكان في لقاءات على مستوى عال تزامنا مع بدء الثورات العربية. مسيحيو 14 آذار، وبخلاف ما يمكن ان يتصوره البعض، لا يتوحدون تحت سقف واحد حيال رؤيتهم لانعكاس تدهور وضع النظام السوري - الذي عانوا منه جميعا - على المسيحيين. والاهم ان فريق 14 آذار فقد المظلة المسيحية الدينية التي كانت تتوج مقارعته لهذه المسائل سياسيا وفكريا، بعد استقالة البطريرك الماروني الكاردينال مارنصرالله بطرس صفير الذي كان يتوج في القضايا الوطنية ما يُعتبر انه زبدة المواقف الوطنية ، الامر الذي كان يسمح لمسيحيي 14 آذار بالذهاب الى المناقشات مع الطرف الاخر تحت سقف بكركي. لكن الامور اختلفت مع الراعي، الذي اراد الذهاب منذ اليوم الاول لتفقد مسيحيي سوريا ولم يعترف بعد بخطورة ما يدور على ارضها. ومناقشات مجلس المطارنة الاخيرة كانت واضحة في هذا الاتجاه، وقد كرسها الراعي بحديثه في الفاتيكان وطرحه مخاوف من التقسيم والانظمة المتشددة طائفيا.
 اما سياسيا فالرئيس امين الجميل كان واضحا حين طرح هواجسه علنا في باريس، ويتقاطع مقربون منه في بعض التفاصيل مع ما يقوله عون حول الهواجس من نظام اصولي يمكن ان تكون سوريا مقبلة عليه.
فيما تنكفىء “القوات اللبنانية” عن الدخول العلني في نقاش مفتوح حول المسألة المذكورة، محكومة بهاجس الماضي والتجارب السيئة التي خبرتها مع النظام السوري واحتمالات عقد الصفقات في اللحظات الاخيرة على حسابها وتحولها كبش محرقة. وهي لا تقدم على رهانات لا حول النظام في ذاته ولا حول مستقبله. 
ومع ذلك تبقى النقاشات مفتوحة يجريها سياسيو 14 آذار ومثقفوها مع نظرائهم في تيار “المستقبل” حول اي صورة للاسلام يمكن ان يقدمها هذا الفريق، الاسلام المعتدل ام الاسلام الذي يظهر بين الفينة والاخرى في بيروت وطرابلس؟ وهل يحتاج الاسلام اللبناني الى النموذج التركي لتسويق نفسه ندا للنظام السوري وحاميا للتعددية في لبنان؟ الاجوبة عن هذه الاسئلة لا تحتاج الى جلسات نقاش بين المسلمين والمسيحيين، بل الى انطلاقة داخل اروقة المسيحيين انفسهم. وقد لا تكون لقاءات بكركي المقبلة هذه المرة كافية لطرح هذه الهواجس ما دام سيدها لم يعترف بعد بأن “الجمعات” الدامية في سوريا باتت أكبر من تظاهرة.

هيام القصيفي      



الجمعة، 20 مايو 2011

هل يترحّمون على حسني مبارك؟ بقلم جان عزيز



لم يعد ميدان التحرير القاهري يقدر على تعداد صدماته والخيبات، علماً بأنّ الميدان نفسه لم يعد اليوم ـــــ كما لم يكن يوماً ـــــ ساحة لمصر وحدها، بل أصبح قلباً لمنطقة بأسرها، تُقدم حين يُقدم، وتُحجم حين يُحجم، وتأمل مع بشائر أمله وتيأس بنذر يأسه.
منذ اللحظات الأولى لما بعد «الثورة»، حاول الميدان امتصاص الصدمة البكر. حين منع يوسف القرضاوي وائل غنيم من الكلام في الساحة نفسها التي شهدت «تقية» الشيخ، وحمية الشاب. والاثنان رمزان بامتياز للحدث. الأول مرجع لفتاوى الصمت، والثاني محرّك لمفاتيح الاتصال والتواصل. فحين يقدر القرضاوي على إسكات غنيم في ميدان التحرير، يكون الزمن قد مُسخ، وراحت عقاربه تمشي إلى الوراء.
بعدها جاء الاستفتاء على الدستور صدمة جديدة لقوى مصر التغيير والتحديث والعصرنة والخروج إلى نور الغد. كأن المناخ العام قد بدأ يخيّم على أرض النيل، فراحت سمومه تهبّ في أكثر من مكان. حتى تعيين محافظ قبطي لم يمر من خرم العيون الضيقة لأناس القرون الماضية. ولم يمضِ وقت طويل حتى تأكد الاتجاه، فانفجرت في إمبابا مسخرة تلك السيدة. لحظات قليلة من النار المندلعة حقداً أمام الكنيسة، كانت كافية لتظهر هشاشة تلك الصور المركبة طيلة ثلاثة أسابيع، عن قرآن وإنجيل وكليشيهات علمانية مزعومة وأخوّة وشعارات ممجوجة. قبل 25 يناير، قيل إن نظام مبارك فجّر كنيسة القديسين. بعد ميدان التحرير كيف يمكن تفسير إحراق الكنيسة؟ أليس دليلاً على أن النظام لم يسقط، أو على أن مصدر العنف والحقد والقتل والحرق، أكثر جذورية وبنيوية من مجرد شخص وسلطة وحكم.
قبل أيام جاءت الصدمة الأخيرة: السلفيون يفرضون على زمن ما بعد الثورة، وعلى أزهر ما بعد الميدان، وعلى مصر ما بعد مبارك... يفرضون عليهم جميعاً قانوناً جديداً للأحوال الشخصية أكثر خضوعاً لمفاهيم الدين والشريعة والحرفية. السلفيون الذين لم يكونوا بين شبان الجدران في الميدان، والسلفيون الذين لم يسقطوا بسواطير البلطجية، والسلفيون الذين يغنّون للثورة ولم يهزجوا للتغيير ولم يرقصوا في عرس الفجر المصري الجديد، السلفيون أنفسهم فرضوا إلغاء القانون السابق، وبدء الإعداد لقانون جديد، يكون أكثر «حنبلية» في تطبيق الشريعة على حياة الشخص الإنساني، وعلى حياة المواطن المصري، في كل ما يتعلق بمسائل لصيقة الانبثاق بضميره الشخصي الحر، وبحقوقه الأصيلة وبكرامته الإنسانية الثابتة وغير القابلة للتنازل.
والمصادفة المفارقة في الحدث، أن القانون السابق الذي «يثور» ضده السلفيون معروف باسم قانون سوزان مبارك، فيما كانت سيدة مصر الأولى السابقة تخضع للمحاكمة على أيدي عسكر النظام الجديد ـــــ القديم. كأنما حدث الميدان التاريخي قد تحول في أسابيع إلى عملية تقاسم لتركة السلطة البائدة، لا غير ولا أكثر. تماماً وفق مقولة «حالكم في الجاهلية كحالكم في الإسلام»، أو أسوأ منها، أو أسوأ ممّا كان.
أين الكارثة في ذلك؟ أولاً أن تنحر ثورة رائعة بهذا الشكل. ثانياً، أن يسير الزمن المصري والمشرقي القهقرى، من قرون وسطى إلى قرون أسبق. ثالثاً والأهم، أن تكون الاستراتيجية الأساسية للمحافظين الجدد في جوهر فكرهم، قد نجحت، أو كادت تفعل. فمنذ سقوط جدار برلين، قيل في واشنطن إن «عدوّنا» السابق قد انهار نتيجة سياستنا الحِصارية عبر «الاحتواء المزدوج» لحدوده. وهي النظرية التي أسّست لمشروعي «مارشال» في غربي موسكو، و«منظمة المؤتمر الإسلامي» شرقيّها، بحيث يوضع المارد الأحمر بين فكي كماشة الليبرالية المسيحية في أوروبا الغربية، والأصولية الإسلامية في آسيا، حتى يختنق ويسقط. وبعد سقوط جدار برلين، قيل في واشنطن أيضاً إن «عدوّنا» الجديد ـــــ أي الإسلام الحركي السياسي ـــــ يجب أن يحاصَر وأن يعدَّ لانهياره. لكنه عدوّ من النوع الذي بلا حدود. وبالتالي، فأي احتواء مزدوج له لا يمكن أن يكون من خارجه، بل من الداخل. هكذا ولدت نظرية تفجير الإسلام ذاتياً، بصاعق أصوليته لا غير، وعلى خطّي تناقضه: خط الصراع المذهبي بين السنّة والشيعة، وخط الصراع العرقي بين عربي وغير عربي، ضمن إمبراطورية المارد المستيقظ من عتمة التاريخ. وقيل في واشنطن كذلك إن تلك النظرية كانت المكتوب المستور خلف كل الحروب الأميركية غير المفهومة للبعض، من كابول إلى بغداد، ومن استعداء طهران إلى دفع الاقتداء باسطنبول.
بعيد 25 يناير، بدا للجميع أن ثمة خياراً آخرَ لأناس هذه المنطقة. خيار أكثر إنسانية وعصرنة وحداثة وآنية واستقبالاً لزمن الما بعد، قبل أن يعود أهل الظلمة والظلم لخنقه، وقبل أن يغطّوا فعلتهم بمحاكمة أشخاص وتأبيد نظام. الذين يدركون سر حركة التاريخ، يخشون اليوم أن يفيق مصري في يوم قريب، مترحّماً على حسني مبارك.

الجمعة، 13 مايو 2011

موقعة السيّد وصفعة المطران بقلم نصري الصايغ / السفير



المطران غريغوار حدّاد
السيّد هاني فحص

لم يكن  لديه ما يدافع به عن نفسه. رجل دين، يتقن الصمت والعزلة والتأمل. إذا نطق همس، وإذا مشى خلته ظلاً خفيفاً، وإذا صلّى، التهم الفقراء كلامه كالخبز.

لم يكن لديه ما يدافع به عن جسده، عندما أقدم واحد من رعاع الدين واعتدى عليه، وهو يهمّ بدخول ستديوهات «تيلي لوميير».

هو رجل دين، يدعى المطران غريغوار حداد، الذي أفضت به جرأته على الاختلاف، وتشبثه بالمحرومين، إلى ترك سدّة المطرانية، بكل ما فيها ومن فيها... يوم ضاقت الكنيسة عليه، خرج إلى الله، فتعرّف عليه المساكين، وعقد عهده الكهنوتي على خدمة الناس. فالله، أكثر كثافة وحضوراً مع الفقراء. المكان الأكثر قداسة، هو الإنسان.
هذا الرجل، اعتدى عليه واحد «رعاعي»، ما ارتجفت يده. قبضته من تعصب وزغل. إيمانه لوثة تكفير. حاضنه عفن متراكم. وما يدافع عنه، عمى في العقل ورمد في الروح.
يومها... لم ينشق حجاب الهيكل... ولا خرجت مظاهرة استنكار. كأننا في وطن يليق فقط، بمن يدمّره ويُحتقر البشر فيه ويقيم للعهر صلواته وابتهالاته، سياسة ومروقاً في الأخلاق والقيم.
تذكرت هذه الحادثة، عندما علمت أن منزل السيد هاني فحص، وعائلته، تعرّضوا لقبضات الرعاع وعصيِّهم وغليظ قولهم. وتذكرت ان أوجه الشبه كثيرة. الأول اختلف معه أهل النفوذ والسطوة في دينه وطائفته، والثاني اختلف معه أهل الحظوة والمقام في مذهبه وسياساته.
وما تحرّك لنصرته غير قلة قليلة. علماً، ان الرجل عَلَمٌ بارز بين أعلام، سيّد في القلم وفي اللغة، ملتزم بالحرية إيماناً، وبالاختلاف نهجاً وبالاحترام سلوكاً. يقيم في أمكنته العصية على الآخرين، يكابد استقلالية، في أزمنة الاستتباع السهل. يعتزل، ولا ينعزل، يجتهد في التواصل، فبينه وبين الآخر، جسور بناها ومشاها، فكان محلّ قبول من الأبعدين والأبعدين، فلمَ تخلَّف الأقربون؟
تذكّرت الرجلين معاً، وشعرت أن انحطاطاً أصاب بلاداً ومؤسسات ومذاهب، إذ، لا يعقل، ان يصاب غريغوار حداد، ولا تثور براءة، ولا تصيح نخبة ولا يتحرك جيل. وإذ، لا يعقل، ان يعتدى على منزل السيد هاني فحص وآل بيته، ولا ترتج بيوت ولا تصدع أقوال ولا يندى جبين.
أنحن ما زلنا على شفير القيم؟ هل انحدرنا إلى أسفل السافلين؟ هل دخلنا الجاهلية الحديثة، حيث لفتوى القبائل سيادة على مقامات العقل والفضيلة والاحترام؟
لا مبالغة البتة، ان بلاداً يعتدى فيها على قديس علماني برتبة مطران ديني متحرر ومبدع وخلاق ومختلف، ويعتدى فيه أيضاً على سيد ديني ومدني له حضور مميز ومختلف، وخارج عن سياقات الالتحاق، ومتحصّن بحرية الرأي والمعتقد.. يخشى عليه من الظلامية السياسية، وهي أشدّ فتكاً، عندما تقترن بالظلامية المذهبية. 
ليس مسموحاً البتة أن ترتفع يد على مواطن عادي. نحن اليوم في زمن الثورة الديموقراطية العربية، في ربيع الحرية، في مرحلة أفول الدكتاتوريات المعتدية والسلطات السافلة. نحن اليوم، نستعيد كراماتنا كمواطنين، وطئتنا أنظمة الاستبداد وداست على حرياتنا ومعتقداتنا ومصالحنا وحقوقنا... فليس مسموحاً أن لا نقتدي بمن حوّل الساحات برلمانات شعبية، تحاسب السلطات وتدينها وتزيلها إن استطاعت، وليس مسموحاً كذلك، أن نستهين بأي إهانة لمواطن... شبعنا ظلماً وخوفاً ومهانة، غصباً عنا. وأن من لا زال يتجرأ على كرامات البشر، أن يكفّ يده ويصون لسانه ويرعوي.
إذا كانت إهانة مواطن عادي جريمة، فكيف الاعتداء على مقامات فكرية وثقافية ومدنية ودينية، جريمتها أنها ليست من «رفاق القطعان»؟
غريغوار حداد، المطران الأحمر. لم تطقه طائفته. رذلته. عزلته. فانتمى إلى بيت المسيح في قانا حيث كسر الخبز ورفع الكأس وبارك قائلاً: خذوا فكلوا... خذوا واشربوا.. ولكم تغذّت أجساد ولكم سكرت نفوس!
ولقد كان السيد هاني فحص، ولا زال، علامة صارخة في البرية اللبنانية، صاحب طريقة، لا يطلب من أحد أن يحتذيها، فلكل طريقته وخياراته. يتعاطى السياسة بحرفة المثقف، ويختار المواقع بمعرفته التامة للنواقص، كبيرها وصغيرها. السيد هاني، هل لهذا السبب، استحق العقاب نبذاً وغمزاً وحطاً فتجرأ الرعاع على استعمال القبضات؟ ماذا يضير المذاهب والطوائف إذا اختلف بعضها مع أكثرها؟ ألم تنته محاكم التفتيش؟ ألم نؤمن أن أمهاتنا ولدتنا أحراراً؟ أما بلغنا سن الرشد السياسي، حيث الخلاف يحلّ بالتي هي أحسن، وتعالوا إلى كلمة سواء... ولو على تباين وتعارض. فما نلتقي عليه، أبلغ مما نختلف فيه؟
سيُقال: المشكلة مشكلة عقار.
إن تصغير المشكلة إلى هذا الدرك، يدلّ على خبث. المشكلة أن القلوب المليانة، معبأة بغريزة الالتحاق. ولا يستوي عندهم من التحق ومن تحرر. تلك ضريبة الحرية. ولكنها ضريبة خسيسة.
أشد ما يؤلم، ظلمُ ذوي القربى.
وأبلغ ما يواسي، ان يشعر من أُلحق به ظلم، أنه ليس وحيداً. لا تتركوهما وحيدين

nsayeghassafir.com




مسيحيّو الشرق في مهبّ النيران العربيّة بقلم هيام القصيفي/ النهار


غياب المواكبة اللبنانية لأخطار التطورات
مسيحيو الشرق في مهبّ النيران العربية
القدّيس شربل


فيما يغرق لبنان في يوميات تأليف الحكومة، تنحو المنطقة العربية في اتجاه متغيرات جذرية تزداد خطورتها يومياً". ورغم ان الانتفاضات الشعبية التي اندلعت في تونس ومصر فاليمن وسوريا كانت متفلتة من بذور طائفية وانحصرت في المطالب التغييرية، سرعان ما فرضت الاحداث "اجندة" مختلفة في اتجاه استهداف الوجود المسيحي، ولا سيما مع بدء المراكز والاعلام المتخصص بث ملفات عن الوجود المسيحي في الشرق، او بالاحرى عن تاريخ هذا الوجود. 
فالحريق الذي التهم كنيسة امبابا، لم يكن العمل الاول الذي يستهدف الاقباط، والاحداث الطائفية في مصر ليست طارئة، وآخرها ما حدث في نهاية عهد الرئيس حسني مبارك، حين هوجمت كنيسة القديسين في الاسكندرية ليلة رأس السنة. لكن حجم الادانات العربية الاخيرة وفي مقدمها تلك الصادرة عن السعودية، والردود الغربية، ومقالات الكتاب والصحافيين العرب، تكاد تكون الاولى من نوعها. وهي تطرح اسئلة عن النار الكامنة في رماد الاحداث العربية، وتنذر بمخاوف جدية عن وضع مسيحيي الشرق.
ولا يمكن عزل الحدث المصري والعنف الطائفي، عن سلسلة احداث بدأت ولم تنتهِ في العراق، حيث دفع العراقيون اثمانا متفاوتة بسبب العنف الذي انفجر بقوة على ارضهم. إلا ان مسيحيي العراق دفعوا ثمنا كاملا قتلا وتهجيرا وتخليا عن وطنهم وممتلكاتهم، وذهبوا في اتجاه دول الاغتراب والمنفى القريب والبعيد الذي صار يضم آلاف العائلات العراقية المسيحية. وحين اعتدي على كنيسة الاسكندرية، حاول الفاتيكان ابداء موقفه لكن مصر سارعت حينها الى رفض التدخل في شؤونها الداخلية. وظل الواقع المصري المسيحي مضبوط الايقاع، الى ان وقعت العملية الاخيرة. وخطورة التطور المصري، رغم مشاركة الاقباط في الانتفاضة على مبارك، انه جزء من حلقات بدأت تطول مسيحيي سوريا ايضا.
وتفيد معلومات موثوق بها، ينقلها عدد من المسيحيين السوريين الآتين حديثا الى لبنان، ان عددا من القرى المسيحية في المناطق الريفية المحاذية لطرطوس وبانياس، تشهد ليليا اطلاق نار وعمليات ترهيب وتخويف يومي. وحتى الآن بدأت العائلات الميسورة من مسيحيي سوريا وتلك التي تربطها صلات قربى بعائلات لبناية، بالمجيء الى لبنان.
ويروي الآتون تجارب مقلقة تعيشها هذه المناطق، لاثارة النظام السوري مخاوف من تطورات تنعكس على البنية المسيحية في هذه المناطق التي تشكل جزءا من وادي النصارى. ودقة ما ينقل، هو انه بعيد عن الحملات الاعلامية لكلا الطرفين المتصارعين في سوريا. فالاعلام السوري ينقل الرواية الرسمية عن مكافحة "الارهابيين"، فيما الجهات المعارضة تنقل روايات ومشاهد متلفزة للمتظاهرين وقمع الامن السوري لهم. صحيح ان الطرفين يتحدثان عن سقوط قتلى من المعسكرين، الا ان كليهما ينأى بنفسه عن الخوض في حديث عن الصراع المذهبي والطائفي الذي تشهده سوريا، رغم ان العارفين بجغرافية سوريا وتقسيمها الاجتماعي يدركون خطورة المواجهات وحساسيتها، حين يكون الامر متعلقا ببانياس او حمص او درعا وادلب، او بعض الاحياء الدمشقية. ويروي زوار سوريا اخيرا ان بعض المؤشرات تعكس بجدية مناخا مقلقا من حدة مذهبية، ينال المسيحيون قسطا منها، ولا سيما ان النظام السوري لا ينفك يشعرهم بأنه وحده قادر على تأمين حماية لهم. 
وقد بدأت اصوات لبنانية مقربة من سوريا تتحدث في هذا المنحى، ضاغطة في اتجاه التحذير من مغبة تفريط العالم الغربي بالنظام السوري خدمة لمشروع اصولي يدفع المسيحيون ثمنه كما حصل في فلسطين، ومن ثم العراق، ومصر اخيرا.
اما في لبنان، فثمة تساؤلات جدية عشية التحضير للقمة الروحية، وبعيدا عن شعارات "حوار الاديان واهمية مسيحيي الشرق"، عن امكان مواكبة لبنان عموما، ومسيحيا خصوصا، لحجم المتغيرات التي تعصف بالدول العربية التي تتغير انظمتها من دون ان يتغير استهداف المسيحيين فيها. وقياسا على التجربة اللبنانية مع المهاجرين العراقيين، التي انحصرت في حفلات ترفيهية لاطفال العائلات العراقية يوم عيد الميلاد، تدور في كواليس المتابعين هواجس حقيقية تبدو القوى المسيحية غائبة عنها. ولا تزال تتعامل مع ما يرسم لمسيحيي الشرق، بأقل مما هو مطلوب، فلا خطة عمل، ولا مواكبة جذرية على المستوى الديني او السياسي، لإمكان حدوث متحولات اكثر حدة، ليس على صعيد الهجرة المسيحية فحسب الى لبنان، انما في التفكير عاليا بما يمكن ان يكون عليه لبنان ومسيحيوه في خضم التحولات. وهذا امر تفتقده قاعة بكركي ومقر قرنة شهوان، فيما السياسيون غارقون في التفتيش عن جنس الملائكة لتولي الحقائب الوزارية. 
هيام القصيفي