الاثنين، 3 أكتوبر 2011


النصرانيون الأفاضل
بقلم محمود الزيباوي
يحيى بن عدي، "مقالات دفاعية"، مخطوط عربي مصري، 1654، المكتبة الوطنية الفرنسية.أبو الحسن المختار بن الحسن بن عبدون بن سعدون، المشهور بابن بطلان، "تقويم الصحة"، 1213، المكتبة البريطانية.
تحتفظ المكتبة الوطنية الفرنسية بمخطوط عربي مسيحي يحوي اثنتي عشرة رسالة دفاعية من تأليف العلامة يحيى بن عدي، وهو عالم سرياني عراقي من القرن العاشر، جمع بين الفلسفة والدين ولُقّب بالمنطقي. أُنجز هذا المخطوط في مصر، في الثاني والعشرين من شهر صفر عام 1064 الموافق لعام 1654 للميلاد، ويتصدّر أولى صفحاته صليب مزخرف على الطريقة القبطية، يقابله على الصفحة الموازية إطار عثماني مزوّق يحمل مقدمة مثيرة.

يقول نص المقدّمة: "هذا كتاب الشيخ الفاضل أبي بكر يحيى بن عدي البصري عالم من علماء النصارى المسيحيين لأن تلك البلاد البصرة وما معها يسمّون نصارتها بمثل بهذه الأسماء وقوله الشيخ أبي زكريا إنّما تعظيم في حق الرجل كونه من العلماء وأما تسميتهم يحيى وعدي ويونس وعلي وعمار وعيسى ومثل ذلك فليس في ذلك شناعة لأن عادة أهالي تلك البلاد يسمّون مثل هذه الأسماء وهم نصارى مسيحيون علماء أفاضل نيّح الله نفوس الماضين منهم في فردوس النعيم".

أوحد دهره
مؤلف الكتاب معروف في كتب التراث، وهو من أعلام العصر العباسي، ذكره ابن النديم في "الفهرست"، وتحدّث عنه المسعودي في "التنبيه والإشراف"، ووصفه أبو حيان التوحيدي في "الإمتاع والمؤانسة". وُلد في تكريت، ولمع نجمه في بغداد، يوم اجتذبت "دار السلام" نخبة العلماء، وكان "كل قلب إليها، وكل حرب عليها"، و"هي أشهر من أن توصف وأحسن من أن تُنعَت وأعلى من أن تُمدَح"، كما وصفها المقدسي البشاري في "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم". في هذه المدينة، جمع "بيت الحكمة" رجالاً من ملل ونحل مختلفة، متخطياً الحدود التي تفرضها القيود الدينية. في "وفيات الأعيان"، كتب ابن خلكان سيرة مختصرة للفارابي تختصر هذا التواصل. كان الفارابي "رجلاً تركياً ولد في بلده ونشأ بها"، "ثم خرج من بلده وتنقلت به الأسفار إلى أن وصل إلى بغداد، وهو يعرف اللسان التركي ولغات عدة غير العربي، فشرع في اللسان العربي فتعلّمه وأتقنه غاية الإتقان، ثم اشتغل بعلوم الحكمة. ولما دخل بغداد، كان بها أبو بشر متى بن يونس الحكيم المشهور، وهو شيخ كبير. وكان يقرأ الناس عليه في المنطق، وله إذ ذاك صيت عظيم، وشهرة وافية، ويجتمع في حلقته كل يوم المئون من المشتغلين بالمنطق. وهو يقرأ كتاب أرسطاطاليس في المنطق، ويملي على تلامذته شرحه". "قال بعض علماء هذا الفن: ما أرى أبا نصر الفارابي أخذ طريق تفهيم المعاني الجزلة بالألفاظ السهلة إلا من أبي بشر. وكان أبو نصر يحضر حلقته في غمار تلامذته". من بغداد، انتقل أبو نصر "إلى مدينة حران، وفيها يوحنا بن حيلان الحكيم النصراني، فأخذ عنه طرفاً من المنطق أيضاً، ثم أنه قفل راجعاً إلى بغداد وقرأ بها علوم الفلسفة".
تتلمذ الفارابي على يد أبي بشر متى بن يونس في بغداد، وأكمل دراسته على يد يوحنا بن حيلان في حران، ثمّ توجّه إلى سوريا، فاستقر في حلب لدى الأمير سيف الدولة، وتوفى في دمشق. في كتاب "الفهرست"، يقول ابن النديم إن رئاسة أصحاب الحكمة انتهت إلى يحيى بن عدي بعد وفاة أبي بشر متى، ويحيى بن عدي من اليعاقبة، "قرأ على أبي بشر متى وعلى أبي نصر الفارابي وعلى جماعة، وكان أوحد دهره". عُرف بكثرة نسخه، ونُقل عنه قوله: "نسخت بخطّي نسختين من التفسير للطبري، وحملتها إلى ملوك الاطراف. وقد كتبت من كتب المتكلمين ما لا يحصى، ولعهدي بنفسي وأنا أكتب في اليوم والليلة مائة ورقة وأقل". لمع في الحكمة والفلسفة واللاهوت، ونقل من اليونانية والسريانية العديد من كتب القدماء، واشتهر في هذا الميدان كما يُستدلّ من قول المسعودي فيه: "لا أعلم في هذا الوقت أحداً يرجع إليه في ذلك إلا رجلاً واحداً من النصارى بمدينة السلام يعرف بأبي زكريا بن عدي". ترأس أبو زكريا المدرسة الفلسفية في بغداد، وتتلمذ على يده تلامذة من مختلف الملل والنحل، وبعد وفاته ترأس جماعة الفلاسفة أبو سليمان محمد بن طاهر السجستاني المنطقي، صاحب "صوان الحكمة".

أسماء إسلامية
حمل هذا العالم المسيحي اسم "يحيى"، وهو الإسم القرآني ليوحنا المعمدان، وهذه التسمية تبدو غريبة اليوم، تماما كما بدت غريبة بالنسبة الى الناسخ القبطي في القرن السابع عشر، وقد أوضح هذا الناسخ أن أهالي العراق "كانوا يسمّون مثل هذه الأسماء وهم نصارى مسيحيون علماء أفاضل". وضع ابن النديم في "الفهرست" قائمة بأسماء النقلة من اليونانية إلى اللسان العربي، والغالبية العظمى منها تعود الى مسيحيين من السريان. بعد ابن النديم، قدم صاعد الأندلسي عرضاً غنياً لهذه الحركة في "طبقات الأمم"، وتبعه جمال الدين القفطي في "أخبار العلماء بأخبار الحكماء". خصّ ابن أبي الصبيعة الباب الثامن من كتاب "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" لـ"طبقات الأطباء السريانيين"، وخصّ الباب التاسع لـ"طبقات الأطباء النقلة"، والباب العاشر لـ"طبقات الأطباء العراقيين وأطباء الجزيرة وديار بكر". تشهد هذه الفصول لشيوع الأسماء "الإسلامية" في الأوساط المسيحية السريانية، والأمثلة عديدة بحيث يصعب احصاؤها بشكل كامل.
حمل بعض النصارى السريان اسمي يحيى وعيسى، كما حملوا أسماء علي والحسن والحسين. من الذين حملوا اسم عيسى، يذكر ابن أبي أصيبعة في موسوعته عيسى بن حكم الدمشقي "المشهور بمسيح"؛ عيسى بن ماسه الطبيب، وهو "من الأطباء الفضلاء في وقته، وكان أحد المتميزين من أرباب هذه الصناعة"؛ عيسى بن علي، وهو من أجلّ تلاميذ حنين بن إسحق، "كان يخدم أحمد بن المتوكل، وهو المعتمد على اللّه، وكان طبيبه قديماً ولما ولّي الخلافة أحسن إليه وشرّفه"؛ عيسى بن يحيى بن إبرهيم، و"كان أيضاً من تلامذة حنين بن إسحق، واشتغل عليه بصناعة الطب"؛ عيسى طبيب الخليفة القاهر بالله الذي كان يعتمد عليه "ويركن إليه، ويفضي إليه بأسراره"؛ وعيسى بن صهار بخت، "من أهل جندي سابور".
من الذين حملوا اسم يحيى، يذكر صاحب "طبقات الأطباء" يحيى بن أبي حكيم المعروف بالحلاجي، وهو طبيب الخليفة المعتضد؛ أبو يحيى المروزي، وهو طبيب مشهور في بغداد، تميّز في الحكمة، "وكان فاضلاً، ولكنه كان سريانياً، وجميع ما له من الكتب في المنطق وغيره بالسريانية"؛ أبو الفرج يحيى بن سعيد بن يحيى، وهو في زمنه "علم في العلم" و"مقدم في الديانة والمروءة"؛ أبو نصر يحيى بن جرير التكريتي، شقيق الطبيب الكبير الفضل بن جرير التكريتي، ونظيره "في العلم والفضل والتميز في صناعة الطب"؛ يحيى بن البطريق، وهو من المقرّبين إلى الوزير الحسن بن سهل في عصر الخليفة المأمون؛ يحيى بن عيسى بن علي بن جزلة، "وكان في أيام المقتدي بأمر اللّه، وقد جعل باسمه كثيراً من الكتب التي صنّفها، وكان من المشهورين في علم الطب وعمله"؛ أبو الفرج يحيى بن التلميذ، و"كان متعيناً في العلوم الحكمية، متقناً للصناعة الطبية، متحلياً بالأدب بالغاً فيه أعلى الرتب، وله تلاميذ عدة".
من الذين حملوا أسماء علي والحسن والحسين، نذكر علي بن عيسى، وقيل عيسى بن علي الكحال، وقد اشتهر في صناعة الكحل وتميّز فيها، "وبكلامه يُقتدى في أمراض العين ومداواتها، وكتابه المشهور بتذكرة الكحالين هو الذي لا بد لكل من يعاني صناعة الكحل أن يحفظه؛ أبو علي بن زرعة، و"هو أبو علي عيسى بن إسحق بن زرعة بن مرقس بن زرعة بن يوحنا، أحد المتقدمين في علم المنطق، وعلوم الفلسفة، والنقلة المجودين"، وُلد في بغداد ونشأ فيها، "وكان كثير الصحبة والملازمة ليحيى بن عدي"؛ أبو الحسين بن كشكرايا، "وكان في خدمة الأمير سيف الدولة بن حمدان، ولما بنى عضد الدولة البيمارستان المنسوب إليه ببغداد، استخدمه فيه وزاد حاله، وكان له أخ راهب"؛ أبو الحسن المختار بن الحسن بن عبدون بن سعدون، المشهور بابن بطلان، منافس الطبيب المصري علي بن رضوان؛ أبو الحسين عبد اللّه بن عيسى بن بختويه، وهو طبيب وخطيب "من أهل واسط، لديه معرفة، وكلامه في صناعة الطب كلام مطلع على تصانيف القدماء"؛ أبو الحسن سعيد بن هبة الّله بن الحسين، وهو "من الأطباء المتميزين في صناعة الطب، وكان أيضاً فاضلاً في العلوم الحكمية مشتهراً بها، وكان في أيام المقتدي بأمر اللّه، وخدمه بصناعة الطب وخدم أيضاً ولده المستظهر باللّه"؛ أبو الحسين صاعد بن هبة اللّه بن المؤمل، "وأصله من الحظيرة ونزل إلى بغداد، وكان اسمه أيضاً ماري، خدم بالدار العزيزة الناصرية الإمامية، وتقرب قرباً كثيرة وكسب بخدمته وصحبته الأموال، وكانت له الحرمة الوافرة والجاه العظيم؛ أبو علي الحسن بن علي بن اثردي، وهو "فاضل في صناعة الطب جيد الأعمال حسن المعالجة، وكان من المشكورين ببغداد"؛ علي بن هبة اللّه بن اثردى، هو أبو الحسن علي بن هبة اللّه بن علي بن اثردى، من أهل بغداد؛ وجمال الدين أبو الحسن علي بن أبي الغنائم سعيد بن هبة اللّه بن علي بن اثردى.

الوثيقة العمرية
لا نقع على أسماء مشابهة في الوسط القبطي على رغم شيوع الأسماء العربية "الحيادية"، كما أن هذه الأسماء الإسلامية الطابع نادرة في أوساط المسيحيين الملكيين، مثل يحيى بن سعيد بن يحيى الانطاكي، قريب المؤرخ سعيد بن البطريك مؤلف "نظم الجوهر"، وله تذييل لهذا الكتاب، وتفسير لـ"مسائل حنين بن إسحق الطبية". في المقابل، يشهد شيوع هذه الأسماء في العصر العباسي الذهبي لتخطّي بعض شروط ما يُعرَف بـ"الوثيقة العمرية" التي تلزم النصارى أن "لا يتسمّوا بأسماء المسلمين، ولا يكتنوا بكناهم، ولا يتلقّبوا بألقابهم"، "ولا ينقشوا خواتمهم بالعربية".

زينب الحصني تموت عن المسيحيّين بقلم الكاتبة ماري القصيفي 

زينب الحصني

القدّيسة رفقا شفيعة المتألّمين
أفهم أن يُطلب من المسيحيّين أن يموتوا في أرضهم لا أن يرحلوا عنها إن كان لا خيار آخر، أمّا أن يُطلب من زينب الحصني أن تتعذّب وتموت من أجل بقاء المسيحيّين في هذه الأرض فهذا ما لا يمكن أن أفهمه.
فإذا كان سقوط الأنظمة الديكتاتوريّة بقرار من الشعب ذي الأكثريّة الإسلاميّة، فأنا مع هذا الشعب، وإذا كان صعود الأنظمة الأصوليّة بقرار آخر من الشعب ذي الأكثريّة الإسلاميّة، فأنا أحترم إرادة هذا الشعب. وإن كان بقاء المسيحيين في هذا الشرق مشروط ببقاء شعب كامل تحت وطأة الظلم فلن أكون مسيحيّة – كما أفهم الديانة المسيحيّة - إن قبلت بأن يُعذّب سواي لأبقى، وأن يموت سواي لأبقى، وأن يُمثّل بجثّة سواي لأبقى.
وإذا كانت قيمة الشعوب تقاس بالكثرة، فليس المسلمون هم الذين منعوا المسيحيّين من الإنجاب وزيادة عددهم. وإذا كان التوسّع الجغرافيّ هو ميزان القوى، فلم أسمع بحكاية واحدة تؤكّد أنّ المسلمين أجبروا المسيحيّين (كلّ المسيحيّين) وفي كلّ الأقطار العربيّة على بيع أراضيهم، وإذا كانت وحدة الرأي هي الدليل على منعة الشعوب فلا علم لي بأنّ المسلمين هم الذين فتّتوا المسيحيّين مذاهب وشيعًا وأحزابًا وتيّارات ومطرانيّات وبطريركيّات. فلماذا إذا يجب أن تدفع زينب حياتها ثمنًا لبقائي في هذه الأرض، وكلّ القيّمين على هويّتي المسيحيّة المارونيّة من المسيحيّين بدءًا من الفاتيكان بيعوا بأرخص الأثمان أمّا الممانعون المعاندون فاغتيلوا أو أبعدوا؟
صحيح أنّ جوًّا عامًا من المخاوف انتشر في الشرق بين المسيحيّين، وأنا خائفة كذلك، ولكن لا أحد يريد أن يتذكّر أنّ إسرائيل منذ قيامها سهّلت، ولا تزال تفعل، هجرة المسيحيّين من فلسطين، وعرقلت رحيل المسلمين، بل حاصرتهم، في بيوتهم أو في سجونها، لا يعود هناك فرق بين البيت والسجن والأرض سليبة. ولا أحد يريد الاعتراف بأنّ الأصوليّات لم تحكم بعد حيث سقطت الأنظمة، ومع ذلك يريدون حربًا وقائيّة ضدّها وبناء على تكهّنات بنواياها، في حين أنّ الذين يُقتلون اليوم يؤكّدون أنّ النوايا ظهرت في الأفعال، وأنّ الشرق خلا من المسيحيّين - أو يكاد - في عهود ما قبل الأصوليّات. (غريب! ألم تكن العلمانيّة هي البعبع يوم أعدموا أنطون سعادة؟)
***
حين أصدرت كتابي "المورانة مرّوا من هنا" لم يكن الأمر "فشّة خلق" كما خيّل للبعض، أو تنفيسًا عن غضب شخصيّ وانفعال تجاه قضيّة تخصّني وحدي، علمًا أنّ أكثر نصوص الكتاب نشر قبل سنوات ومنذ أن بدأ الشرخ المارونيّ يهدّد هذا القطيع الصغير. ولم يتأخّر الوقت - مع الأسف – حتّى تبيّن أنّ القضايا الصغيرة تشكّل قضيّة عامّة وكبيرة وليس من السهل إيجاد الحلول لها في ضوء المعطيات الحاليّة. وبات المسيحيّون مهدّدين في بلدان الشرق بسبب تدخّلات أجنبيّة تتذرّع بالديمقراطيّة وأنظمة قمعيّة تتغطّى بالإسلام وانقسامات مسيحيّة تزداد حدّتها يومًا بعد يوم.
ليس من حقّ الطائفة المسيحيّة أن تتخلّى عن دماء زينب الحصني وأخواتها وأخوانها بحجّة خوف لا شيء حتّى اللحظة يؤكّد وجوده. ولنفرض أنّ الأمر كذلك، أليست المسيحيّة هي الموت عن الآخرين لا إماتة الآخرين عنها؟ أوليس الناس الأبرياء، ولو غير مسيحيّين، أغلى من الأرض ولو كانت أرض قداسة للمسيحيّين؟
فإن كانت الأنظمة التي ستنشأ عقب سقوط الأنظمة القائمة لن تريد المسيحيّين في هذا الشرق فلن يكون الأمر أسوأ ممّا هو الآن، وإن كان المسلمون لا يعرفون ويعترفون بأنّ المسيحيّ عربيّ أصيل لا ضيف ثقيل فلن تنفع جولات البطريرك المارونيّ وصولاته، وإن لم يصدّق المسيحيّون أوّلاً أنّهم أهل الأرض وحماتها وبُناتها والأمناء على تاريخها وحاضرها ومستقبلها فلن تنقذهم دول العالم التي تعمل أوّلاً وآخرًا من أجل مصالحها.
زينب الحصني وغيّاث مطر! مهما كانت "خطيئتكما" عظيمة فليكن دمكما نهاية درب الآلام التي يمشيها شعبكما، ولتكن قيامة سورية، بمسيحيّيها ومسلميها، فصحكما المجيد. أمّا بقاء المسيحيّ في أرضه فأمر يتحمّل مسؤوليّته هو وكنيسته المحليّة قبل الآخرين ومعهم ولكن ليس بعدهم.

الأحد، 25 سبتمبر 2011

أسنان الفجر بقلم عقل العويط/ ملحق النهار


اللوحة لمنصور الهبر
ثمة سؤال يلحّ على الغالبية العظمى من اللبنانيين والعرب: ماذا لو أن الانتفاضات والثورات الجارية لم تفضِ في القريب العاجل الى قيام أنظمة ديموقراطية على ركام الأنظمة المتهاوية؟ يليه سؤال ثانٍ: ماذا لو أن المرحلة الانتقالية الظاهرة بعض ملامحها المقلقة، ستشهد ردّاتٍ وارتدادات وانقسامات وآلاماً واضطرابات وأعمال عنف والتباسات في شأن المصير السياسي؟

عندي جواب واقعي عن كلٍّ من هذين السؤالين، ربما يصعقان من يتوقع العكس.
الجواب الأول، أن هذه الانتفاضات والثورات، لن تفضي، ولا يمكنها أن تفضي، في القريب العاجل، الى استتباب أنظمة ديموقراطية حقيقية، في الدول المعنية، بما يجعل شعوبها مطمئنة الى مصيرها الآني المباشر.
الجواب الثاني، أن المرحلة الانتقالية لا يمكنها إلاّ أن تكون عصيبة، صعبة، خطرة، وطويلة.
من حقّ الذين يقرأون معطيات هذا المشهد، أن يقرأوه عارياً من الأحلام الوردية غير القابلة للتحقق بكبسة زرّ. من حقّهم إما أن يكرّوا، وإما أن يقيسوا، ويترددوا، ويخافوا. بل من حقّهم أيضاً أن يحجموا.
لكن من واجب هؤلاء جميعاً أن يقرأوا معطيات المشهد من جوانبها كافة، بما لها وبما عليها، معاً وفي آن واحد. كل قراءة ناقصة، مبتسرة، جزئية، لا بدّ من أن تفضي الى نتائج مماثلة.
هكذا لا يملك عشّاق الأنظمة الديكتاتورية، أو المتوجسون "السلبيون" من احتمالات الحراك الشعبي والمصير الثوري، على اختلاف أسباب كلٍّ منهما، وتناقضها، إلاّ التمسك بهذه الأنظمة باعتبارها خشبة احتماء وخلاص متوهمة. في حين أن الشعوب العربية التي تحمّلت ما لا طاقة لبشري على تحمّله، تملك خياراً واحداً لا ثاني لي: أن تكون في الحرية أو أن لا تكون.
قد يكون هذا "الخيار" مفرغاً من القدرة على الاختيار. بمعنى أن العربي، فرداً أو جماعات، يقف أمام الجدار الاستبدادي المحكم، ولا يملك حياله إلاّ أن يواصل الإقامة تحت ظلاله الدموية، أو... يعمل على تحطيمه. مع كل ما يتطلبه اتخاذ الموقف المناسب، أياً يكن، من فهم المسؤوليات الموضوعية واستيعاب النتائج المترتبة عليه.
طوال نصف قرن مضى، لم يقدّم نظام عربي واحد إلى شعبه أيّ بصيص من الحرية والأمل والرفاه، بل قدّم إليه، على العكس من ذلك، فقراً مدقعاً، ويأساً عميماً، وتشييئاً كابوسياً، وإحكاماً للقبضة الأمنية على تفاصيل عيشه الشخصي وعلى علاقته بالشأن العام، بما جعله شعباً من الأرقام والأعداد، مفرغاً من كلّ معنى.
كان النظام العربي "منسجماً" مع ذاته. فقد عرف، بحكم طبيعة تكوينه، وأهدافه، أن لا مكان في الحكم الاستبدادي يتسع للشعوب، أفراداً وجماعات، إلاّ إذا اندرجت كبنى قطيعية، أو كدمى وظلال يحرّكها كيفما شاء.
وكان أتباع الأنظمة "منسجمين" مع ذواتهم، بحكم طبائع نفوسهم وقيمهم وانتفاعاتهم.
أما الشعوب، الساكتة، الرازحة، غير المنتفعة، فكانت تواصل موتها البطيء، "غير منسجمة" مع معاييرها وحقيقة ذواتها وأحلامها في العيش الحرّ الكريم.
في الغالب الأعمّ، هذا ما حصل طوال الخمسين عاماً الفائتة من أعمار دول الاستقلال الوطني عن المستعمر أو المنتدب الأجنبي، التي وقعت جميعها في قبضة الحكم الاستبدادي الأحادي.
وإذا كانت تلك التجارب "الاستقلالية" التي انتظمت دولاً وحكومات، جمهورية وملكية، قد شهدت قيام أحزاب وتكوينات سياسية، غير مندرجة تماماً في الجهاز السلطوي الحاكم، فإن مصيرها كان، رويداً أو سريعاً، إما الى الانصهار الكلياني في بنية الاستبداد، وإما الى "استشهادها" بطريقة أو بأخرى.
خذوا حصيلة الحكم في الدول العربية جميعها، باستثناء لبنان – وهذا لأسباب شتى لا لزوم لاستعراضها الآن - فمن شأن ذلك أن يعطي صورة تفصيلية دامغة للمشهد الاستبدادي العربي، المتواصل، راهناً، على الأرض، قمعاً دموياً لم يكن له مثيل إلاّ في الأنظمة التوتاليتارية، عسكرية أكانت أم دينية أم أحادية الحزب والشخص.
في ضوء هذه الصورة، أخاطب الشعوب العربية القلقة على المصير، عارضاً أمامها السؤالين الأولين، وجوابي عنهما، وداعياً إياها الى اتخاذ الموقف المناسب.
قبل ذلك، لا بدّ من أن أسأل هذه الشعوب المترددة، كيف تستطيع هذه الأنظمة ذاتها التي ألغت شعوبها، طوال خمسين عاماً، ومنعت عنها الكرامات البديهية، أن تعترف فجأةً بوجود هذه الشعوب، أن تعترف بمحض وجودها فحسب كبشر، وبحقّها في العيش الكريم، وفي الحياة الاجتماعية والسياسية؟
كيف تستطيع هذه الأنظمة الديكتاتورية أن تصبح ديموقراطية؟
أيّ آليات يمكنها أن تجعل أجهزتها السلطوية والأمنية الرهيبة أجهزةً قابلة لوجود الآخر، محض وجوده فحسب، و"التنازل" له، بالانتخاب الحرّ، عن حقّها "الإلهي" في السلطة؟
أريد أن أعرف كيف؟
الحاكم الأبدي، هل يستطيع أن يتخلى عن أبد الحكم والسلطة إلاّ بالموت الطبيعي أو العنيف؟ وبعد الموت، إلاّ بالتوريث؟
إذا نعم، أريد أن أعرف كيف؟
فليحرجني أحدهم بجواب. ببرهان.
فليقدّم إليَّ، وإليكم، أحد هذه الأنظمة، برهاناً عملانياً واحداً، من شأنه أن يحمل المنتفضين والثوار على إعادة التفكير المليّ في انتفاضاتهم وثوراتهم، بما يفضي الى وقفها، وحبس الدماء البريئة.
فليقل لنا أحد الرؤساء الأبديين مثلاً إنه لم يعد يريد أن يستمر رئيساً لأنه "انتُخب" رئيساً، لا بعدد الأصوات المستحَقة، ولكن فقط بقوة الخوف والرعب والترويع والتزوير.
فليقل لنا إنه يقبل بأن يخضع للمساءلة القانونية الحرة.
فليقل لنا إنه لم يعد يريد من أحد أن يصفّق له مثلما كان يصفَّق له، حتى الأمس القريب، بل حتى هذه اللحظة بالذات، عندما يدخل الى قاعة مجلس الشيوخ أو مجلس النواب أو مجلس الشورى أو مجلس الشعب.
من يجرؤ على القيام بذلك، قد يجعلنا نغامر بدعوة المنتفضين والثوار الى وقف انتفاضاتهم والثورات.
لكن، من المؤلم والمفجع حقاً أن تكون الطرق مسدودة أمام التغيير الديموقراطي الهادئ في العالم العربي. فالنظام الذي لا يستطيع أن يتحمل تظاهرة سلمية، أو رأياً مخالفاً، كيف يستطيع أن يقبل بالتغيير؟!
من المؤلم والمفجع حقاً أن تكون المرحلة الانتقالية التي تلي سقوط الأنظمة، مرحلة عصيبة، صعبة، خطرة، وطويلة.
لهذا السبب بالذات، لهذا السبب وحده بالذات، لم يعد في مقدور الشعوب أن تظل محبوسة في القمقم الاستبدادي.
صحيح أن العالم العربي مقبل على أن يشهد مزيداً من الآلام والتضحيات، لكن دروب الجلجلة التي تفضي الى القيامة هي هي، هنا وفي كل مكان من العالم.
لم يتخلَّ ديكتاتور واحد عن السلطة طوعاً، لا في الأزمنة الماضية ولا في الزمن الحديث والراهن.
المرحلة الراهنة والمقبلة، تحفّ بالتحديات والأخطار والفخاخ والمغريات والغرائز. الخيارات ليست كثيرة. بل ربما ليس من خيار سوى واحد: إما الحرية وإما استمرار الأبد الاستبدادي بأقنعته المريبة.
ليس أمام هذه الانتفاضات والثورات، والحال هذه، سوى أن تعتمد على قواها الذاتية، وأن تترفع على تناقضاتها وانقساماتها، وأن تواصل كفاحها الديموقراطي السلمي، وأن تستلهم الأمل والصبر والحكمة والبطولة والتعالي على العنف، لتكمل سعيها الى الفجر. ومهما طال ليل الجلجلة، فسينتهي كرهاً أو طوعاً بين أسنان الفجر. وهي أسنان، ولا بدّ، طيبّة.


akl.awit@annahar.com.lb

نداء إلى المسيحيين العرب بقلم عقل العويط


اللوحة ليوسف عبدلكي
نداء إلى المسيحيين العرب
بقلم عقل العويط
لا يبتغي هذا المقال التفلسف على مسيحيي الشرق، ولا يحرّض، ولا يملي عليهم ما يجب أن يكونوا عليه، في هذه المفترقات الحاسمة من تاريخ المنطقة. هو محاولة فحسب، من شخص علماني، لتقديم قراءة بسيطة ومتواضعة لمسيح الحرية، ولما يراه من مسؤوليات مفترضة للمسيحيين حيال هذه القراءة.

لا تخافوا. أنا معكم إلى منتهى الدهور.
هذا الكلام ليس لي. إنه كلام المسيح بحسب الأناجيل. وهو كلام واضح وصريح، وفيه حضّ على طرد شبح الخوف، وعلى عدم الخضوع للترويع الذي تمارسه السلطات، وفيه دعوة إلى إشهار الشجاعة والذهاب بالموقف المطلوب إلى النهاية، أياً تكن النهاية.
وإذا كان الموت الهمجي يمثل نهاية بشعة، كموت المسيح مصلوباً، فهل ثمة نهاية أروع من الموت شاهداً للحق، وشهيداً له، كموت المسيح مثلا؟!
المسيح لم يكن خائفاً، لا على نفسه ولا على رعيته. علماً أنه كان ذاهباً إلى موت محقق، وأنه دعا رعيته، موضوعياً، إلى شبه موت محقق، بالشهادة له بين أمم الظلام والوثن والعبودية.
لكن ثمة الآن وهنا، مَن هو خائف خوفاً عظيماً على رعيته، وربما على نفسه، بل يُدخِل الهلع في قلوب المسيحيين، متماهياً مع نظام الرعب والظلم والاستبداد والديكتاتورية والقتل، وداعياً الرعية إلى مثل هذا التماهي.
باختصار علني مفيد: ندعو دعوة المسيح في عدم الخوف، وأيضاً إلى إشهار الثورة وطرد التجّار من الهيكل، الذي هو، على قول المسيح نفسه، بيت صلاة وثمة مَن جعله مغارة للصوص.
في زمن الثورة العربية، الممتدة من المغارب إلى المشارق، نقول باختصار آخر، علني ومفيد: لن نكون إلى جانب النظام الديكتاتوري ومغاور اللصوص. لن نكون إلى جانب القاتل المعلوم، أياً يكن مَن يخلفه، أيخلفه في القتل أم في نقيضه.
في زمن الثورة العربية، نحن مع الذين يخرجون من بيوتهم تاركين أحبابهم، عارفين أنهم قد لا يعودون إلى بيوتهم إلاّ شهداء.
هذا إذا عادوا!
في زمن الثورة العربية، نحن مع الشهيد وليس مع الدبّابة. ومن الطبيعي والبديهي أن نكون مع القتيل وليس مع القاتل.
لا نستطيع أن نكون مع زين العابدين بن علي، بحجة أننا لا نعرف النتائج المترتبة على الثورة في تونس، ولا طبيعة النظام الذي سيتسلم زمام الأمور هناك. لا نستطيع أن نكون مع حسني مبارك للسبب نفسه. ولا مع معمر القذافي، ولا مع علي عبدالله صالح، ولا مع ملك البحرين، ولا مع بشّار الأسد، ولا مع أيٍّ من الرؤساء والملوك والأمراء والمشايخ والسلاطين الذين يحكمون بليل الحديد والنار.
في السياسة، يستطيع أيٌّ كان أن يتخذ الموقف الذي يريده أو يراه مناسباً، لكن هل يحقّ لأحد أن يرى القتيل مقتولاً مدى أربعين عاماً، خمسين عاماً، ثم يقول إنه يفضّل أن يعطي فرصة إضافية للقاتل؟!
هل يحقّ لأحد أن يدفن رؤوسه في الرمال، وأن يمارس التقية الدينية والسياسية، وأن يدعو شعبه إلى أن يكون من أهل الذمّة؟
في السياسة، ناسٌ مع وناسٌ ضد، لكن من المهين والمعيب حقاً أن يكون المرء مسيحياً وأن يروّج لنظام ديكتاتوري. فكيف إذا كان مسيحياً مشرقياً، وسليل المسيحيين المشرقيين العرب، صنّاع الثورات والحريات وروّادها وقادتها وصحافييها وكتّابها ومثقفيها وفلاسفتها و... شهداءها؟!
تصوّروا أن المسيح بيننا، الآن وهنا، فماذا كان ليفعل؟ هل كان ليذهب الى شهادته أم يتراجع عنها لأنه خائف مما بَعد؟!
هل كان ليدخل الى الهيكل غاضباً ثائراً، قالباً طاولات التجار والصيارفة والسماسرة، أم متفادياً، ممالئاً، غاضّاً الطرف؟ هل كان ليقول لأتباعه: لا تذهبوا ولا تتلمذوا الأمم، لئلا تتعرّضوا للاضطهاد والقتل؟
لكني من أجل هذه الدعوة أتيت، قال المسيح. ولا بدّ أنه يقول مثل هذا القول، اليوم. وهنا.
أيّ "حكمة" سياسية هي هذه، تتماهى مع النظام الديكتاتوري، وتستعدي الثائرين ضدّه مجاناً؟
ثمة مَن يجيب: المسيحيون والأقليات في خطر. لكن ماذا إذا سقط النظام الديكتاتوري الذي تتماهى معه هذه "الحكمة"؟ أتكون تدعو هذه "الحكمة"، الذين تستعديهم من معارضي الديكتاتورية والثائرين عليها إلى الاقتصاص من المسيحيين، لأنهم طبّقوا "تعليماتها" بالوقوف ضد هؤلاء الثوّار، واتهامهم بالإرهاب والظلامية، والمشاركة في مؤامرة... غربية صهيونية؟
ألا تدري هذه "الحكمة" أنها، بذلك، تكون تشجع على قتل أبنائها، واضطهادهم؟!
ولنفترض أن ثمة "بعبعاً" من المحتمل أن يحلّ محل "البعبع" الجاثم على الصدور منذ أربعين عاماً، منذ خمسين عاماً، أفتدعو إلى القبول بالبقاء ضمن هذه الحلقة الجهنمية المفرغة؟
ثم مَن قال إن ثمة "بعبعاً" ينتظر الجميع بعد سقوط النظام الديكتاتوري؟
ليعلم الجميع أن خمسين عاماً من الديكتاتوريات والظلاميات لا تُمحى بشحطة قلم. بعد سقوطها، لا بدّ من عبور الركام، ركام الثورة والألم والفوضى والمطهر، إلى أن تشرق شمس الحرية.
أما النظام الديموقراطي والدولة العادلة، فهما يحتاجان في الأقل إلى أعمار من البذل والتضحية والشهادة والصبر والحكمة والعقل و... الأمل.
للذين لا يريدون أن يقرأوا التاريخ، عليهم بسنوات الركام التي أعقبت الثورة الفرنسية العظمى، قبل حلول زمن الدولة الديموقراطية.
الحرية لا تُنال بضدّها. الأمان لا يُنال بتفيّؤ يد الديكتاتور.
تأخذ حريتك بعدم الخوف. وبالشهادة. مثل المسيح.
تأخذها بأسنانك. ثم بأسنانك تحقّق الأمان عبر تأسيس الدولة العادلة.
في هذه اللحظات الحاسمة، قد يكون في إمكان المرء أن يهرب إلى الأمام، أن يتخابث، أن يتذاكى، أن يداهن، وأن يلعب على الحبلين. لكنه لا يستطيع، ولو للحظة، أن يتغافل عن خمسين عاماً من القتل، ولا أن يفتح الباب أمام خمسين أبداً من الذمية والهوان.
لا تخافوا، قال المسيح. وقال: إذهبوا واشهدوا. ثم قال لبولس في سفر "أعمال الرسل": لا تخف يا بولس. ينبغي لك أن تقف أمام قيصر.
وأنتم أيها المسيحيون العرب ينبغي لكم أن لا تخافوا. بل ينبغي لكم أن تقفوا أمام قيصر. بل أمام كل قيصر. وأن تشهدوا للحق والحرية والديموقراطية.
¶¶¶
قَدَرُ المسيح الحرية لا الظلم. الشجاعة لا الخوف. قولة الحقّ لا الكذب والمداهنة. الثبات على الرأي لا التبدّل مع الأهواء والرياح. بما يقتضيه إعلاء شأن القَدَر هذا، من الشهادة للحرية، والعمل لأجلها تحت الغمرات والشدائد وفي عزّ الظلمات. وليس فقط في أزمنة الرخاء والطمأنينة والنور.
في ليل الشعوب، كما في العكس، ليس للمسيح أقدار أخرى. ولا أدوار أخرى.
ليكن كلامكم نعم نعم أو لا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشيطان.
شهادة المسيح واحدة. نضاله واحد. هدفه واحد. موته واحد. وقيامته واحدة.
التماهي مع الحرية، أو مع المسيح، فعلان يكمل أحدهما الآخر، في المسيحية، وليس من سبيل إلى الفكاك من هذين التماهي والتكامل، أياً تكن الظروف والأحوال.
ثمة موت، ولا بدّ، وهو السبيل الوحيد الى القيامة.
بغير ذلك، بضدّه، لا قيامة.
استطراداً: لا حرية.
¶¶¶
ما أقرأه في قَدَر المسيح الحرّ، الشجاع، تالياً الثائر، وفي دوره، أقرأه ضرورةً في المسيحيين. في أقدارهم. وفي أدوارهم.
شهادته يجب أن تكون شهادتهم. نضاله يجب أن يكون نضالهم. هدفه يجب أن يكون هدفهم. موته يجب أن يكون موتهم. وقيامته هي تالياً قيامتهم.
هذا هو منطق المسيح والمسيحية. ما زاد على ذلك، أو ما نقص منه، هو، في المسيحية، من الشيطان.
¶¶¶
ما أقرأه في أقدار المسيحيين وأدوارهم مطلقاً، أقرأه ضرورةً، ومن باب أَولى، في العرب منهم، والمشرقيين، وَرَثَة المسيح في الأرض المجرّحة بالليل، وحَمَلَة قضيته، من فلسطين الى آخر أصقاع هذا الشرق.
قضية المسيح هي الحرية. وهذه ليست فعلاً تجريدياً أو رمزياً أو معنوياً فحسب. إنها خصوصاً فعل شهادة حسية، ملموسة، واقعية، لهذه الحرية.
كيف يكون فعل الشهادة؟
بالتحرير. بتحرير الإنسان مما يعوق تجلّي هذه الحرية. في الذات، في الآخر، وفي المجتمع مطلقاً.
لا يتجزأ فعل التحرير هذا، لأن كل اجتزاء فيه، يشكّل انتقاصاً من شخص المسيح، ورسالته.
تالياً، يتكامل فعل التحرير المسيحي ويصل إلى غايته بثلاثة: تحرير الذات، تحرير الآخر، وتحرير المجتمع، بما هو جماعة منتظمة في كيان دولتي.
هل هو متحققٌ فعل التحرير المثلّث هذا، في دنيا العرب؟ إذا لا، فما الذي يحول دون ازهراره؟
قراءتي تقول لا، ليس فعل التحرير متحققاً.
تالياً، يحول دون تحقق هذا التحرير، استتباب أنظمة القمع والديكتاتورية منذ نصف قرن، وولوغها في امتهان الكرامة البشرية والمجتمعية والثقافية والسياسية، ومصادرة الحرية.
والحال هذه، ما العمل؟ ما العمل الذي ينبغي أن يضطلع به المسيحيون العرب؟
هذا يستدعي من هؤلاء، تأدية دورهم المبدئي النظري، ودورهم التطبيقي العملاني، على السواء، ومواصلة فعلهم التاريخي في المنطقة العربية، القائم على رفع لواء الحرية وصون كرامة الإنسان الفرد والجماعة، على أرض الواقع.
بهذا فقط، يكونون رسل المسيح في الأرض العربية. وبهذا فقط، ينتمون الى مسيح الحرية. وينتمون تالياً: الى ثقافة الحرية مطلقاً.
الآن، في زمن ثورة الشعوب العربية على أنظمة القمع والديكتاتورية، كيف يتجلى دور المسيحيين، وكيف يتماهون مع مسيحهم ورسالته؟
الجواب: لم يكن المسيح ذمّياً، ولم يكن خانعاً، ولم يبحث عن خلاص فردي، بل كان على عكس ذلك تماماً. فقد وقف ليشهد للحقيقة في وجه قيصر، وفي وجه كل قيصر آخر، يهودياً أكان أم رومانياً.
فإذا كان من دور ينهض إليه المسيحيون اليوم، فأن لا يكونوا ذمّيين ولا خانعين، ولا أن يبحثوا عن خلاص فردي موهوم. هو، في كل حال، خلاص مستحيل. مسؤوليتهم أن ينخرطوا في النضال من أجل الحرية، والشهادة لها، لا الاختباء في عباءة الأنظمة المتوحشة وتحت صراخ دمائها.
ثمة في المدن العربية، دماء نبيلة تنزف، من أجل الحرية. من حقّ هذه الدماء على المسيحيين أن لا يتركوها وحيدة على القارعة.
فليدملوها. وليشهدوا فقط. فليشهدوا لمسيح الحرية.

akl.awit@annahar.com.lb

عفواً غبطة البطريرك بقلم هاني نصولي




أسفنا للخطوط الفاصلة التي رسمها غبطة البطريرك الماروني بشارة الراعي على خريطة الوطن العربي، شاطراً شعوب المنطقة بين أقليات وأكثرية. وبتنا نشارك غبطته هواجسه على مستقبل مسيحيي سوريا، الذين يشكلون 10% من مجموع السكان. فبمجرد إعلان البطريرك الماروني تعاطفه مع نظام الاسد اقحم المسيحيين عن غير قصد، في آتون الصراع الدموي الدائر بين النظام والشعب، على رغم اصغاء غبطته لرؤية الرئيس الفرنسي ساركوزي "أن نظام الرئيس السوري انتهى"!لقد تنبأ رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، بتحوّل الثورة السورية الى حرب أهلية بين الطائفة العلوية التي تشكل 9% والطائفة السنية التي تشكل 74% من سكان سوريا البالغ عددهم ما يقارب 23 مليوناً. تلك الحرب المتوقع لها ان تطول، كما حصل في لبنان إبان الحرب الاهلية عام 1975 التي دامت 15 عاماً، حيث تخللتها مواجهات بين القوى العظمى التي استخدمتها ساحة. ألم يؤكد النائب وليد جنبلاط في احدى مقابلاته، ان حرب الجبل عام 1983 "كانت نتيجة لثلاثة قرارات التقت في وقت واحد. قرار اتخذته انا وقرار سوري وقرار سوفياتي". من هنا أطرح تساؤلي: ما الحكمة من دفع المسيحيين الى الحريق السوري، بدل أخذ جانب الحياد الحذر؟عتبنا على البطريرك ان غبطته يستند الى نظرة دينية مبسّطة لاستخلاص العبر من احداث منطقة شديدة التعقيد. فهو يشير دائماً الى سقوط الضحايا والهجرة المسيحية الكثيفة من العراق، من دون الاشارة الى مئات آلاف الضحايا غير المسيحية التي سقطت او هاجرت، ما يدفعنا الاّ نستغرب وصف غبطته الثورات العربية بـ"المؤامرة" او استخدامه تعبير "التطرف" لوصف الاسلام السني. لكننا نسأل غبطته: هل يوجد تطرّف أفظع من تعذيب اطفال درعا وتكسير اصابع الرسام الكاريكاتوري على فرزات واقتلاع حنجرة مطرب الثورة السورية ابرهيم قاشوش والسفك اليومي لدماء المتظاهرين المسالمين منذ ستة اشهر؟بصراحة، لا نلمح في الخطوط التي رسمها غبطته النهج السليم للمحافظة على الوجود المسيحي في الشرق. انما يجب رسم الخطوط الفاصلة بين من يقف الى جانب الانظمة الديموقراطية، وبين من هو مع الانظمة الديكتاتورية. فخطوط الحرية والديموقراطية واحترام حقوق الانسان والرأي الآخر، هي الخطوط الصحيحة التي تحرر الطوائف المسيحية وغير المسيحية من عقدة الاقليات وتضعهم في موقع الشركة الكاملة. أليس المسلم القارئ قيم العالم الحرّ أقرب الى أخيه المسيحي الحر، منه الى المسلم المستأثر بمفاهيم الاستبداد والاستعباد والديكتاتورية؟صفقنا طويلاً لانهيار الانظمة الديكتاتورية في العالم العربي، على رغم أنها تتصل بالاسلام السني، ولم يراع اي منا طائفة الحاكم المستبد او مذهبه. فالديكتاتوريات العربية بمن فيها النظام السوري، هي الآفة التي تكبح شعوب المنطقة الخروج من ظلام القرون الوسطى الدامس. فهل يرضى غبطته ان تستمر الشعوب في الشرق ترزح تحت ظلم الجزمة العسكرية ورعب الاجهزة الامنية والتعذيب البربري والتصفية الجسدية والمعتقلات السرية وعبادة الشخصية ونظرية القائد الخالد الى الابد، حتى تستشعر الاقليات ببعض الراحة؟لا نعتقد ان تمسّك البطريرك بترسانة "حزب الله" العسكرية تولّد عن حاجة المسيحيين الملحّة الى تحرير ما تبقى من اراض لبنانية محتلة. فلو كان الامر كذلك لأصر غبطته على مطالبة النظام السوري بترسيم حدود مزارع شبعا وتلال كفرشوبا مع لبنان قبل اي شيء، بل ان تمسّك غبطته بسلاح "حزب الله" ووقوفه الى جانب نظام الاسد، يقع ضمن سياق نظرية تحالف الاقليات ضد الاكثرية السنية في الشرق. وهذا في حد ذاته يضاعف خطر الصدام بين السنّة والشيعة على حساب إنهاء الوجود المسيحي. فهل هكذا تُبنى الشركة والمحبة؟الخطورة تأتي ايضاً من اعتقاد غبطته بأن سلاح "حزب الله" يمنع توطين اللاجئين الفلسطينيين، ما يُشرّع ابواب التسليح لاية جهة تزعم رفضها للتوطين، أكانت لبنانية أم فلسطينية، وهذا ما يخشاه اللبنانيون. الا يجدر بغبطة البطريرك التروّي قليلاً ثم تصويب خطوطه الفاصلة بين الاقتناع بأن الحرية والديموقراطية واحترام حقوق الانسان والرأي الآخر، هي خطوط النجاة للوجود المسيحي وغير المسيحي في لبنان والعالم العربي والشرق؟
هاني النصولي      

«البشارة» بقلم عبده وازن - جريدة الحياة


«البشارة»
الخميس, 15 سبتمبر 2011

دأبــــت محطة «تيلي لوميير» التلفــزيــونية اللبنانــيــة على معـــاودة بــــث برنامج بعنوان «بشارة الراعي» الذي كان يقدمه سابقاً البطريرك الماروني الحالي بشارة الراعي ايام كان مطراناً. وما زالت هذه المحطة الكاثوليكية تصر على تقديمه بعد انتخاب الراعي بطريركاً على رغم ارتقائه السدة العالية، ساعية الى تعميم موعظاته الرعوية الصرفة التي تعني أكثر ما تعني ابناء الرعايا الذين يألفون هذا الكلام. وفي بعض الحلـــقات لم يــكن المطران يــتورع عن الكلام في السياسة ومرة ابدى رأيه في الحرب اللبنانية وكان «طوباوياً» جداً ما دل على عدم تعمّقه في معاني هذه الحرب وأبعادها وتناقضاتها.
الآن تبدو المحطة وكأنها مشغولة بـ «صورة» البطريرك دينياً وسياسياً لا سيما بعد الحملة التي يواجهها عقب التصريحات التي أدلى بها خلال زيارته الاخيرة لباريس. غير أن الانقسام الذي أحدثته هذه التصريحات في وسط الطائفة المارونية واللبنانيين عموماً جعل البطريرك يخرج عن موقعه التوافقي الذي طالما عرفت به بكركي على رغم ثوابتها التاريخية التي بلغت ذروة تجليها الحديث في عهد البطريرك السابق نصرالله صفير الذي كان حكيماً في علاقته بسائر الطوائف والاحزاب والجماعات اللبنانية المختلفة. وقد جعل من بكركي منبراً للقاء والحوار انطلاقاً من الثوابت التي لم يفرط بها يوماً.
لم تنقل المحطة هذه آراء الكثر من «المواطنين» الموارنة الذين فاجأتهم مواقف «راعيهم» المستغربة والمستهجنة ولا ردود الفعل السلبية التي أثبتت ان الملتزمين مارونياً لم يبقوا مجرد رعايا يحدد البطرك معالم حياتهم السياسية وأفكارهم ومواقفهم. وهذا ما فات البطريرك نفسه على رغم اطلالاته الدائمة وجولاته على المناطق والرعايا. وليت البطرك وادارته ينصتان جيداً الى ما يقال هنا وهناك في الاوساط المارونية من كلام معترض على سياسته الارتجالية التي ضربت ثوابتهم عرض الحائط، غير مبالية بالإرث الماروني الذي بات مهدداً بعدما تشتت الموارنة سياسياً ووجودياً.
وبعيداً من كل الإشاعات التي اطلقت أخيراً والتي طاولت الحالة المارونية قبل رموزها يستطيع البطرك ان يعود عن تصريحاته التي وضعت المسيحيين السوريين واللبنانيين امام خطر ما حتى وان كان هذا الخطر متوهماً او مقصوداً توهمه. أما قضية «حزب الله» فهي لا تحتاج الى نقاش ولعل البطريرك نفسه يعلم بذلك خير علم.

"أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية" بقلم عبده وازن - صحيفة النهار


"أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية"
بقلم عبده وازن - صحيفة النهار
كان الإعلام، مرئياً ومسموعاً، يسعى وراء البطريرك صفير، مستنطقاً إياه بمشقة، وكان هذا البطريرك الحكيم يختصر قدر ما أمكنه، فهو لا يؤثر "الاطناب" ولا الثرثرة بل كان يكتفي بكلام فيه الكثير من التلميح الذكي الذي يقول كثيراً، بقليله. أما البطريرك الجديد بشارة الراعي، فبدا منذ تسلمه الكرسي – الذي جعله بمثابة سدة رئاسية – على خلاف سلفه، ذا ميل فاضح الى الأعلام، لا سيما المرئي والمسموع، وغدا كأنه يسعى هو وراء هذا الإعلام سعياً شخصياً أكثر مما يسعى الإعلام وراءه. هذه النزعة المستهجنة ليست بجديدة في "مسار" البطريرك، فهو كان يطل، أيام كان مطراناً، على شاشة "تيلي لوميير" في برنامج يحمل عنواناً هو بالتحديد اسمه نفسه: "بشارة الراعي"، ولكن مرتكزاً الى رمزية هذا الاسم الذي قد لا تطاوله كثيراً. فالمطران حينذاك، لا يمكن وصفه بـ"الراعي" كما ورد في الإنجيل، وبشارته لا يمكن بالتالي اسقاطها على مفهوم البشارة التي قال بها الإنجيل، وهذا مفروغ منه. فالإنجيل لا يُقارب بسهولة وصفة "الراعي" الذي تحدث عنه المسيح، هي أبعد من أن تطلق كيفما كان لها ان تطلق. والخوف، كل الخوف أن يكون الخصوم المعلنون وغير المعلنين، قد عملوا بموجب المثل الإنجيلي: "أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية" (متى،31).
آخر "بشارات" الراعي التي أطلقها خلال زيارته الأخيرة لفرنسا، لم تكن ببشارة بقدر ما كانت بـ"نذير" شؤم. فهي أولاً سياسية، في المعنى "السيئ" للسياسة، بل في معناها الملتبس والملفّق، ثم إنها جاءت تناقض تماماً ما كان قاله الراعي نفسه، بخاصة في ما يتعلق بسلاح "حزب الله" الذي وصفه مراراً باللاشرعي، ووجد فيه عائقاً أمام قيام الدولة، دولة "الشركة" التي نادى بها سابقاً وأنكرها في باريس. فأيّ شركة (أو شراكة) هذه التي تقوم على خلل كبير في تركيبة الدولة والمجتمع، وهو خلل غير طبيعي بل مفروض فرضاً لمصلحة جماعة من داخل هذه التركيبة؟
أما في ما يخص الدفاع عن النظام السوري وحزب البعث الحاكم في هذه اللحظة التاريخية الرهيبة، فبدا كلامه مستهجناً كل الاستهجان، وعبّر عن انقلاب واضح على ثوابت بكركي والطائفة المارونية المعروفة بانحيازها الى صف الضحية ورفضها كل اشكال التسلط والقمع والقتل. لو كان موقف الراعي شخصياً لكان قابلاً للنقاش انطلاقاً من الحرية في الاختيار والانتماء، لكنه يمثل الكنيسة المارونية، على اختلاف مرتباتها، وكذلك المواطنين الذين ينتمون اليها روحياً. والكنيسة المارونية التي طالما عانت الاضطهاد والقمع والتسلط خلال التاريخ، لا يسعها البتة أن تناصر القامعين والمتسلطين والطغاة وفي ظنّها أنها تحمي نفسها وتحمي سائر المسيحيين. كنيسة المقموعين والمضطهدين أصبحت كنيسة القامعين والطغاة. هذه ليست بالكنيسة المارونية. والراعي مهما حاول أن يسبغ هذه الصفات على كنيسة الموارنة فهو سيظل عاجزاً كل العجز عن تشويه تاريخ هذه الكنيسة وتحطيم هالتها الرمزية.
في الأيام الاخيرة، بدا الراعي نجماً تلفزيونياً. لم يعد يقوم بأيّ جولة رعوية – وغير رعوية – بعيداً من الكاميرات. لم يبق هو الراعي فحسب، بل أصبح النجم، على خلاف الراعي الذي تحدث عنه المسيح. في أحد الاحتفالات به في بعلبك ألقى فيه أحد المحتفين كلمة تفيض بلاغة وفصاحة ومرّ فيها على ذكر المسيح بصفته عبداً لله، وهي المقولة التي دفعت سابقاً الراعي (المطران) على الاعتراض على برنامج عن المسيح كانت تبثّه "المنار"، وعلى اعلان ما يشبه العصيان الطائفي. لكن الغبطة والبهجة اللتين أخذتا بالراعي خلال التكريم لم تسمحا له بسماع هذه المقولة التي قيلت علانية. فهذا "الاحتضان" (غير البريء) لم يحظ به حتى في مسقطه الماروني.
شخصياً لن آخذ بالشائعات التي أطلقت أخيراً حول البطريرك الذي قلب مواقفه رأسا على عقب، فالشائعات السياسية التي تحيق به والملفات لم يتم الحديث عنها، لا يمكن الأخذ بها بتاتاً. لكني شخصياً، وبصفتي مارونياً بحسب الهوية، أشعر أن هذا البطريرك لا يمثّلني ولا يمثّل الكثيرين من أمثالي وغير أمثالي. وما دام البطريرك صفير على قيد الحياة – أطال الله عمره – فهو الوحيد يستحق لقب "مجد لبنان أُعطي له". علماً أنني لم أعد أؤمن بالفكرة اللبنانية أو بالخرافة اللبنانية التي لم يعد لها وجود.

الخميس، 22 سبتمبر 2011

هل يخرج «فرسان الموارنة» من خلوتهم الانتخابية بصيغة موحّدة؟ بقلم غراسيا بيطار - السفير 23 أيلول 2011


مشاريع بارود و«مركز فارس» والفرزلي توضع اليوم على مائدة الراعي
هل يخرج «فرسان الموارنة» من خلوتهم الانتخابية بصيغة موحّدة؟

الراعي مستقبلا شكر (حسناء سعادة)
غراسيا بيطار
الى «الخندق الماروني» در. عند التاسعة والنصف من صباح اليوم من المفترض أن يكتمل عقد «القطيع الصغير» حول راعيهم في بكركي. يتصافحون. «يشد» البعض لـ«يرخي» الآخر. يتقاسمون «ثوب» القانون الانتخابي العتيد. في الدعوة الرسمية أن «الغاية من الاجتماع الإطلاع على ما توصلت اليه اللجنة المصغرة والخبراء في شأن مشاريع قوانين الانتخاب والتشاور في توحيد الرؤية حول قانون الإنتخاب». وفي نفوس بعض المشاركين «الاستماع الى كلمة البطريرك بشارة الراعي الافتتاحية ولا بأس من إنفاق ما تبقى من وقت على المداخلات الممتدة لغاية الأولى بعد الظهر. ثم نتناول طعام الغداء على مائدة بكركي ونرحل... كل إلى متراسه».
في المحصلة، لم تصل اللجنة المصغرة الى أي مكان بعد. وزير الداخلية السابق زياد بارود و«مركز عصام فارس» ورئيسه السفير عبد الله بو حبيب، أديا قسطيهما الى العلى الماروني بعدما عرض كل منهما لمشروعه الإنتخابي... والبقية تقع على الأحزاب المشاركة من «التيار الوطني الحر» الى «القوات» و«الكتائب» و«المردة». في اجتماع اليوم من المتوقع أن يرفع الى المؤتمرين مشروعا «بارود» و«فارس» على أن يضاف اليهما ثالث هو مشروع نائب رئيس مجلس النواب السابق إيلي الفرزلي الذي أعلنه باسم «اللقاء الأرثوذكسي».
المعلن فقط هو موقف الكتائب الرافض لمبدأ النسبية لأنه، على ما يقول خبراء كتائبيون يحرم «حزب العائلة» من إمكان الفوز بأي نائب، لذلك ثمة ميل في الصيفي لمشروع الفرزلي علماً بأنه يستند أيضاً الى النسبية لكن لناحية أن «كل طائفة (وكل مذهب) تنتخب نوابها».
في الواقع المسيحي البرلماني هناك أربعة وثلاثون نائباً من أصل أربعة وستين انتخبوا بأكثرية أو حيثية مسيحية وأما البقية فيأتون «بالرافعة المسلمة». ومن هذا المنطلق، «استدعت» بكركي القيادات وراح الجميع يسجل ملاحظات متفرقة. تمنت الأحزاب على بارود أن يدخل بعض التعديلات على مشروعه لناحية أن يكون الصوت التفضيلي واحداً وليس اثنين، علماً أنه يقضي بتقسيم لبنان الى أربع دوائر (الشمال 3، البقاع 3، الجنوب 3، الجبل 4 وبيروت 2).
أما المشروع الثاني الذي يعتمد القضاء دائرة إنتخابية، فيعرّفه «مركز فارس» بأنه نظام الصوت الواحد للناخب الواحد أي أنه نظام أكثري بتجيير محدود في دوائر متعددة المقاعد». يتيح هذا المشروع أمام المستقلين «إبراز حضورهم ويقدم لهم حظوظاً أوفر للفوز» وهذا ربما ما يجعل قلب الأحزاب «المحبة للإحتكار في التمثيل واللوائح» لا يخفق له. وإذا كان «مشروع الفرزلي» يقدم الطائفية على «طبق فج»، فإن هذا المشروع يعتمد «الطائفية المقنعة» لكنه يرفع لواء «تأمين حيثية التمثيل لكل طائفة بحيث لا عودة الى وجوه نيابية لا تمت الى النيابة بصلة».
وبينما تدير الكنيسة بصمت هذا اللقاء واجتماعاته التحضيرية من زاوية «تأمين أكبر تمثيل مسيحي حقيقي بحيث لا يفوز النائب المسيحي بأصوات الناخبين المسلمين سنة كانوا أم شيعة أم دروزا»، تقيس الأحزاب مقارباتها لمشاريع القوانين على مسطرة «مصالحها الحزبية». قد يكون الجميع يرغب في الصميم بمشروع الفرزلي لكنه في العلن لن يعرب عن ذلك نظراً لـ«فظاظته الطائفية».
ماذا بعد بكركي؟ ينعي البعض كل هذه الجهود على اعتبار أنها لن تتخطى عتبة «البيت المسيحي». هذا إذا خرج «فرسان الموارنة» أصلاً بكلمة موحدة من «خلواتهم الانتخابية». فالمنافسة ظاهرية والحياة، على ما يبدو، ستكتب «تمديداً» للقانون الأكثري الحالي خصوصاً وأنه «على قياس» فريق 14 آذار. وثمة من يردّد بأن سعد الحريري اتصل بحليفيه المسيحيين، سمير جعجع وأمين الجميّل، عارضا أن يضحى مثلا بـ«أقليات» باسم الشاب لصالح نائب كتائبي، يبقي على سامر سعادة طرابلسيا، «يسلّف» جعجع نيابة وهبة قاطيشا في عكار، يضحّي بنيابة أنطوان سعد في البقاع الغربي....

هل قال ساركوزي للراعي ليهاجر المسيحيون من لبنان إلى فرنسا ؟ من جريدة الديار - الجمعة 23 أيلول 2011


هل قال ساركوزي للراعي ليهاجر المسيحيون من لبنان إلى فرنسا ؟
مشروع للإتحاد الأوروبي لاستيعاب 3 ملايين مسيحي من لبنان وسوريا
Friday, September 23, 2011 - 01:55 AM
 
 


قال أحد أعضاء الوفد الذي رافق البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الى باريس، ان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي سأل البطريرك الراعي جدياً «ما دام أن المسيحيين أصبح عددهم مليوناً وثلاثمئة الف في لبنان والمسيحيون في سوريا مليون ونصف، فلماذا لا يأتي المسيحيون الى اوروبا ويعيشون فيها، مع العلم انه تم استيعاب مليوني مهجر مسيحي عراقي في اوروبا».
وشرح الرئيس ساركوزي للبطريرك الراعي انه في ظل صراع الحضارات، خاصة المسيحي - الاسلامي، لا مكان للمسيحيين في المشرق العربي، والافضل ان يأتوا الى الاتحاد الاوروبي المؤلف من 27 دولة.
اصيب البطريرك الماروني بالذهول لهذا الكلام، وقال لساركوزي: «كيف يمكن ان يحصل هذا الامر؟ فسحب ساركوزي ورقة تتضمن معلومات ان اكثر من 3 ملايين مسيحي هاجروا من لبنان خلال العشرين سنة الماضية، وان منطقة الشرق الاوسط مقبلة على مشاكل عديدة. 

عاد البطريرك الراعي الى لبنان وادلى بتصريحات مناقضة للكلام الفرنسي واعتبر ان عليه ان يبدأ بخط عربي كبير كي يحافظ على المسيحيين، مع العلم ان البطريرك الراعي التقى بطريرك الروم الارثوذكس هزيم الذي كان قد سافر الى موسكو واجتمع هناك مع بطريرك روسيا للارثوذكس. واتصل البطريرك الروسي برئيس الوزراء بوتين وحصل لقاء بين البطريرك هزيم ومساعد وزير الخارجية الروسي الذي قال له ان روسيا ستبقى مع الرئيس بشار الاسد حتى النهاية، وانها ستحافظ على طائفة الروم الارثوذكس وستعمل من خلال علاقاتها مع ايران وتركيا والسعودية وسوريا لمنع المس بالمسيحيين في سوريا، وقد اتفق البطريرك الراعي الماروني مع بطريرك الروم الارثوذكس على اتباع سياسة عربية لحماية المسيحيين. 
وفي هذا السياق تعقد قمة روحية نهار الثلثاء في دار الفتوى يحضرها بالاضافة الى المفتي قباني البطريرك الراعي والشيخ عبد الامير قبلان والشيخ نعيم حسن، وسيصدر عن الاجتماع بيان سيتناول التطورات الراهنة وسيضع البطريرك الراعي القادة الروحيين في اجواء اجتماعاته في العاصمة الفرنسية. 
اجتماع الأقطاب الموارنة اليوم 
يعقد اليوم الاجتماع المسيحي في بكركي في حضور الاقطاب الموارنة الاربعة: الرئيس امين الجميل وميشال عون والنائب سليمان فرنجية والدكتور سمير جعجع بالاضافة الى النواب الموارنة. وسيترأس الاجتماع البطريرك الراعي والذي سيناقش خلاصة ما توصلت إليه اللجنة المنبثقة من اجتماع بكركي الاول والمؤلفة من النواب: جورج عدوان وآلان عون وسامي الجميل والوزير السابق يوسف سعاده والوزير السابق زياد بارود في شأن قانون الانتخابات. ودرست اللجنة كل الاقتراحات لضمان وصول 64 مسيحياً بأصوات المسيحيين في ظل تقدم قانون النسبية، لكن القرار يعود الى الاقطاب الاربعة والبطريرك الراعي لاتخاذ الموقف النهائي. 
الى ذلك، يتوجه البطريرك الراعي الى الجنوب نهار السبت في زيارة رعوية تشمل جميع مناطق الجنوب وسيحظى باستقبالات شعبية حاشدة تؤكد على عمق الروابط بين اللبنانيين وخصوصا في منطقة الجنوب التي واجهت العدو الاسرائيلي، كما سيولم الرئيس نبيه بري على شرف البطريرك في المصيلح في مأدبة غداء ستجمع قادة البلاد السياسيين والروحيين من كل الطوائف. 
وفد روحي سوري في بكركي 
الى ذلك، علم ان وفدا من المرجعيات الروحية السورية قد يزور بكركي خلال الايام المقبلة، علما ان البطريرك مار بشارة بطرس الراعي استقبل امس عددا من الاكاديميين السوريين وجرى استعراض للتطورات السياسية في المنطقة، وشكر هؤلاء البطريرك الراعي على مواقفه. 
وثيقة لـ14 آذار 
على صعيد آخر، تعقد قوى 14 آذار المسيحية لقاء موسعا منتصف تشرين الاول وفي حضور اكثر من 250 شخصية، بالاضافة الى بعض المطارنة وسيصدر عن الاجتماع وثيقة تعرض لواقع العلاقة الترابطية بين المسيحيين والثورات العربية وبأن المسيحيين لا يمكن إلا ان يقفوا الى جانب حركات «الربيع العربي» المطالبة بالحرية والعدالة. 
وستشكل مضامين الوثيقة رد غير مباشر على كلام الراعي وتحذيره من خطر التفتيت وقيام انظمة متشددة. 
إقرار خطة الكهرباء 
أقرّت خطة الكهرباء بصيغة تشمل قرار مجلس الوزراء وفي 5 دقائق اعلن بعدها العماد ميشال عون تحفظه عن صيغة المشروع كما طرح حفاظا على التضامن الحكومي، لكنه تحفظ في الوقت نفسه عن إدخال قرار مجلس الوزراء في صيغة المشروع لانه يمس بمبدإ فصل السلطات، متمنيا لو كان وضع في الاسباب الموجبة، علما ان العماد عون كان قد عقد خلوة مع الرئيس بري قبل الجلسة. 
واللافت ان الجلسة شهدت تنافسا بين تياري الوطني الحر وتيار المستقبل وبالتحديد بين العماد ميشال عون والرئيس فؤاد السنيورة على انجاز خطة الكهرباء، وخصوصا ان السنيورة حرص بعد الجلسة على الادلاء بتصريح مطول تبنى فيه المشروع واشاد بكلمة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في جلسة اللجان النيابية المشتركة. 
وافادت مصادر نيابية ان عون لم يكن امامه خيار آخر إلا القبول وخصوصا ان الجو الذي ساد جلسة مجلس الوزراء امس الاول قد اظهر ان وزير الطاقة جبران باسيل فشل في إقناع الوزراء بعدم ادخال التعديلات التي تصر عليها المعارضة. 
وسألت المصادر عن الخلفيات التي تدفع باسيل الى الاصرار على المشروع من دون ضوابط، مستغربة اصرار عون على ادعاء الانتصار في وقت يعرف القاصي والداني انه لم يستطع تحقيق اهداف صهره وزير الطاقة. 
واللافت في الجلسة التشريعية امس، كان التنسيق بين الرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي والنائب وليد جنبلاط الذي حضر مع كل نوابه كما حضر النائب سليمان فرنجية، للتصويت على مشروع القرار في حال ذهبت الامور الى المواجهة، علما ان اجتماع اللجان النيابية المشتركة برئاسة بري وحضور ميقاتي كان قد توصل الى الصيغة التوافقية واقرار المشروع بالتعديلات التي طرأت عليه في جلسة الامس. 
وفي مجال آخر، شهدت الجلسة تبادلا للشتائم والكلام العنيف من العيار الثقيل بين النائب نقولا فتوش والنواب فريد حبيب وايلي ماروني واحمد فتفت على خلفية المشروع الذي قدمه نقولا فتوش عندما كان نائبا لتنفيذ قرارات مجلس الشورى التي صدرت ومنها قرار يتعلق بالتعويض على اشقائه بمبلغ مئتين وخمسين مليون دولار على اثر توقيف عمل المرامل والكسارات في مرحلة سابقة، وقد اختلط النقاش بين مضامين الاقتراح العامة التي تؤكد على تنفيذ الاحكام القضائية المبرمة، وبين اعتبار نواب المعارضة ان وراء الاقتراح غايات واهداف لمصلحة افراد. 
وحمل فتوش على الرئيس السنيورة قائلا: لو كانت هناك دولة لأحيل الى القضاء. واثنى عدد من النواب على اقتراح فتوش وتبناه لاحقا النائب العوني ميشال حلو. 
كما اقر مجلس النواب قانون يضمن للسائقين العموميين حقهم الذي كانوا قد حصلوا عليه في نهاية عهد الحكومة السابقة. 
كذلك طرح النائب اكرم شهيب موضوع اختفاء شبلي العيسمي، وانتقد النظام السوري واشاد بشعبة المعلومات، فرد النائب نواف الموسوي بالنظام قائلا: ليس هناك في القانون اسمه شعبة المعلومات بل فرع المعلومات. 

المونسنيور زيدان... وكفى بقلم غسّان حجّار - النهار - أيلول 2011



أعلن الفاتيكان موافقته على انتخاب المونسنيور كميل زيدان مطراناً في الكنيسة المارونية ونائباً بطريركياً قيماً على الدوائر البطريركية. وهو الرجل الذي انتهج التنظيم الدقيق في حياته كما في المناصب التي تسلمها، خصوصاً في الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية، حيث تعرفت اليه وكنت بعد صحافياً يافعاً.
منذ ذلك الزمن، لم يتغير الرجل ولم يتبدل، ولم يسمن، ولم يحقق مالاً ولا جاهاً. ظل على تواضعه، محافظاً على هيبة رجل الدين، والمربي، والإداري الناجح.
قد يجد حوله كثيرين يمدحون صفاته، وسيزيدون في الآتي من الأيام بسبب المصالح الكبيرة والكثيرة للناس في الدوائر البطريركية، ستفيض عليه المغريات والعطايا، والدعوات خصوصاً. لكن كل هذا لا ينفع، أي انه لا يقدم ولا يؤخر في الموقف الذي يتخذه المطران زيدان، اذ يشهد تاريخه على انه لم يتأثر بأجواء محيطة، مريحة أو مغرية، أو ضاغطة خصوصاً، وقد مورست عليه ضغوط كبيرة من سياسيين، عندما كان يحارب وحيداً بعض خطط تربوية ومشاريع مشبوهة لتغيير واقع التربية في لبنان، والتي كانت تؤدي حكماً الى تغيير هوية البلد.
كان يعي تمامًا ما يجري ويحاك، وكان يردد أمامي أن هذه الخطة أو تلك على بساطتها، ستترك مفاعيل خطرة تظهر نتائجها بعد نحو 15 الى 20 سنة، "لذا علينا مواجهتها اليوم".
كان يلازم مكتبه في الأمانة العامة في شارع مونو، قبل المباشرة في بناء الأمانة العامة الحالية في عين سعادة، واذ كنت أقول له "هل أقصدك في مونو؟" يبتسم ويقول بصوته الخافت. "مونو لنا في النهار ولغيرنا في الليل، فلا تتأخر في القدوم حتى تجدنا".
لا يهم أين نقصدك سيدنا، المهم ان نأتي اليك، وان نجدك على الدوام، كما عهدناك، أنت أنت، المونسنيور زيدان، الحاضر دائماً وأبداً.
غسان حجار      
ghassan.hajjar@annahar.com.lb