الجمعة، 20 مايو 2011

هل يترحّمون على حسني مبارك؟ بقلم جان عزيز



لم يعد ميدان التحرير القاهري يقدر على تعداد صدماته والخيبات، علماً بأنّ الميدان نفسه لم يعد اليوم ـــــ كما لم يكن يوماً ـــــ ساحة لمصر وحدها، بل أصبح قلباً لمنطقة بأسرها، تُقدم حين يُقدم، وتُحجم حين يُحجم، وتأمل مع بشائر أمله وتيأس بنذر يأسه.
منذ اللحظات الأولى لما بعد «الثورة»، حاول الميدان امتصاص الصدمة البكر. حين منع يوسف القرضاوي وائل غنيم من الكلام في الساحة نفسها التي شهدت «تقية» الشيخ، وحمية الشاب. والاثنان رمزان بامتياز للحدث. الأول مرجع لفتاوى الصمت، والثاني محرّك لمفاتيح الاتصال والتواصل. فحين يقدر القرضاوي على إسكات غنيم في ميدان التحرير، يكون الزمن قد مُسخ، وراحت عقاربه تمشي إلى الوراء.
بعدها جاء الاستفتاء على الدستور صدمة جديدة لقوى مصر التغيير والتحديث والعصرنة والخروج إلى نور الغد. كأن المناخ العام قد بدأ يخيّم على أرض النيل، فراحت سمومه تهبّ في أكثر من مكان. حتى تعيين محافظ قبطي لم يمر من خرم العيون الضيقة لأناس القرون الماضية. ولم يمضِ وقت طويل حتى تأكد الاتجاه، فانفجرت في إمبابا مسخرة تلك السيدة. لحظات قليلة من النار المندلعة حقداً أمام الكنيسة، كانت كافية لتظهر هشاشة تلك الصور المركبة طيلة ثلاثة أسابيع، عن قرآن وإنجيل وكليشيهات علمانية مزعومة وأخوّة وشعارات ممجوجة. قبل 25 يناير، قيل إن نظام مبارك فجّر كنيسة القديسين. بعد ميدان التحرير كيف يمكن تفسير إحراق الكنيسة؟ أليس دليلاً على أن النظام لم يسقط، أو على أن مصدر العنف والحقد والقتل والحرق، أكثر جذورية وبنيوية من مجرد شخص وسلطة وحكم.
قبل أيام جاءت الصدمة الأخيرة: السلفيون يفرضون على زمن ما بعد الثورة، وعلى أزهر ما بعد الميدان، وعلى مصر ما بعد مبارك... يفرضون عليهم جميعاً قانوناً جديداً للأحوال الشخصية أكثر خضوعاً لمفاهيم الدين والشريعة والحرفية. السلفيون الذين لم يكونوا بين شبان الجدران في الميدان، والسلفيون الذين لم يسقطوا بسواطير البلطجية، والسلفيون الذين يغنّون للثورة ولم يهزجوا للتغيير ولم يرقصوا في عرس الفجر المصري الجديد، السلفيون أنفسهم فرضوا إلغاء القانون السابق، وبدء الإعداد لقانون جديد، يكون أكثر «حنبلية» في تطبيق الشريعة على حياة الشخص الإنساني، وعلى حياة المواطن المصري، في كل ما يتعلق بمسائل لصيقة الانبثاق بضميره الشخصي الحر، وبحقوقه الأصيلة وبكرامته الإنسانية الثابتة وغير القابلة للتنازل.
والمصادفة المفارقة في الحدث، أن القانون السابق الذي «يثور» ضده السلفيون معروف باسم قانون سوزان مبارك، فيما كانت سيدة مصر الأولى السابقة تخضع للمحاكمة على أيدي عسكر النظام الجديد ـــــ القديم. كأنما حدث الميدان التاريخي قد تحول في أسابيع إلى عملية تقاسم لتركة السلطة البائدة، لا غير ولا أكثر. تماماً وفق مقولة «حالكم في الجاهلية كحالكم في الإسلام»، أو أسوأ منها، أو أسوأ ممّا كان.
أين الكارثة في ذلك؟ أولاً أن تنحر ثورة رائعة بهذا الشكل. ثانياً، أن يسير الزمن المصري والمشرقي القهقرى، من قرون وسطى إلى قرون أسبق. ثالثاً والأهم، أن تكون الاستراتيجية الأساسية للمحافظين الجدد في جوهر فكرهم، قد نجحت، أو كادت تفعل. فمنذ سقوط جدار برلين، قيل في واشنطن إن «عدوّنا» السابق قد انهار نتيجة سياستنا الحِصارية عبر «الاحتواء المزدوج» لحدوده. وهي النظرية التي أسّست لمشروعي «مارشال» في غربي موسكو، و«منظمة المؤتمر الإسلامي» شرقيّها، بحيث يوضع المارد الأحمر بين فكي كماشة الليبرالية المسيحية في أوروبا الغربية، والأصولية الإسلامية في آسيا، حتى يختنق ويسقط. وبعد سقوط جدار برلين، قيل في واشنطن أيضاً إن «عدوّنا» الجديد ـــــ أي الإسلام الحركي السياسي ـــــ يجب أن يحاصَر وأن يعدَّ لانهياره. لكنه عدوّ من النوع الذي بلا حدود. وبالتالي، فأي احتواء مزدوج له لا يمكن أن يكون من خارجه، بل من الداخل. هكذا ولدت نظرية تفجير الإسلام ذاتياً، بصاعق أصوليته لا غير، وعلى خطّي تناقضه: خط الصراع المذهبي بين السنّة والشيعة، وخط الصراع العرقي بين عربي وغير عربي، ضمن إمبراطورية المارد المستيقظ من عتمة التاريخ. وقيل في واشنطن كذلك إن تلك النظرية كانت المكتوب المستور خلف كل الحروب الأميركية غير المفهومة للبعض، من كابول إلى بغداد، ومن استعداء طهران إلى دفع الاقتداء باسطنبول.
بعيد 25 يناير، بدا للجميع أن ثمة خياراً آخرَ لأناس هذه المنطقة. خيار أكثر إنسانية وعصرنة وحداثة وآنية واستقبالاً لزمن الما بعد، قبل أن يعود أهل الظلمة والظلم لخنقه، وقبل أن يغطّوا فعلتهم بمحاكمة أشخاص وتأبيد نظام. الذين يدركون سر حركة التاريخ، يخشون اليوم أن يفيق مصري في يوم قريب، مترحّماً على حسني مبارك.

الجمعة، 13 مايو 2011

موقعة السيّد وصفعة المطران بقلم نصري الصايغ / السفير



المطران غريغوار حدّاد
السيّد هاني فحص

لم يكن  لديه ما يدافع به عن نفسه. رجل دين، يتقن الصمت والعزلة والتأمل. إذا نطق همس، وإذا مشى خلته ظلاً خفيفاً، وإذا صلّى، التهم الفقراء كلامه كالخبز.

لم يكن لديه ما يدافع به عن جسده، عندما أقدم واحد من رعاع الدين واعتدى عليه، وهو يهمّ بدخول ستديوهات «تيلي لوميير».

هو رجل دين، يدعى المطران غريغوار حداد، الذي أفضت به جرأته على الاختلاف، وتشبثه بالمحرومين، إلى ترك سدّة المطرانية، بكل ما فيها ومن فيها... يوم ضاقت الكنيسة عليه، خرج إلى الله، فتعرّف عليه المساكين، وعقد عهده الكهنوتي على خدمة الناس. فالله، أكثر كثافة وحضوراً مع الفقراء. المكان الأكثر قداسة، هو الإنسان.
هذا الرجل، اعتدى عليه واحد «رعاعي»، ما ارتجفت يده. قبضته من تعصب وزغل. إيمانه لوثة تكفير. حاضنه عفن متراكم. وما يدافع عنه، عمى في العقل ورمد في الروح.
يومها... لم ينشق حجاب الهيكل... ولا خرجت مظاهرة استنكار. كأننا في وطن يليق فقط، بمن يدمّره ويُحتقر البشر فيه ويقيم للعهر صلواته وابتهالاته، سياسة ومروقاً في الأخلاق والقيم.
تذكرت هذه الحادثة، عندما علمت أن منزل السيد هاني فحص، وعائلته، تعرّضوا لقبضات الرعاع وعصيِّهم وغليظ قولهم. وتذكرت ان أوجه الشبه كثيرة. الأول اختلف معه أهل النفوذ والسطوة في دينه وطائفته، والثاني اختلف معه أهل الحظوة والمقام في مذهبه وسياساته.
وما تحرّك لنصرته غير قلة قليلة. علماً، ان الرجل عَلَمٌ بارز بين أعلام، سيّد في القلم وفي اللغة، ملتزم بالحرية إيماناً، وبالاختلاف نهجاً وبالاحترام سلوكاً. يقيم في أمكنته العصية على الآخرين، يكابد استقلالية، في أزمنة الاستتباع السهل. يعتزل، ولا ينعزل، يجتهد في التواصل، فبينه وبين الآخر، جسور بناها ومشاها، فكان محلّ قبول من الأبعدين والأبعدين، فلمَ تخلَّف الأقربون؟
تذكّرت الرجلين معاً، وشعرت أن انحطاطاً أصاب بلاداً ومؤسسات ومذاهب، إذ، لا يعقل، ان يصاب غريغوار حداد، ولا تثور براءة، ولا تصيح نخبة ولا يتحرك جيل. وإذ، لا يعقل، ان يعتدى على منزل السيد هاني فحص وآل بيته، ولا ترتج بيوت ولا تصدع أقوال ولا يندى جبين.
أنحن ما زلنا على شفير القيم؟ هل انحدرنا إلى أسفل السافلين؟ هل دخلنا الجاهلية الحديثة، حيث لفتوى القبائل سيادة على مقامات العقل والفضيلة والاحترام؟
لا مبالغة البتة، ان بلاداً يعتدى فيها على قديس علماني برتبة مطران ديني متحرر ومبدع وخلاق ومختلف، ويعتدى فيه أيضاً على سيد ديني ومدني له حضور مميز ومختلف، وخارج عن سياقات الالتحاق، ومتحصّن بحرية الرأي والمعتقد.. يخشى عليه من الظلامية السياسية، وهي أشدّ فتكاً، عندما تقترن بالظلامية المذهبية. 
ليس مسموحاً البتة أن ترتفع يد على مواطن عادي. نحن اليوم في زمن الثورة الديموقراطية العربية، في ربيع الحرية، في مرحلة أفول الدكتاتوريات المعتدية والسلطات السافلة. نحن اليوم، نستعيد كراماتنا كمواطنين، وطئتنا أنظمة الاستبداد وداست على حرياتنا ومعتقداتنا ومصالحنا وحقوقنا... فليس مسموحاً أن لا نقتدي بمن حوّل الساحات برلمانات شعبية، تحاسب السلطات وتدينها وتزيلها إن استطاعت، وليس مسموحاً كذلك، أن نستهين بأي إهانة لمواطن... شبعنا ظلماً وخوفاً ومهانة، غصباً عنا. وأن من لا زال يتجرأ على كرامات البشر، أن يكفّ يده ويصون لسانه ويرعوي.
إذا كانت إهانة مواطن عادي جريمة، فكيف الاعتداء على مقامات فكرية وثقافية ومدنية ودينية، جريمتها أنها ليست من «رفاق القطعان»؟
غريغوار حداد، المطران الأحمر. لم تطقه طائفته. رذلته. عزلته. فانتمى إلى بيت المسيح في قانا حيث كسر الخبز ورفع الكأس وبارك قائلاً: خذوا فكلوا... خذوا واشربوا.. ولكم تغذّت أجساد ولكم سكرت نفوس!
ولقد كان السيد هاني فحص، ولا زال، علامة صارخة في البرية اللبنانية، صاحب طريقة، لا يطلب من أحد أن يحتذيها، فلكل طريقته وخياراته. يتعاطى السياسة بحرفة المثقف، ويختار المواقع بمعرفته التامة للنواقص، كبيرها وصغيرها. السيد هاني، هل لهذا السبب، استحق العقاب نبذاً وغمزاً وحطاً فتجرأ الرعاع على استعمال القبضات؟ ماذا يضير المذاهب والطوائف إذا اختلف بعضها مع أكثرها؟ ألم تنته محاكم التفتيش؟ ألم نؤمن أن أمهاتنا ولدتنا أحراراً؟ أما بلغنا سن الرشد السياسي، حيث الخلاف يحلّ بالتي هي أحسن، وتعالوا إلى كلمة سواء... ولو على تباين وتعارض. فما نلتقي عليه، أبلغ مما نختلف فيه؟
سيُقال: المشكلة مشكلة عقار.
إن تصغير المشكلة إلى هذا الدرك، يدلّ على خبث. المشكلة أن القلوب المليانة، معبأة بغريزة الالتحاق. ولا يستوي عندهم من التحق ومن تحرر. تلك ضريبة الحرية. ولكنها ضريبة خسيسة.
أشد ما يؤلم، ظلمُ ذوي القربى.
وأبلغ ما يواسي، ان يشعر من أُلحق به ظلم، أنه ليس وحيداً. لا تتركوهما وحيدين

nsayeghassafir.com




مسيحيّو الشرق في مهبّ النيران العربيّة بقلم هيام القصيفي/ النهار


غياب المواكبة اللبنانية لأخطار التطورات
مسيحيو الشرق في مهبّ النيران العربية
القدّيس شربل


فيما يغرق لبنان في يوميات تأليف الحكومة، تنحو المنطقة العربية في اتجاه متغيرات جذرية تزداد خطورتها يومياً". ورغم ان الانتفاضات الشعبية التي اندلعت في تونس ومصر فاليمن وسوريا كانت متفلتة من بذور طائفية وانحصرت في المطالب التغييرية، سرعان ما فرضت الاحداث "اجندة" مختلفة في اتجاه استهداف الوجود المسيحي، ولا سيما مع بدء المراكز والاعلام المتخصص بث ملفات عن الوجود المسيحي في الشرق، او بالاحرى عن تاريخ هذا الوجود. 
فالحريق الذي التهم كنيسة امبابا، لم يكن العمل الاول الذي يستهدف الاقباط، والاحداث الطائفية في مصر ليست طارئة، وآخرها ما حدث في نهاية عهد الرئيس حسني مبارك، حين هوجمت كنيسة القديسين في الاسكندرية ليلة رأس السنة. لكن حجم الادانات العربية الاخيرة وفي مقدمها تلك الصادرة عن السعودية، والردود الغربية، ومقالات الكتاب والصحافيين العرب، تكاد تكون الاولى من نوعها. وهي تطرح اسئلة عن النار الكامنة في رماد الاحداث العربية، وتنذر بمخاوف جدية عن وضع مسيحيي الشرق.
ولا يمكن عزل الحدث المصري والعنف الطائفي، عن سلسلة احداث بدأت ولم تنتهِ في العراق، حيث دفع العراقيون اثمانا متفاوتة بسبب العنف الذي انفجر بقوة على ارضهم. إلا ان مسيحيي العراق دفعوا ثمنا كاملا قتلا وتهجيرا وتخليا عن وطنهم وممتلكاتهم، وذهبوا في اتجاه دول الاغتراب والمنفى القريب والبعيد الذي صار يضم آلاف العائلات العراقية المسيحية. وحين اعتدي على كنيسة الاسكندرية، حاول الفاتيكان ابداء موقفه لكن مصر سارعت حينها الى رفض التدخل في شؤونها الداخلية. وظل الواقع المصري المسيحي مضبوط الايقاع، الى ان وقعت العملية الاخيرة. وخطورة التطور المصري، رغم مشاركة الاقباط في الانتفاضة على مبارك، انه جزء من حلقات بدأت تطول مسيحيي سوريا ايضا.
وتفيد معلومات موثوق بها، ينقلها عدد من المسيحيين السوريين الآتين حديثا الى لبنان، ان عددا من القرى المسيحية في المناطق الريفية المحاذية لطرطوس وبانياس، تشهد ليليا اطلاق نار وعمليات ترهيب وتخويف يومي. وحتى الآن بدأت العائلات الميسورة من مسيحيي سوريا وتلك التي تربطها صلات قربى بعائلات لبناية، بالمجيء الى لبنان.
ويروي الآتون تجارب مقلقة تعيشها هذه المناطق، لاثارة النظام السوري مخاوف من تطورات تنعكس على البنية المسيحية في هذه المناطق التي تشكل جزءا من وادي النصارى. ودقة ما ينقل، هو انه بعيد عن الحملات الاعلامية لكلا الطرفين المتصارعين في سوريا. فالاعلام السوري ينقل الرواية الرسمية عن مكافحة "الارهابيين"، فيما الجهات المعارضة تنقل روايات ومشاهد متلفزة للمتظاهرين وقمع الامن السوري لهم. صحيح ان الطرفين يتحدثان عن سقوط قتلى من المعسكرين، الا ان كليهما ينأى بنفسه عن الخوض في حديث عن الصراع المذهبي والطائفي الذي تشهده سوريا، رغم ان العارفين بجغرافية سوريا وتقسيمها الاجتماعي يدركون خطورة المواجهات وحساسيتها، حين يكون الامر متعلقا ببانياس او حمص او درعا وادلب، او بعض الاحياء الدمشقية. ويروي زوار سوريا اخيرا ان بعض المؤشرات تعكس بجدية مناخا مقلقا من حدة مذهبية، ينال المسيحيون قسطا منها، ولا سيما ان النظام السوري لا ينفك يشعرهم بأنه وحده قادر على تأمين حماية لهم. 
وقد بدأت اصوات لبنانية مقربة من سوريا تتحدث في هذا المنحى، ضاغطة في اتجاه التحذير من مغبة تفريط العالم الغربي بالنظام السوري خدمة لمشروع اصولي يدفع المسيحيون ثمنه كما حصل في فلسطين، ومن ثم العراق، ومصر اخيرا.
اما في لبنان، فثمة تساؤلات جدية عشية التحضير للقمة الروحية، وبعيدا عن شعارات "حوار الاديان واهمية مسيحيي الشرق"، عن امكان مواكبة لبنان عموما، ومسيحيا خصوصا، لحجم المتغيرات التي تعصف بالدول العربية التي تتغير انظمتها من دون ان يتغير استهداف المسيحيين فيها. وقياسا على التجربة اللبنانية مع المهاجرين العراقيين، التي انحصرت في حفلات ترفيهية لاطفال العائلات العراقية يوم عيد الميلاد، تدور في كواليس المتابعين هواجس حقيقية تبدو القوى المسيحية غائبة عنها. ولا تزال تتعامل مع ما يرسم لمسيحيي الشرق، بأقل مما هو مطلوب، فلا خطة عمل، ولا مواكبة جذرية على المستوى الديني او السياسي، لإمكان حدوث متحولات اكثر حدة، ليس على صعيد الهجرة المسيحية فحسب الى لبنان، انما في التفكير عاليا بما يمكن ان يكون عليه لبنان ومسيحيوه في خضم التحولات. وهذا امر تفتقده قاعة بكركي ومقر قرنة شهوان، فيما السياسيون غارقون في التفتيش عن جنس الملائكة لتولي الحقائب الوزارية. 
هيام القصيفي      


الأربعاء، 6 أبريل 2011

تلّة مار مطانيوس الحدث تعود إلى أهلها/ بيار عطاالله



في الحدت "أرضك هي عرضك"

تلة مار مطانيوس تعود إلى أهلها


من الحدت هذه الايام يفاجأ بالعدد الكبير من اللوحات الاعلانية المرفوعة عند كل ناصية طريق، والتي تدعو الاهالي وبـ"العربي المشبرح" الى عدم بيع اراضيهم وبيوتهم، وفيها: "ما تبيع بيتك وارضك البلدية ما بتوقعلك". وتوقيع البلدية يعني الكثير، فمن دون موافقتها على المعاملات وافادة المحتويات لا يمكن انجاز اي عملية بيع او شراء اراض. ومسألة بيع الاراضي في الحدت مصيرية وحساسة جداً بعدما بيع ثلث المنطقة في ازمنة سابقة، ولم يتبق للاهالي سوى بيوتهم والقليل من حدائقهم تذكرهم بانهم في ارضهم وبين ذكرياتهم.

وفي هذا الاطار اثار الكلام على بيع تلة مار مطانيوس الاستراتيجية شمال الحدت، ضجة كبيرة في المنطقة لما تشكله البلدة من واسطة العقد وركيزة الحضور المسيحي في ساحل المتن الجنوبي، وصعوداً الى قضاءي بعبدا وعاليه. ووجه الخطورة في ما جرى ان مساحة العقارات في تلة مار مطانيوس (40 دونماً) يمكن ان تحدث فارقاً نهائياً وتحولاً ديموغرافياً وجغرافياً لمرة واحدة ونهائية. وشرح رئيس بلدية الحدت جورج عون لـ"النهار"، ان صفقة بيع التلة جرت قبل انتخاب المجلس البلدي الحالي وتوليه مسؤولياته بشهرين. ويبرز اوراق معاملات الصفقة التي تظهر انها تمت بموجب وكالات من السيد ب. ن. الى مجموعة من الاشخاص في 24 آذار 2010. لكن البيع بموجب وكالات لا يكفي بل يحتاج الامر الى التسجيل في الدوائر العقارية، وهذا ما شرع البائعون والشارون في العمل على تحقيقه خلال صيف 2010. 
وتغيرت الامور مع انتخاب البلدية الجديدة، ووضع قضية بيع الاراضي في سلم الاولويات. ويشير عون، الى ان البلدية السابقة برئاسة انطوان كرم لم تنبس بكلمة عن بيع التلة ولا غيرها في منطقة الوروار وسواها. وعندما فشل مشترو تلة مار مطانيوس الجدد في الحصول على افادة من البلدية لتسجيل العقارات المبيعة، تولى امين السجل العقاري في بعبدا تسجيل العقارات المذكورة على اسم المشترين باجتهاد شخصي، واستبدل افادة البلدية بضم "محضر فني عن معاملة اظهار حدود". فعمدت البلدية الى توجيه انذار له مع نسخة الى المدير العام للشؤون العقارية في وزارة المال بشارة قرقفي حملته فيه المسؤولية القانونية عن المخالفة المرتكبة، في مراسلة يبرز عون نسخة منها(...).
يؤكد الاهالي ان تلة مار مطانيوس كانت موضوع درس وعناية وتخطيط من المجلس البلدي وكل المهتمين بتطوير منطقة بعبدا، وانها تشكل المتنفس البيئي الوحيد لمنطقة الحدت وجوارها لما تحتويه من كروم زيتون واشجار صنوبر. لذا بادر المجلس البلدي المنتخب في اولى جلساته في 23 آب 2010 الى اصدار القرار رقم 153 م. ب. الذي قضى باستملاك العقارات التي تشكل تلة مار مطانيوس من اجل تنفيذ مشاريع ذات منفعة عامة، منها انشاء مساكن شعبية للاهالي والشباب المتزوجين وحدائق عامة وملاعب للاطفال وملاعب رياضية وموقف عمومي للسيارات، الى مجمع بلدي للخدمات الصحية والاجتماعية وبيت راحة ومأوى للعجزة بالتعاون مع الوزارات والمؤسسات المعنية، واجتازت الدراسات شوطاً بعيداً نحو انجازها.
والاحد الفائت تولى اكثر من 12 كاهناً في رعايا الحدت من موارنة وروم ارثوذكس وروم كاثوليك وانجيليين واشوريين الوعظ عن اهمية الارض وعدم التخلي عنها، سواء ببيعها او بهجرها.

كتب بيار عطاالله     

السبت، 2 أبريل 2011

الموارنة بقلم سجعان قزّي نائب رئيس حزب الكتائب



مـوارنـة وجـيـش ونـظـام

سجعان القزي
نـائب رئيس حزب الـكتائب اللبنانية

مجلة المسيرة في 27 شباط 2011

أنذكرُ؟ أتذكرون ذاك الدورَ الرائد والطليعي لموارنة لبنان؟ إن تذكَّرناه فلـنُـحْـيه، وإن نسيناه فلنصنـعْـه. في ما مضى، عواملُ متعدِّدة صنعت الدورَ السياسيَّ الأولَ للموارنةِ في لبنان، وأبرزها:
·  أولاً: شعَر الموارنةُ أن جبلَ لبنان هو ملاذُهم، وأن تضاريسَه الجغرافيةَ تشكل بحدِّ ذاتها استراتيجيةً دفاعيةً تحميهم. فأنشأوا فيه بُناهم التحتية ومؤسساتهم الروحية، وجعلوه قاعدةَ وجودِهم ومَـقـرَّ بطريركيتهم ومنطلَق إشعاعِهم. هكذا ابتدع الموارنةُ اللبنانيون معادلةً تكاملية بين التعلُّقِ بالأرض والإيمانِ بالدين، حتى بات الفصلُ بين جبل لبنان والموارنة انتهاكاً لخصوصيتهم وتعدياً على أمنهم وحريتهم ودينهم. ولو لم يتمسك الموارنة بهذه المعادلةِ منذ أواسط القرن السادس، لما نجحوا في تأسيس دولة لبنان الكبير في أوائل القرن العشرين.
·  ثانياً: تخطّى الموارنةُ النزاعَ مع الفتوحات الإسلامية، فحافظوا، رغم اضطهادهم، على انتمائِهم المشرقي الآرامي السرياني اللبناني. وإذ واصلوا خِدمةَ محيطِهم العربي والتجذُّرَ في الشرق، أقاموا علاقاتٍ لاهوتيةً وسياسية وأمنية بالغرب. وبعيداً عن المزايدات، وفّرت العلاقةُ بالغربِ المسيحيِّ حمايةً كِيانية للموارنة عبر تاريخهم القديم والحديث. وبالمناسبة، إن مسيحيّي الغرب هم على دينِ الشرق وليس مسيحيو الشرق من هم على دين الغرب. وما الفاتيكان سوى المقرِّ التاريخي البديل عن أورشليم، المقرِّ التاريخي الأصيل.
·  ثالثاً: اعتمد الموارنةُ نمطَ حياةٍ ارتكز على النقاوةِ الروحية وسياسةِ الإنجاب والانتشارِ الداخلي والعلم. النقاوةُ جعلتهم مثالاً وقدوة، الإنجاب وفّر لهم الأرجحيةَ العددية، الانتشاُرُ وسّع انتماءهم إلى كل لبنان، والعلم أهّـلَهم ليكونوا روَّادَ النهضةِ اللبنانية والعربية.
·  رابعاًً: نَـقَـل الموارنة إلى لبنان مفهومَ "الدولة ـ الأمة" بدل "الأمة الدولة". فالأولى رسَت على القانونِ وحقوقِ الإنسان وحقِّ الشعوب بتقرير مصيرها؛ والثانيةُ على الفتوحاتِ العسكرية ونُكرانِ الآخر ونَـبْـذِ المساواة بين المواطنين. وبَدت الدولة اللبنانية سنةَ 1920، التي رعى الفرنسيون والموارنة تنظيمَها، أوّلَ نَموذجٍ شرقيٍّ وعربي وآسيوي لدولة القانون. هذا يعني أن الميثاق الوطني الذي "أُقِـرَّ" سنةَ 1943، اصطفاه الموارنةُ لدى إنشاءِ دولة لبنان التي وحَّدت ديمقراطياً وتدريجاً حوالي عشرين طائفة مسيحية وإسلامية ويهودية. وحده هذا الإنجاز التاريخي والإنساني والاجتماعي، يكفي لأن يعترف باقي اللبنانيين للموارنة بدورٍ وطني خاص ورائد بِغضِّ النظر عن جداول العدد. فلو لم يُنشِئ الموارنة الدولةَ اللبنانية المستقلة، لما كان يوجد اليوم "مسلمون لبنانيون"، إذ كانت الدولة العربية الكبرى ضمَّتهم إليها وأعطتهم جنسيتها.
·  خامساً: التزمَ الموارنةُ مبدأ الصمود والصبر، والتموضعَ في مسيرةِ التاريخ لا في حركية "الواقع الآني". ساعدتهم هذه الاستراتيجية، المستقاةُ من روح الإنجيل، على تجاوز الصعوباتِ المرحلية والإيمان بالقيامة الوطنية أيضاً. وقد سعى الشعب الماروني المقاوِم دوماً إلى عدم التورّط، بالمقابل، بمغامراتٍ عسكرية انتحارية ضد أي قوة احتلال من زمن البيزنطيين والخلفاء الراشدين حتى العثمانيين. لكن ذلك لم يَردع الموارنةَ عن الاقتتال في ما بينهم على السلطة، وأي سلطة؟!

اليوم سقط مفهوم المـحَمـيَّـة الجغرافية الطبيعية، وضعُـفَت حماية الغرب لأقليات الشرق، وتغيّر نمط حياة الموارنة. بات صعباً على المارونية السياسية أن تحيا من دون مارونيةٍ أخلاقية، وصار قادةٌ موارنةٌ يريدون الهيمنةَ على الموارنةِ وسائر المسيحيين تعويضاً عن عجزِهم عن السيطرةِ على البلاد، فوقعوا في تجربةِ الغرورِ والشخْصَنة والنرجسيّـة والخِداع والعَجرفة والعنجهية والتفرّد والجهل وانفِصامِ الشخصية، فسيطرَ النَـزَقُ على قراراتِ بعضهم والـنَـزوةُ على خِياراتهم.
لم نضع، كموارنة، استراتيجيةَ حمايةٍ ذاتية. راهـنَّـا على الدولة فخَذلَتنا. ولما حاولنا استلحاقَ الأمر وانتظَمْنا في مقاومةٍ عسكرية دفاعاً عن حياتنا ومنعاً لإبادتنا، اُتهمنا زوراً بالتقسيم، ونحن صانِعوا الوحدة اللبنانية. خَجِلنا من تهمةِ الزور، أُحْرجنا، احْـمَرَّت خُدودُنا، وسلَّمنا سلاحَنا علَّ دولةً تقوم وتحمي الجميع، فقامت. قامت دولةٌ تضطهد المسيحيين وتَـقمع شبابهم وتَسجن قادتهم وتنفيهم. لو كان السلاح لا يزال معنا، أو لو كانت الدولةُ قويةً، أكان يجرؤ أحدٌ على رفعِ رأسِه وصوته وإصبعه بوجهنا؟

أظن أن الوقتَ حان لأن يُفكر الموارنةُ بشجاعة بمستقبلهم في لبنان والشرق: كيان 1920 غَرِق تحت موجِ العَدد، وصيغةُ 1943 سقطت تحت سيوفِ الأصولـيّـات بعد أن نزَفت تحت بنودِ اتفاق الطائف. حين كانت لدينا دولةٌ لم يعترف المسلمون بالوطن، وحين اعترفوا بالوطن وَجدنا الدولةَ تودِّع الموارنة. حين كان لدينا دستورٌ عَلماني متوازن يَسمح لللبنانيين أن يحكموا أنفسهَم من دون وصاية، بَحثنا عن وصاية، وحين طاب لنا طَعمُ الاستقلال وَجدنا دستوراً مُـمَـذْهَباً مُختلاً يستدعي وجودَ وصيٍّ ما.
الموارنة اليوم مُهدَّدون بقِلة العدد، بأنانيةِ سياسيِّيهم، بشَحِّ الموارِد المالية، بتَرنُّحِ دورِهم في الدولة، بانحسارِ انتشارِهم في لبنان، بضعفِ الدور الاجتماعي للكنيسة، بالأصوليةِ الإسلامية على أنواعها، بمشروعِ ولاية الفقيه، باختلافِ أنماط الحياة بين المكوّنات المجتمعية، بالتوطين الفِلسطيني، بوجود إسرائيل، بالهيمنة السورية، وبامتداد الثورات التائهة. ويشعُر الموارنةُ أن عليهم أن يختاروا بين ذِمـيّـةٍ داخلية أو وصايةٍ عربية أو حماية دولية، فيما المشروع المسيحي التاريخي هو نقيضُ الحالاتِ الثلاث. إنه يرتكز على وجودٍ مسيحي حر، في مجتمع تعدّدي، متكاملٍ وفي دولة مستقلة. فلا وجودُنا حرّ، ولا التعددية تكاملية ولا الدولة مستقلة.

لا نفضِّل إنشاءَ أمنٍ ذاتي. وليس لدينا ثقةٌ بقدرةِ المؤسساتِ العسكريةِ الشرعية على حمايتنا. إننا نثق بالجيش، لكن نراه لا يملك حريةَ التدخّلِ لوضع حدٍّ لفتنة داخلية. وذلك بحكم صيغتِه، وبفعل جدليةِ التناقضِ في السلطة السياسية الآمرة، وبسبب ملابسات إعادة تكوينه في التسعينات. هذا الشعور ليس تحليلاً أو هاجساً خيالياً، بل هو مبني على تجاربَ امتدت طَوال ستين عاماً: منذ سنة 1952 حتى 7 أيار 2008 مروراً بسنوات 1958 و 1973 و 1975، مع التوقّف عند حربِ الجبل وسقوطِ بيروت الغربية سنةَ 1984.
لو كان جيشُ بلادي قادراً على الحسم، لما أتت القوّات الأميركية سنةَ 1958 والسوريةُ سنةَ 1976 والدوليةُ سنتي 1978 و 2006 والمتعددةُ الجنسيات سنة 1982. لو كان جيش بلادي قادراً على الحسم، لما تفاقمت الحربُ بين اللبنانيين أنفسهم، وبين اللبنانيين والفلسطينيين، ولما فاضت دماء. خلافاً لواقع اليوم، كان جيشُ بلادي في السبعينات أقوى من كل الأطراف مجتمِعين. ولو تَوفَّر له القرارُ السياسي آنذاك لتمكَّن الجيش، ربما، من وأدِ الحرب ـ المؤامرة في مهدِها. لكن الانقسامَ الطائفي في الحكمِ وتدخّلَ قوى خارجية مثل سوريا والسعودية وغيرهِما، كما حصل في أيار سنة 1973، وإسرائيل في خريف سنة 1983، منعا الجيش اللبناني من الحسم.
قيادة الجيش بريئة من هذا الضعف. تشعُر، مثلنا، بالقهر والغبن. لا الوطنيةُ تَنقُصها ولا الشجاعة ولا الإرادة. لكن ضعفَ السلطة السياسية هو الذي يَجني على الجيش. إنها أزمةُ نظام لا أزمةُ جيش. والاستثناء الذي حصل في معركة مخيم نهر البارد سنة 2007، يؤكد هذا الواقع. فما كان الجيش ليخوضَ تلك المعركةَ البطولية ويحسمَها، بما تيسَّر له من سلاح، إلا لأن السلطةَ السياسية كانت موافِقةً والقيادةُ السُنية مقتنعة بالأمر.
هذا الواقع يجب أن يدفعَ بقيادةِ الجيش إلى رفع شكوى للقيادةِ السياسية مَفادها: أننا كمؤسسة عسكرية لا نقبل بأن نبنيَ جيشاً لا يحمي الناس، ولا نقبل التشكيكَ بدورنا ولا بتعطيله. نريد صيغةَ حكمٍ تؤمِّن للجيشِ قدرةَ التدخل. لا نقبل بعد اليوم ألّا نلبيَ حاجة المواطن إلى السلام. لا نقبل أن نخـيِّب أمل المواطن بنا. الشعب يحب جيشه لكنه تلوّع من "حياديته السلبية" إبّـان المحنِ السابقة. لذا، نرفض، كقيادة، استمرارَ أزمةِ المعاناة في الجيش وأزمةِ الثقة بينه وبين الشعب. نريد أن نكون عند حسن ظن الشعب. فنحن جيشُ شعبٍ ودولة، لا جيش طوائف وأحزاب ومناطق.

إن كنا كموارنةٍ نطرح هذه الإشكالية، فلإننا، مع سائر المسيحيين، مُهدَّدون أكثر من غيرنا بوجودنا وأمننا وحريتنا ودورنا الوطني، ولأننا عُـزَّلُ إلا من الإيمان والشجاعة والعزم على البقاء هنا.
لن نَهابُ الدعوةَ إلى تغييرِ هيكلية النظام المركزي للاتجاه نحو حالة دستورية أخرى تؤمِّن للمسيحيين ولسائرِ اللبنانيين مستقبلاً تَحدّه الحريةُ والأمن والاستقرار، لا الحروب والفتن والاضطراب الدائم. نريد أن نبقى هنا نُرى بالعين المجرَّدة ـ بكل المعاني ـ لا بالمِجْهر.
الموارنةُ اليوم، وهم يُحدِّقون بحاضرةِ الفاتيكان، حيث رُفع الستارُ عن تمثالِ شفيعهم مار مارون، يَرَون لبنانَ "صَفْدة" فارغةً من لؤلؤتها، وشجرةً من دون ثمارها، ووطناً من دون رسالته، ودولةً من دون هيبتها، وشرعيةً من دون قرارها، وقادةً من دون وِحدتهم، ومجتمعاً من دون رُقـيِّـه، وأجيالاً من دون آفاق. لكنهم مصممون على مواجهة هذه المرحلة مهما كبرت الصعاب. نحن لسنا أتباعَ من قال: بإيمانكم تنقلون البندقية من كتف إلى كتف، بل أتباعُ من قال: بإيمانكم تنقلون الجبال. سننقل الجبال إلا جبلَ لبنان.

الثلاثاء، 29 مارس 2011

هل مار مارون مارونيّ بقلم هالة حمصي / النهار


هل مار مارون ماروني؟ السؤال قد يثير شيئا من الاستغراب، او ضحك البعض، لكنه من دون شك يفتح صفحات لوجه "راهب ناسك" كان "فلاحا الهيا"، اشتهر في زمنه وبعده، لسيرة حياته واعماله والشفاءات التي قام بها، بما افضى الى تعارك اهل منطقته على جثمانه بعد موته، أَرَّخ له احد معاصري تلك الحقبة الزمنية.  
في الزمن الذي نشأ فيه مار مارون، كانت الحغرافيا السياسية للمنطقة التي عاش فيها، وتحديدا سوريا، مختلفة جدا عما هي عليه اليوم. "فسوريا الشمالية قسمت اداريا آنذاك ثلاثة اقسام: سوريا الاولى او الجوفاء وحاضرتها انطاكيا، سوريا الثانية او الطيبة وحاضرتها أفامية، وسوريا الثالثة او الفراتية وحاضرتها هيرابوليس او منبج. وتقع قورش، او قورس، المنطقة التي عاش فيها مارون، غرب سوريا الفراتية، وشمال سوريا الاولى، على نحو "مسيرة يومين" من انطاكيا الى الشمال الشرقي، وعلى نحو 70 كيلومترا من حلب الى الشمال الغربي. وكانت ارضا منبسطة في شكل واد فسيح تحيط بها جبال قليلة الارتفاع وقمم متتابعة لا تتجاوز علياها  800 متر...". 
ولمزيد من التوضيح، فان سوريا كانت تعني "المكان الذي كانوا يتكلمون فيه السريانية، وفي انطاكية كانوا يتكلمون اليونانية والسريانية"، يشرح الاستاذ في كلية التربية في الجامعة اللبنانية الدكتور في الآداب والعلوم الانسانية الخوري ناصر الجميل لـ"النهار". وما جذور اسم القديس مارون سوى انعكاس واضح لتلك البيئة التي عاش فيها. فـ"مارون اسم سرياني ورد بصيغة التصغير من مار، ومعناه السيّد"(1).
البحث في حياة مارون يصطدم بشح في المعلومات. فاول ذكر له ورد في رسالة بعث بها القديس يوحنا الذهبي الفم من منفاه في مدينة كوكوزا –ارمينيا نحو العام 404-405، الى "مارون الكاهن الناسك"، سائلا اياه ان يذكره في صلواته. وبعد نحو ربع قرن، جاءت شهادة اسقف قورش ثيودوريتوس(2) (423-458) لتشكل مرجعا اساسيا لتكوين صورة عن القديس. "زينة في خورس القديسين الإلهيين، معلم نساك القورشية وابوهم، الزارع لله في جوار قورش..." بهذه التعابير وغيرها وصفه، واخبر عن ميزاته ومواهبه الروحية والشفائية الالهية. 
ماذا يعرف عنه ايضا؟ 
- يرجح انه ولد في منتصف القرن الرابع، نحو العام 350. ولا شيء مذكور عن والديه او اخوته، او نشأته وتعليمه. "لا نعرف اي شيء عن عائلته، وما اذا كان تعلم في الجامعات الانطاكية آنذاك. كل ما نعرف عنه انه كان راهبا ناسكا. وتحديد الراهب هو الساعي نحو الكمال المسيحي"، يقول الجميل.
- يختلف المؤرخون حول منشأ مارون، بين قائلين انه ولد في قورش- لا في جوار انطاكيا- وانه مات فيها، وفقا للاب لامنس، بينما يعتقد آخرون ان ولادته كانت في زبد، في جوار معرة النعمان في سوريا او في قنسرين (دراسة تاريخية للاب بطرس ضو).
- اتخذ مارون له، وفقا لثيودوريتوس، "رابية... حيث كان هيكل للشياطين، فحوّل ما فيه الى عبادة الله، ثم ابتنى لنفسه صومعة حقيرة يلجأ اليها في ظروف نادرة". غير ان كلام ثيودوريتوس افتقر الى معلومات جغرافية دقيقة، فلم يحدد في اي جزء من قورش تنسك مارون، ولا اي رابية اختارها لصومعته.
- يختلف ايضا المؤرخون حول المكان الذي تنسك فيه مارون: الاب لامنس حدده بانه "كان على احدى تلك القمم في منطقة قورش، وتحديدا في الجبال المتسلسلة جنوب شرق قورش على طريق حلب". غير ان المطران بطرس ديب يجعل المنسك على "جبل في منطقة افامية في سورية الثانية". وثمة مؤرخون يقولون ايضا ان "مكان منسكه يدعى اليوم جبل سمعان، وآخرون يشيرون الى منطقة قريبة منه تدعى البارسا - داغ، وكانت تحوي تلالا يدعى القسم الاكبر منها جبال نابو"(3).
- توفي مارون العام 410، قبل 13 عاما من تولي ثيودوريتوس (393) اسقفية قورش. ويكتب الاسقف ان مارون توفي، "بعدما انتابه مرض بسيط اودى بحياته". ويشير الى قيام "نزاع شديد بين القرى المجاورة رغبة في الاستيلاء على جثمانه. وكانت على الحدود بلدة كثيرة الرجال اقبلت باسرها وبددت الآخرين وانتزعت منهم ذلك الكنز المرغوب فيه، فشيدوا له عندهم مقاما فخما... وهم منذ ذلك الوقت يكرمون هذا المظفر العظيم بمهرجان شعبي". وتلك البلدة كانت براد الواقعة جنوب قورش.  
مكرَّم الكنيسة الجامعة
 في توصيف اضافي، "كان مار مارون من الامبراطورية البيزنطية الشرقية التي عاصمتها بيزنطيا... كان من كنيسة انطاكيا"، يقول الجميل. واذا كانت السريانية اللغة المتداولة في زمنه، فان الطقوس الكنسية التي مارسها كانت "طقوسا كنسية انطاكية، تقليدا انطاكيا مشتركا. ويمكن ايجادها اليوم عند السريان والروم الكاثوليك والموارنة والروم الارثوذكس، الذين هم جميعا انطاكيون. ففي فلسفة الطقس، اكان بيزنطيا ام سريانيا، كانت هيكليته عينها، مع بعض الطعم المميز لكل مجموعة، اكان في القداس ام الرتب ام الصلوات"، يشرح.
امر آخر يميز شخص القديس مارون، ويجمع حوله مختلف الكنائس الانطاكية، لاسيما في السؤال عن انتمائه الكنسي والروحي: هل كان ارثوذكسيا ام سريانيا ام مارونيا ام كاثوليكيا؟... والتأكيد الماروني في هذا المجال ان "مارون هو قديس الكنيسة الجامعة، اذ لم تكن الانشقاقات الكبرى في الكنيسة حصلت بعد على ايامه. انه مكرم لدى كنيسة انطاكية، وهو من التقليد المشترك لكنائس انطاكيا"، يقول الجميل. ويذهب الى ابعد، الى القول "ان مارون لم تكن له حتى علاقة بتأسيس الكنيسة المارونية، اذ من بعده جاء تلاميذه ورهبان اتخذوا منه قدوة وعاشوا على طريقته، وسمّوا انفسهم "رهبان بيت مارون"، واسسوا ادياراً كثيرة حملت اسمه". الكنيسة المارونية تحتفل بعيد "ابيها" في 9 شباط من كل سنة.
وحتى موقف الكنيسة الارثوذكسية الانطاكية، التي تعيّد لتذكار القديس مارون في 14 شباط من كل سنة، واضح. "مرجعها الوحيد" لسيرة مار مارون، وفقا لسنكسار "كتاب سير القديسين" الكنيسة الأرثوذكسية للارشمندريت توما بيطار، هو ايضا ثيودوريتوس اسقف قورش. وصفة "القديس الجامع للكل" ترسو عليه بامتياز.  يقول المدرّس في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي – جامعة البلمند الأب بسام ناصيف ان "مارون ينتمي الى الكنيسة الجامعة، وليس حكراً على جماعة مسيحية من دون اخرى، اذ توفي قبل زمن الانشقاقات الكبرى في الكنيسة. وهو ابن هذه المنطقة التي تضمها كنيسة انطاكية وسائر المشرق".
والتكريم الذي تخص به الكنيسة الارثوذكسية مار مارون خاص، "وتمدحه في صلواتها"، على قول ناصيف، "مرتلة له الطروبارية الآتية: "لقد أذبلتَ تلذُّذ الجسد، بما يطابقُ اسمكَ يا مارونُ المتوشِّحُ بالله، فظهرتَ إناءً مصطفى للروح. فأنت توزِّعُ للجميع مواهبَ شفاءِ الأجساد والنفوس. لذلك نكرِّمُ تذكاركَ الشريف، هاتفين: المجدُ لمن وهبكَ القوَّة، المجد للذي توَّجكَ، المجدُ للفاعلِ بكَ الأشفية للجميع".

(1) كتاب "مار مارون" – فؤاد افرام البستاني - دار المشرق.
(2) كتاب "تاريخ اصفياء الله".
(3) "ناسك القورشية" - الخوري انطوان الدويهي - المكتبة البولسية

الاثنين، 21 مارس 2011

عن بكركي والبطريرك الراعي بقلم هيام القصيفي/ النهار

بكركي في مرحلة تاريخية لرسم دورها الوطني مع البطريرك بشارة الراعي

تحديات التنظيم ودور الانتشار الماروني والتزام الشرعة والمجمع الأخير



لا تعكس السكينة التي خلدت اليها بكركي بعد احتفالية انتخاب البطريرك الجديد مار بشارة بطرس الراعي، واقع الحال الذي تعيشه الكنيسة المارونية هذه الايام. ولم تلغ الاحتفالات الاسئلة التي تدور في اروقة الكنيسة علمانيين واكليروسا عن دور بكركي الجديد في ظل التحديات والانتظارات التي يصبو اليها الموارنة. ولعل اعلان خليفة البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، وفي حضوره، انه سيزور سوريا، كان اول الاجوبة عن الاسئلة السياسية،  لكنه ليس حكما خاتمة الاجوبة عن سلسلة من الاسئلة الوطنية والكنسية، وورشة العمل الجديدة لاستكمال تنظيم الكنيسة المارونية.

 والاعلان عن زيارة سوريا وضع حدا للتساؤلات عن الدور الذي رسمه الكرسي الرسولي لبكركي عبر سفيره في لبنان بعد 25 عاما من الاستقلالية ومن ارتفاع شأنها على يد صفير كنسيا ووطنيا، واي مثال يريده الفاتيكان لمسيحيي لبنان، بعدما حافظ عليهم وسط تشرذم مسيحيي الشرق وخضوعهم لسطاتهم المدنية كما في سوريا. وينقل احد المسؤولين السياسيين الذي يلتقي دوريا السفير البابوي في لبنان غبريالي كاتشا والدوائر الفاتيكانية انه يفاجأ دوما بالاشادات التي يغدقها هؤلاء على وضع مسيحيي سوريا مقارنة مع وضعهم في العالم العربي، ولبنان من ضمنه.

والمفارقة ان تكون السياسة هي التي تناولت موقع الراعي وبكركي المستقبلي لا التحديات الكنسية،  بعد سؤال اولي تداولته الصالونات الشعبية والسياسية، هل الراعي مع قوى 14 او 8 آذار؟ وهل هو مع العماد ميشال عون او مع الدكتور سمير جعجع؟ وهل المشهد "الاحتفالي" الذي دفع بالرئيس نبيه بري والحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث وسفير سوريا في لبنان الى زيارة بكركي، كان سيكون نفسه لو انتخب المطران يوسف بشارة بطريركا، على ما دلت عملية البوانتاج الاخيرة عشية التفاهم – او الارادة الفاتيكانية، او كما يحب مؤيدو الراعي تسميتها ارادة الروح القدس؟.
 والاسئلة السياسية مشروعة بعدما شعر فريق سياسي بانه "انتصر" بمجرد ان قدم "بطريرك الاستقلال" استقالته، ورفع السفير البابوي تزكية لتقرير سبق لسلفه ان رفعه، مفضلا ابعاد احد المطارنة الاقوياء لانتمائه الى خط صفير نفسه، على ما يؤكد احد زوار الفاتيكان الذين قرأوا التقرير.
لا شك في ان التحديات الكبيرة التي وضعها الراعي لنفسه سياسيا ستكون كبيرة. وقد اكدت مصادر كنسية رفيعة  لـ"النهار" ان الراعي تعهد قبل انتخابه تنفيذ مقررات المجمع الماروني، ويعني بذلك الوثائق السياسية والاجتماعية والكنسية وكل بنودها. وهذا في ذاته التزام واضح لمسار سلفه صفير في السياسة العامة للكنيسة. لكنه ايضا تحد كبير،  لانه بحسب اوساط رهبانية قريبة منه، فان الدور الجديد الذي يفترض ان يضطلع به مبني على الارشاد الرسولي القائم على ان لبنان بلد الرسالة والحوار والنموذج اي الانفتاح والشراكة مع الآخرين في ظل التحديات التي تواجهه في محيطه، ولا سيما الاصولية . وزيارة سوريا في هذا الاطار تدخل ضمنا ضمن مشروع الحوار من اجل لبنان الذي يحلم به الفاتيكان. فصفير، وفق خبير في الشؤون الكنسية، لم يزر سوريا تماشيا مع معركة السيادة التي بدأها،  لكن الظروف اليوم مغايرة وسوريا لم تعد في لبنان وتحديات الراعي مختلفة في هذا الاطار. 
أما التحديات الكنسية فكثيرة، واهمها إعادة تهدئة النفوس الرهبانية، والتوفيق بين الدورين الرهباني والابرشي، واعادة التوازن والاستقرار الى الاكليروس الابرشي. فالفرحة التي عمت الرهبان الذين اموا بكركي بالعشرات بعد عملية الانتخاب،  لا تعكس فرحا بانتخاب راهب على كرسي انطاكية وحسب، انما ايضا ترسم مرحلة جديدة بعد "الاجحاف" الذي اختبره الرهبان في حقهم بابعادهم عن كرسي انطاكية لاكثر من مئة عام، وصولا الى تعزيز حصتهم في مجلس المطارنة الجديد الذي ينتخب ثمانية اعضاء منهم في حزيران المقبل. والثمانية المستقيلون بينهم سبعة مطارنة ابرشيين (المركز الثامن شغر بانتخاب الراعي)، والرهبان بدأوا يعدون العدة لتحقيق معادلة جديدة تقلب ميزان مجلس المطارنة الذي قال الراعي عنه انه ستكون له الكلمة الفصل في القضايا المصيرية، ليرتفع عدد المطارنة الرهبان على حساب حصة المطارنة الابرشيين.
والتحديات الاخرى كثيرة، منها استكمال اللائحة الطويلة من انجازات صفير، ومأسسة الكنيسة وتنظيم بكركي مؤسساتيا واحداث تغيير جوهري في عملها التنظيمي، بعيدا عن الاستهدافات، والتعامل مع الابرشيات بحيث لا تصبح جزيرة منفصلة عن الكنيسة الام.



متري: الكنيسة وتجديد نفسها 
يقول الوزير طارق متري الذي رافق مسيرة بكركي مع صفير الذي عرفه منذ عام 1977: "انظر الى دور البطريرك الجديد رئيساً للكنيسة المارونية قبل ان يكون صاحب اي دور آخر، ودوره الكنسي اهم من الادوار الاخرى. والكنيسة المارونية منذ قيام المدرسة المارونية في روما تواجه دوما مسؤولية تجديد نفسها، لمصلحة المسيحيين في العالم العربي. والمجمع الماروني صاغ توجهات الكنيسة وخططها للعمل بما يسمح لها بأن تجدد نفسها في خدمة الجميع. والبطريرك الماروني اضافة الى انه رأس الكنيسة، صاحب دور وطني، ولا يخفى على اي مؤرخ الدور الذي اضطلع به الموارنة بقيادة البطريرك الماروني في تكوين لبنان الذي نعرفه واعطائه عددا من الميزات، ولا سيما لجهة الحرية والحداثة تحديدا. وما يسمى الدور الوطني للبطريرك ينطلق من مسؤوليته للحفاظ على لبنان وميزاته. وبطاركة لبنان وعلى رأسهم صفير عملوا على الحفاظ على ميزاته ودرء أخطار تفتيته وانهياره، ولكن دوما بمنطق ميثاقي. ولم تكن مرة مواقفهم منعزلة عن جميع اللبنانيين مسيحيين ومسلمين. والحساسية الميثاقية وخصوصية لبنان طبعتا مسيرة البطاركة الكبار".

وهل المشهدية الاخيرة في بكركي لحلفاء سوريا في تهنئة الراعي واعلانه زيارة سوريا تشكل تغييرا في المشهد الذي يمكن ان تقدمه بكركي،  يجيب متري: "اعتقد ان ثمة مبالغة في تسييس المسائل وتفسيرها واعطاء مسائل صغيرة الأولوية. فالراعي اولا رئيس كنيسة ويكمل مسار البطاركة التاريخيين، اما الباقي فتفاصيل. فهو يمكن ان يزور سوريا متى يشاء. الموضوع لا يحتمل مبالغات في تفسير دلالاته. فدور بكركي الانفتاح واستقبال الزوار من كل المذاهب والاتجاهات، وهذا لم يكن يوما غريبا عليها. وهنا يجب  الا ننسى دور الموارنة وخصوصيته في لبنان والعالم العربي والنهضة العربية. وهم كان لديهم دوما دور عربي لا يتناقض مع لبنانيتهم. والبطريرك صفير وهو بطريرك المصالحة، كان حريصا على الا يكون دفاعه عن الموارنة فوق مصلحة لبنان. وهذه خصوصية البطاركة الكبار، واعتقد ان الراعي يفكر بالطريقة نفسها،  فالولاء للبنان لا يعني التقوقع والانعزال عن العالم العربي". 

ويختم متري مشدداً على ان الاشكالية كانت دوما بين "دور البطريرك في قيادة شعبه وان يقول كلمته وفق ما يرتئيه في الشان الوطني مثلا، وعلى الآخرين السير بتوجهاته لا ان يكون حكما بين الافرقاء ويعمل على تقريب وجهات النظر السياسية. وانا اؤيد النظرة الاولى لدور البطريرك".


ماضي: الانتشار وجمع الموارنة
أخذ الكلام على الانتشار الماروني حيزا كبيرا في حديث البطريرك الجديد، فيما جرى الحديث عن الدور الذي اضطلع به مطارنة الانتشار في ايصال الراعي الى السدة البطريركية.

يتحدث الرئيس العام لجمعية المرسلين اللبنانيين الاباتي ايلي ماضي الى "النهار" عن علامات الازمنة في اختيار البطريرك الجديد، وعن عمل الجمعية البطريركية "في الانتشار الماروني الذي ركز عليه الراعي في معظم احاديثه لاحياء الروح الرسولية" فنعمل جميعا، كل واحد في مجاله يدا واحدة لنجمع الموارنة تحت راية كنيستهم وبطريركهم وعيش الروحانية المارونية الانطاكية الشرقية، ونحافظ على وجودنا ومستقبلنا في البلد. كلنا نعرف ان للانتشار دورا كبيرا في الدعم الاقتصادي للبنان ففي كل عام تصل 8 مليارات دولار تحويلات الى العائلات اللبنانية". 

يعتبر ماضي ان "الحشود التي امت بكركي تشعر الراعي انه "يحمل حملا كبيرا، وليس امرا سهلا ان تؤم بكركي وفود شبابية وطالبية تحمله مسؤولية كبيرة يجب الا يستهين بها أحد. ونحن نصلي له كي يعطيه الله النعمة والقوة والحكمة. فهذه الوفود تقول له انت الخلاص. لان ذلك هو دور بكركي التاريخي،  ويشعر الناس بانهم ارتاحوا وتنفسوا".
وهل كان هؤلاء يشعرون ان ثمة مشكلة مع بكركي سابقا،
يجيب: "ليس الامر على هذا النحو. ولكن كل تجدد يحمل معه امورا مختلفة. لقد انتخب بطريرك جديد، وكل تغيير مفيد. هذه سنة الحياة".
ولماذا الشعور بأن ثمة تياراً غلب وتياراً خسر في انتخابات الراعي، يقول ماضي: "اطلاقا. كان ثمة اجماع عليه. وهو شكر في كلمته اصحاب السيادة وعلى المحبة التي قوبل بها. والمجمع كان مميزا. ربنا اختاره بطريركا كما اختاره سابقا راهبا ومطرانا. وهذه علامة لنا نحن المسيحيين إكليروسا قبل العلمانيين، ان نكون واحدا. وقد تكون السرعة التي حصل فيها الانتخاب، علامة من الله للوحدة والتضامن والمحبة بين العلمانيين من اجل توحيد كلمتنا. فالافكار كثيرة وكل واحد لديه توجه، لكن كما كان يقول البابا يوحنا بولس الثاني " الوحدة في التنوع". والبطريرك الراعي شدد على الشركة والمحبة".
ويحدد ماضي تحديات الراعي ودور بكركي تباعا "كنسيا واجتماعيا ووطنيا. 
والبطريرك الراعي شارك في السينودس من اجل لبنان وفي المجمع الماروني ومهمته متابعة هذين المجمعين ووضع ما فيهما موضع التنفيذ، بحكمته وديناميته". ويقول: "ما يجب ان يتحلى به المسؤول الكنسي هو التدبير والتعليم والتقديس. اي ان يعرف كيف يدبر الامور ويوجه ويعلم، ويعرف أن يقود شعبه نحو القداسة. وهذه الامور تجمع المواضيع السياسية والاجتماعية، وكلها تحتاج الى حكمة. الزمن اليوم زمن الروح القدس وهو الذي يعمل".
عمليا كيف يترجم عمل الروح القدس؟ يجيب ماضي: "الكلام الان عن التجدد في الكنيسة على مستوى الافراد والاكليروس ونوع من المصالحة مع الذات وتجديد مؤسساتنا وتنظيم انفسنا. ولا ننسَ ان الكنيسة هي كنيسة الفقراء. ونحن نعرف وضع شعبنا واللبنانيين عموما. فالحاجات كثيرة ومؤسساتنا الاجتماعية في حاجة الى تفعيل، وهذه من انتظارات شعبنا".
اما عن الدور الوطني لبكركي فيذكّر بأنها "من مؤسسي الكيان. والبطريرك الراعي كان واضحا حين تحدث عن الدور الوطني وعن زيارة سوريا والابرشيات الثلاث فيها . وهذا تحد كبير يخوضه ولكن في النهاية هذه حياته وطريقه كما مار بطرس الذي انفتح على العالم. المسيح لم يدع لليهود وحدهم، بل للجميع. هناك في سوريا ايضا شعبه. ولا ننسَ ان كلامه المهم هو اجماع مجلس المطارنة لاعلان مواقف موحدة من القضايا الرئيسية".

زيدان: تحديات الانتظارت
يقول المدير العام للمركز الماروني للتوثيق والابحاث المونسنيور كميل زيدان: "نحن الشرقيين لدينا نزعة لتأليه المسؤول، ونعتقد انه قادر على كل شيء. والخوف الكبير ان تتحول هذه الانتظارات الكبيرة من المسؤول بسرعة خيبة امل. ولذلك فالتحدي الاكبر ان يكون البطريرك الجديد قادرا على التجاوب مع انتظارات الناس وموجات الفرح التي عمت مجتمعنا".

اما التحدي الثاني، فان تعود الكنيسة لتصبح بوصلة مجتمعها،  بعد الاشكالات الكبيرة حول سلم القيم الضائعة في شكل رهيب على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاخلاقية. فهل الوجه الشعبي للبطريرك قادر على ان يعيد الناس الى خط خيارات واضحة تعيد تصحيح سلم القيم؟

التحدي الثالث هو ورشة التنظيم العلاقة بين الرهبان والاسقف الابرشي، وهذا جزء من مشكلة هيكلة الكنيسة وتنظيمها. كثيرون يحلمون بان تصبح بكركي منظمة على مثال الفاتيكان. فهل البطريرك الجديد قادر على ان يجمع حوله اشخاصا يستطيعون ان يقوموا بهذا العمل، ويتخطى كل الصراعات الموجودة في الكنيسة والاشخاص الطامحين الى مواقع، ويختار من هم مستعدون للعمل بنفس مسيحي وكنسي، ويبني حقيقة في الهدوء والظل، وليسوا معرضين لتجربة المال وحب الظهور والسلطة، وهي التجارب التي تعرض لها المسيح؟".
 بعدما وضع الفاتيكان يده على الرهبانيات في التسعينات هل ثمة خوف على تأثير فاتيكاني على بكركي، يقول زيدان: "اجيب عن السؤال بالابتعاد عنه الى حد ما. اعتقد ان احد التحديات هو الحضور الماروني في الدوائر الفاتيكانية في ظل سؤال اساسي عن وضعنا هناك ومن لدينا في الفاتيكان ومن يعمل فيه؟ اذا لم نكن حاضرين فلن يكون لدينا اي تأثير. وأمنيتي ان يكون لدينا استراتيجية واضحة لهذا الحضور في الفاتيكان.
ثم، ان غبطته رجل قانون ويعلم اكثر من غيره ان القوانين انطلاقا من نص المجمع الفاتيكاني الثاني تعطيه حماية لاستقلاليته. والخطر من وضع اليد،  يكون اولا بالدفاع عن حقه من خلال القوانين والانظمة المرعية الاجراء في الكنيسة الجامعة والعمل على حضور فاعل اقوى في الكنيسة الجامعة والادارة العامة للفاتيكان. وفي الوقت نفسه العمل جدي وحثيث مع سائر البطاركة الشرقيين  لتحديد موقع البطاركة في الكنيسة الجامعة، وخصوصا السلطة على رعاياها خارج النطاق البطريركي في بلاد الانتشار . وبعد المجمع الفاتيكاني وما صدر حول الكنائس الشرقية، نأمل فعلا وليس قولا الحفاظ على التعددية في الكنيسة. وبما ان الوضع الامني والسياسي والاقتصادي يهجر المسيحيين من المنطقة، فهل ننتظر ان يصبح لدينا بطاركة من دون شعب ومن دون مؤمنين؟ فهل بذلك نحافظ على التعددية في الكنيسة؟ اذا اردنا ان نحافظ على مسيحيي الشرق فيجب اعادة النظر في دور البطاركة الشرقيين وحقهم في الولاية على ابناء رعاياهم.
أما عن العلاقة مع الرهبانيات، فأقول مع انطوان دي سانت اكزوبيري، الصداقة الحقيقة ليست ان يتطلع الواحد الى الآخر بل ان يتطلعا معا الى هدف واحد. لن نتخطى مشكلتنا اذا كنا نتطلع الى قضايا داخلية ومصالح خاصة. والقيادة الروحية هي الاساس عند البطريرك الجديد، فهل هو قادر من خلال الرؤية البعيدة على ان يجعل الجميع يتخطون الصراعات الصغيرة بين بعضهم البعض، سواء بين الاساقفة والرهبان او الكهنة والرهبان او السياسيين ذاتهم".
لبكركي دور سياسي "كما يقول زيدان "شئنا ام ابينا،  وغبطته كان من المشاركين الاساسيين في صياغة شرعة العمل السياسي التي صدرت عن المركز، والتحدي هل هو قادر على ان ينقل النص المرجعي لكنيستنا المارونية الى حيز التطبيق بعدما وصل الى مركز القرار، وان يوظف ايجابا العطف الذي اخذه انتخابه حتى يغير فعليا؟ وهل هو قادر على ان يستقطب الناس حتى لا يضيعوا بين 8 و 14 آذار ويكون خطابه ارفع من الخطابين؟
اما بالنسبة الى سوريا فالقصة ليست قصة ذهابه اليها، وهو كان يلقي محاضرات فيها وفي العراق. ولكن هناك تحد آخر محلي، ماذا نفعل بقضية السلاح وبالمحكمة؟ ما هو موقف الكنيسة من القضيتين اللتين رفعتهما 14 آذار في وجه 8 آذار؟ ما هو موقفها من الضغوط الخارجية على لبنان؟ في تاريخنا البطريركي، كان لدينا بطاركة كبار اتخذوا مواقف جريئة، ولكننا نعرف انهم تعرضوا ايضا لضغوط كبرى. والتحدي هو ان يعرف كيف يحافظ على علاقة مرنة مع الجميع والا يساوم في الوقت ذاته على الخيارات الاساسية. البطريرك صفير لم يكن شعبيا في نظر البعض لكنه كان حكيما وصلبا ولم يساوم رغم كل الضغوط التي مورست عليه".