الثلاثاء، 12 يوليو 2011

عبّاس بيضون وسعيد عقل والمركز الكاثوليكيّ للإعلام



هكذا تكلم سعيد عقل لعبّاس بيضون 


بلغ المئة ولم يقع تحتها تماماً، كما حصل لميخائيل نعيمة. أوفى سعيد عقل على المئة. هكذا سيكون للأدب اللبناني جد شرعي. انه يستحق بالطبع احتفال بكركي، فمنذ نعومة أظفاره لم يخالف الإنجيل ولو بشعرة واحدة. حاول أن يخترع لاهوتا موازيا، وبالفعل أحبه الله وأعطاه الكثير، دزينة مواهب تقريباً وعلمه كل شيء. وهو أيضاً علم الآخرين بنعمة أبيه السماوي كل شيء. وصيه واحدة لم يتعظ بها وهي حب الجار وحب القريب، في الواقع كرههما وخاصة عندما كانا يشاركانه في أرضه، كرههما كثيراً واختال كثيراً عليهما. كانا هنا فقط ليعرف مدى تفوقه وجماله وحكمته. بالفعل كان جميلاً جداً لكنه أحب جماله كثيراً ولم يمنحه لإنسان، فتنته نفسه ولم يجد أحداً يستحقها. كان بنعمة أبيه السماوي مخلوقا إلهياً وجعل يخاطب المطلق. عاش مع القيم السبع والمبادئ الاحد عشر والمدن التسع والوصايا الست، عاش كالآلهة مع الأعداد المقدسة ومع الهنيهات التي تقع في المطلق ومع الساعات الذهبية، أحبته النساء وأحبه الرجال لكنه كان أقنوماً خالداً وفوق الحب والكره. لم ير القبح ولا ذاق المرارة ولا عرف عاقبة الخسارة أو الخيبات. ظل في سمائه الصغيرة لا يرى الدم يسيل من السكاكين، الدم الذي يملأ الشوارع. حين احتربوا تحت نافذته لم يراجع نفسه، ظلّت له من نفسه فتنة كافية، ظل له من نفسه شريكاً أعظم. ظل له، من نفسه، الواحد الذي لا يتجزأ، الواحد الذي لا يرى الكسور. حين سقطت الأعداد وتكسرت تحت نافذته لم يشعر. حين انتهى العالم من حوله لم يشعر، ظل فوق الحزن والفرح، فوق الحب والكره وكان جميلاً، كما يقدر لإله، كما يقدر لمخلوق صنعته الخلود. ظل طاهراً ونظيفاً كما يقدر لمن تأله طفلاً وشرب من كأس الآلهة. لم يتعظ بالوصية التي توصي بحب الجار وحب القريب. تلك هفوة واحدة ولن تحسب عليه، لكن من سحره جمال نفسه سيغضب الآخرين. من فتنته صورته خبله جماله. من أوحشه جماله وصرعه مرة واحدة ستخيله المسافات وسيبحث عن صورته ولن يكف. سيكره من يجده في قدسه. سيعبد نفسه حتى الكفر بالباقين. في كل حال لن يراهم وفجأة في هذه الذات المستوحشة يلمع الخنجر. فجأة وهو يتعبد يتناول الخنجر. في افتتانه بالواحد الذي هو يروح يحلم بالقتل، يضيف وصية جديدة «على كل لبناني ان يقتل فلسطينيا». القتل بدون كره، القتل بدون انتقام، القتل فقط ليكون هناك قربان، ليقبل الإله هذه الأضحية. لتتم العبادة وتتم التضحية ونقتل لا الابن لكن الجار والقريب. مرة قال برونون السيريالي الحقيقي هو الذي ينزل إلى الشارع ويطلق على العامة. سول بيلو اعتبرها فاشية. هكذا يتكلمون في الخارج، من أكثر من أحب نفسه يصير فاشيا، من هام بنفسه يصير قاتلاً. سعيد عقل وصل إلى المئة. صعد الدرجات كلها ووصل منهوكا. لقد وصل ونال جائزته قداساً. ما أشق الطريق ما أخف الجائزة.


وهكذا ردّ الأب عبدو أبو كسم رئيس المركز الكاثوليكيّ للإعلام



رداً على مقالة عباس بيضون هكذا تكلم سعيد عقل

السفير 12/07/2011

عبده ابو كسم
طالعنا عباس بيضون في مقال يحمل عنوانا «وإنها لثورة» صدر في جريدتكم الغراء نهار الجمعة 8 تموز 2011، العدد 11931 في صفحة «الثقافي». يتكلم فيه على الثورات وما تحمل من معانٍ، لكن ما لفت انتباهنا واستغرابنا في آن، هو كلامه على الشاعر سعيد عقل، الذي لا يمت إلى الموضوع بصلة، وما ساقه من تهجمات واتهامات في حق هذا الرجل العظيم الذي حمل اسم لبنان عالياً شامخاً إلى كل العالم، بنبرة ممزوجة بالعنفوان والحق.
نحن لسنا بصدد الدفاع عن الشاعر سعيد عقل، فالعمالقة أمثاله لا تهزّهم مداعبات صبيانية كهذه، لكن ما يهمنا في الأمر، تناول السيد بيضون اسم بكركي والاحتفال التكريمي للشاعر سعيد عقل والتحقير لمعنى القداس، الذي هو أسمى وأرفع الاحتفالات المقدسة في حياة كنيستنا، لذلك رأينا من الواجب أن نوضح للسيد عباس بيضون وللرأي العام ما يلي:
1ـ إن الاحتفال التكريمي الذي أقيم للشاعر سعيد عقل في بكركي كان بدعوة من جامعة سيدة اللويزة لافتتاح مئوية سعيد عقل، ان بكركي رحبت بهذا التكريم الذي يحمل في مضمونه وجها روحيا وثقافيا، لما يستحقه هذا الشاعر الكبير من تقدير بامتياز.
2ـ أما الكلام على اللاهوت الموازي الذي اخترعه سعيد عقل في مقابل اللاهوت المسيحي، فهذا كلام في غير محله، فسعيد عقل جسد لاهوت الكنيسة في كتاباتهوشعره، وحوّل بعضه إلى ترانيم تُرفع إلى الله في ذبيحة القداس.
3ـ إن كلام كاتب المقال الذي يوحي في نهاية مقاله أن الكنيسة تكرّم الحاقدين والفاشيين أمثال سعيد عقل وتمنحهم الجوائز منهياً بالقول: لقد وصل (سعيد عقل) ونال جائزته قداساً، ما أشق الطريق وما أخف الجائزة.
إن هذا الكلام خطير جداً ويطال جميع المسيحيين ويسيء إليهم في صميم معتقداتهم الإيمانية ويولد لديهم اشمئزازاً وقد يثير النعرات الطائفية.
4ـ إن هذا التهكم على أقدس مقدساتنا أي «القداس» هو أمر مرفوض ويتوجب على صاحبه سحبه والاعتذار عن هذه الإساءة، فالقداس بالنسبة إلى المسيحيين هو تجديدلذبيحة الصليب، إذ يقدم سيدنا يسوع المسيح ذاته الآن في الزمان والمكان فداء عناليرفعنا إلى الأب السماوي. هذه التقدمة كانت وما زالت وستبقى أكبر هدية منحها اللهللبشرية جمعاء ليخلصها من عبودية الخطيئة، عبودية التجني والحقد والافتراء عبودية الجهل التي تتجلى في العبادات التي تزين مقال السيد بيضون.
5ـ لهذا وإظهاراً للحقيقة، وانسجاماً مع حق الرد، فإننا نطلب نشر هذا الرد في المكان عينه في صفحة الثقافي متمنين على السيد بيضون ان يضيف إلى ثقافته احترام المقامات والمقدسات، ويحرص على الالتزام بالموضوعية في مقاربته للمواضيع التي تخص الكنيسة.
الخوري عبده أبو كسم
مدير المركز الكاثوليكي للإعلام


÷ شكراً للأب عبده أبو كسم لأنه قرأ مقالتي ولن أجادله في شأن سعيد عقل فما كنت لأكتب عنه لولا أهميته في الشعر العربي الذي يشكل منعطفاً فيه وما كنت لآخذ عليه ما شط اليه من أقوال لولا ان مثل ذلك لا يغفر إذا جاء من أمثال سعيد عقل في مكانته الإبداعية والفكرية. أما وصف القداس بالخفة فليس بحال استخفاف بالقداس وفرق ما بين الاستخفاف والخفة فالخفة ضد الثقل وقد تكون لذلك صفة محمودة أما إذا حملها الأب المحترم على محمل الاستخفاف فأنا أعتذر له ولمن فهمها كذلك اعتذاراً كثيراً لكن هذا الكلام على أي محمل حملنا لا يجوز ان يكون خطيراً جداً ويطال جميع المسيحيين... وقد يثير النعرات الطائفية إذ ان المسيحية أرحب من ذلك وقد سبق لها ان احتملت في الغرب كتاب نيتشه ضد المسيح كما احتملت امثاله في الفن التشكيلي والمسرح والسينما، والانتروبولوجيا والتاريخ ولا ننسى انها تعايشت مع الديموقراطية والعلمانية ونقد الدين. أكرر شكري للأب لأنه قرأ مقالتي واستحقت رده.
عباس بيضون


الأربعاء، 6 يوليو 2011

سياسيون مسيحيون يخشون «خريفاً مبكراً» للبطريركية المارونية / دنيز عطاالله


مجلس المطارنة يحدد اليوم (6 تمّوز) موقفه من المحكمة والقرار الاتهامي
سياسيون مسيحيون يخشون «خريفاً مبكراً» للبطريركية المارونية

على وقع السجال الدائر في البلد وفي المجلس النيابي حول القرار الاتهامي والمحكمة الدولية، يعقد اليوم المطارنة الموارنة اجتماعهم الشهري الدوري. وبحسب مطلعين فإن المجتمعين لن يغضوا الطرف عن هذه النقطة الخلافية التي تشغل البلد. وسيكون لهم موقف منها. اما مضمون الموقف فسيتم «الاستعانة بالبلاغة اللغوية للمطارنة كي لا يُفسر إصرار المجلس على احترام العدالة وكشف الحقيقة ومحاسبة المجرمين موقفا مع جهة ضد جهة اخرى».
هذه الحسابات «الوسطية» هي التي تحكم مسيرة البطريرك بشارة الراعي منذ توليه السدة البطريركية. حسابات ناتجة عن قناعة راسخة ان التطرف والمواقف الحادة لا تثّبت الاستقرار ولا العيش المشترك ولا تؤسس لاعادة وصل ما انقطع بين اللبنانيين بحكم انقساماتهم ودخولهم في لعبة المحاور.
لكن السياسيين الذين اعطوا البطريرك «فترة سماح» لجهة تعاونهم معه وانفتاحهم على طروحاته، بدأوا يتحللون من تعهداتهم ويتعاطون مع بكركي مجددا «على القطعة» او بحسب مواقفها.
آخر بوادر غياب «مونة» بكركي تمثّل في انفراط عقد اللقاء الذي كان من المفترض ان يجمع في دير مار يوحنا في كفرحي النواب بطرس حرب وسامر سعادة وأنطوان زهرا والوزير جبران باسيل اضافة الى النائبين السابقين سايد عقل ومانويل يونس. ففي اقامته في الدير، دعا الراعي نواب المنطقة الى لقاء. اعتذر الجميع، كل واحد لاسبابه، فلم يحضر سوى سعاده ولاحقا باسيل على موعد الغداء.
لكن هذا اللقاء الذي لم ينجح، ربما لانه لم يحُضّر بشكل جيد، ليس المظهر الوحيد لتفلت السياسيين المسيحيين من «ضوابط» بكركي المبدئية التي تلت الاجتماعين (الرباعي والموسع) اللذين عقدا في بكركي. فوسائل الاعلام عادت تمتلئ بـ«القصف الكلامي العشوائي» بين السياسيين المسيحيين والاتهامات المتبادلة استعادت زخمها. وللفريقين ملاحظاتهما على بكركي وسيدها، فهما يريدانه في «معسكرهما» بالكامل وإلا فالارتياب سمة العلاقة به.
مسيحيو «14 آذار» يعتبرون ان رأس الكنيسة المارونية، ايّا يكن، موقعه الطبيعي تبني مواقفهم وطروحاتهم. وبرأي احدهم «ان الامانة للتاريخ المسيحي، وخصوصا الماروني، في هذا الشرق والبلد تفترض ان تنحاز بكركي بالكامل الى كل ما يختزنه الوجدان المسيحي من رهان مطلق على الدولة ومناعتها واحتكارها وحدها للسلاح. كما ان ذلك يفترض ان تتبنى منظومة قيم متكاملة تبدأ بالشرعة العالمية لحقوق الانسان والديموقراطية والحداثة وصولا الى التعاطي بإيجابية ومن منطلق الصداقة والمصلحة مع المجتمع الدولي. كما أن بكركي معنية بشكل مباشر بتبني القيم المسيحية من حرية وعدالة وانفتاح. ودورها في لبنان التركيز على حماية العيش المشترك وعيشه بكامل ابعاده. وإن اخطر ما يواجه البلد اليوم يتمثل في تنكر فريق لأي شرعية دولية جريمتها انها تريد كشف الحقيقة ومحاسبة من قتل واغتال سياسيين لبنانيين و68 مواطنا بريئا. وبهذا المعنى لا يُفترض ببكركي ان تكون على الحياد. هي على محك الامتحان الاخلاقي والمبدئي لقيمها وقناعاتها وإرثها الكبير».
لكن مسيحيين آخرين لا يشاركون مسيحيي «14 آذار» الرأي والموقف من بكركي. ويقول قيادي في «التيار الوطني الحر» ان «بكركي رمز وطني وحاضنة لاستقرار البلد ومصلحته. وهي لا يمكن ان تتبنى رأيا او موقفا يعارضه نصف الشعب اللبناني او يشككون به ويتخوفون من تداعياته على البلد. والموقف اليوم من المحكمة الدولية ليس مسألة اخلاقية فقط لجهة ضرورة محاسبة القتلة، وهذا امر لا يرفضه احد. لكن المشكلة من يحاسب وعلى أية خلفية ولاي هدف؟». يضيف «بكركي معنية باستقرار البلد. وهي كسلطة كنسية مسؤولة عن شعبها تعي انه لا يمكن التنكر لاية قيمة من العدالة الى الحقيقة. لكن سلم القيم متكامل. فالسلام والاستقرار وتداول السلطة وتأمين حياة اقتصادية واجتماعية كريمة وآمنة للناس هي من القيم الاساسية ايضا. ولذلك لا يجوز ان تنحاز بكركي لقيمة على حساب اخرى».
لكن ابعد من هذا الصراع على موقف بكركي من المحكمة، كيف ينظر الفريقان المسيحيان الى سيد بكركي اليوم؟
لافت للانتباه سماع العبارة نفسها تقريبا من نائبين على طرفي نقيض. فالنائبان في مجالس ضيقة حددا مواصفات مطلوبة من أداء البطريرك ومواقفه والا فالخوف من «خريف مبكر للبطريركية المارونية».
يتوجس الطرفان من مواقفه التي تسر احدهما يوما وتزعجه في اليوم التالي. الحذر هو ما يحكم علاقتهم بالراعي. وحماسته وانطلاقه في زيارات الى المناطق والاديرة وعلاقته بالناس، والشبيبة بشكل خاص، لا تفرح الطرفين. يتمنيان لو ينسحب الى الصلاة الديرية او ينحاز اليهما. و«هما» تعني كل فريق منهما. فالراعي كما هو اليوم مربك. فالمطران الذي انحاز يوما الى طروحات العماد ميشال عون، عاد وابتعد عنها وهدد بـ«الحرم الكبير» على من يتطاول على بكركي وسيدها.
يبتسم احد الآباء القريبين من البطريرك الراعي للارباك الذي يسببه للسياسيين ويعلق «اذا كان فعلا يربكهم فهذا دليل عافية ودليل على ان البطريرك غير منحاز الا للقيم الانجيلية والوطنية. للساسة حساباتهم ومصالحهم اما البطريرك الراعي فحساباته كنسية ومصالحه وطنية. وإذا صح ان الفريقين يتخوفان من خريف مبكر للبطريرك فنذكّرهم بأن «البشارة» لا تشيخ وتحمل في مضمونها عناصر شبابها وتجددها وفرحها والرجاء».

السبت، 2 يوليو 2011

أن تكون مارونيًّا في هذا الزمن اللبنانيّ الرديء/ ماري القصيفي


قاديشا


أن تكون مارونيّاً في هذا الزمن اللبنانيّ الرديء لا يعني أنّك مرشّح دائم لرئاسة الجمهوريّة كما كان يخطر للبنانييّن كلّما دار الحديث عن الموارنة، فتغيّرات الأزمة وتقلّبات الدهر وأنانيّة أولي الأمر والصراع المارونيّ المارونيّ أدّت كلّها الى تعريف جديد للانتماء المارونيّ، لا يليق ويا للأسف الشديد بتاريخ هذه الطائفة ودورها في الصعد الحضاريّة المختلفة إن في لبنان او في العالم العربي او في العالم الغربي. فان تكون مارونياً اليوم يعني انك ستبيع ارضا ورثتها عن والدك لتقيم عرسا فخما لابنك، وانك ستتزوج وتطلق بعد اشهر ولن تنجب اولادا في هذا البلد "الخربان"، وانك لن تجرؤ على كتاب رواية واحدة من تاريخ طائفتك لانك تخشى من ان تتهم باثارة النعرات الطائفية، وانك الآن تحزم حقائبك للهجرة لانك لا تريد ان تعلق وسط صراعات اقليمية واصولية ودولية وداخلية.ان تكون مارونياً اليوم يعني انك محكوم بان تختار جهة مارونية واحدة من جهتين لا ثالث لهما، فانت مجبر على الاختيار بين الدكتور سمير جعجع وكل ما يمثله من ماض وحاضر ومستقبل، وبين العماد ميشال عون وكل ما يمثله من ماض وحاضر ومستقبل.(الآن وعند هذه الكلمة ثمة تساؤلات عند عدد من الموارنة الذين يقرأون هذا النص تدور حول الجهة التي أنتمي أنا اليها، فمجرّد وضع اسم من اسميّ الزعيمين المارونيين قبل الآخر قد يُفهم عند هذه الفئة او تلك بطريقة لن تخطر الا على بال موارنة هذا الزمن).

ان تكون مارونياً اليوم يعني انك محكوم منذ لحظة تكوّنك في احشاء أمّك باتخاذ منحى سياسي يحدّده الطبيب المولّد الذي اختاره والدك ولأية جهة سياسية ينتمي، ثم هناك مدير المدرسة، والكنيسة التي تذهب اليها يوم الاحد ومن سيلقي العظة الاسبوعية، والاغنية التي ستسمعها، والجامعة التي ستذهب اليها، والمحطات التلفزيونية والاذاعية اللتان تقولان الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة.فعيد العلم الذي سنحتفل به قريبا ليس هو نفسه في مدرسة مارونية رئيسها عوني او قواتي، ففي الاولى سيصدح صوت جوليا باغنياتها الوطنية، وفي الثانية ستكون ماجدة الرومي نجمة الاحتفال. وفي خضم الخطب وهزج التلاميذ، ستقع الاعلام اللبنانية التي وزعتها البلديات السخية على الارض وسيدوسها الجميع ولن تجد من يرفعها اعلى من صوت المطربتين.وفي عيد الميلاد، ستجد المسيح مدفونا تحت مئات المصابيح ووسائل الزينة ذات الالوان السياسية التي تعلن مع سابق الاصرار والتصميم على ان الموارنة في هذا البيت الكريم مع الحكيم او مع الجنرال، "واللي مش عاجبو ما يجي لعنا عالعيد، حتى ولو كان المسيح نفسه".

لا يمكنك ان تكون بلا لون اذا كنت مارونياً، لا تستطيع ان تكون محايدا او غاضبا من الجميع، او ان تختار خطا ثالثا لا علاقة له بالخطين المتوازيين اللذين لن يلتقيا الا خارج مقاييس هذا الزمن الرديء، لان ذلك يعني انك لست مارونياً، او انك جبان لا تجرؤ على التعبير عن رأيك، او انك خبيث لا تريد ان تفصح عن ميولك، او انك خائن لا تعنيك مصلحة الطائفة ومصير المسيحيين في الشرق وصولا الى العالم كله. لا يمكنك ان تكون مع 14 آذار وتحتفل بعرسك عند الخوري سليم او جميل او عصام (طبعا هي اسماء وهمية، فالكهنة الموارنة يحملون حكما اسماء قديسين)، ولا يمكنك ان تكون مع 8 آذار وتقرأ صحيفة "النهار" او تفتح مواقعها على الانترنت كي لا ترتفع في احصاءات الجريدة نسبة الاقبال عليها. لا يمكنك ان تكون مارونياً على سنّة الحكيم وتنتقد البطريرك الماروني، وكذلك لا يمكنك ان تكون مارونياً تتشيع للجنرال وتنتقد السيد حسن نصرالله.فان تكون مارونياً اذاً يعني ان ثمة امورا كثيرة عليك ان تأخذها في الاعتبار (التي بليت بالعمى في هذه الطائفة) ولا تستطيع ان تتصرف كما يحلو لك او كأن الدنيا فالتة. ولذلك فأنت مجبر على اتخاذ جانب الحيطة والحذر في كل ما تفعله، فالجميع يراقبون تصرفاتك ليعلموا من ستنتخب في رابطة المعلمين (وستين سنة على التربية)، وعن اي دار نشر سيصدر كتابك (رحم الله الثقافة)، وفي اي جريدة تنشر مقالاتك (مسكينة حرية التعبير). انت ستحسب على احد مهما فعلت، ولن تنجو كماروني من تهمة الانحياز، ولا تحاول التهرب بالقول انا مع مار مارون، فقد يقول لك احد العونيين: انت معنا لان مار مارون اتى من سوريا، ولا تتذاكى وتقول انا مع الكنيسة لان احد القواتيين سيقول لك: أنت معنا اذاً لان الكنيسة في رأيه مع الحكيم. ورجاء لا تحاول الدخول في بحث تاريخي تحليلي نقدي لكلا القولين لانك ستكون كمن يغني في الطاحون.لو كانت في لبنان احصاءات علمية دقيقة وشفافة، لاكتشف الزعماء الموارنة المنقسمون بين الجنرال والحكيم، ولاكتشف رجال الدين المنقسمون بين 14 و8 آذار، ان نسبة الإدمان على مهدئات الاعصاب والمخدرات مرتفعة بين اتباعهم وابنائهم، وكذلك الانتحار والهجرة والطلاق والهجر وتدهور المستوى المعيشي والعنف المنزلي وتدني المستوى الدراسي وكل ذلك بسبب القلق على المصير، والخوف من المستقبل، والغموض في الرؤيا، والتخبط في الصراعات الداخلية، وانهيار المؤسسات الاستشفائية والتربوية والاجتماعية بسبب الفساد والفضائح الاخلاقية والادارية والسرقات والهدر وسوء التخطيط.

هل هذه هي المارونية النسكية التي انطلقت من اودية لبنان لتسمو على قممه؟ هل هذه هي رسالة الموارنة في هذا العالم: عهر واقتتال وفساد ومصالح فردية وعمالة وسطحية وجهل؟ وكيف يجرؤ الزعماء الموارنة على تناول القربان المقدس على مائدة خلاصية واحدة وما من احد منهم صالح اخاه قبل التقدم من مذبح الرب؟ وهل يجرؤ الكاهن الذي يؤنب مراهقة ترتدي ملابس متحررة اما جموع المصلين على النظر في عيون هواة الحرب والمناصب؟ هل هذه هي المارونية المشرقية التي تتنازل عن روحانيتها من اجل اسواق الاعلام والاعلان وتحاربك لانك لا تفهم لغة "السوق"؟ وهل هذه هي المارونية المتنورة المتحررة التي تتبرّأ من عقلها وتضطهدك لأنّك تفكّر؟اذا كانت هذه هي المارونيّة الجديدة، واذا كان لا كيان لي ولا وجود ولا رأي الا اذا كنت "محسوبة" على فريق (سياسي او طائفي او مذهبي او اقليمي او حزبي او عائلي او مناطقي او بلدي او صحافي او ادبي او ثقافي)، فانا اذاً انزل الحرم الكنسي بنفسي لانقذ هذه الطائفة مني...

السبت، 25 يونيو 2011

اختلاف الرؤية لانعكاس الأحداث السوريّة على المسيحيّين - هيام القصيفي



كلام الراعي في الفاتيكان فتح باب النقاش على مصراعيه
إختلاف الرؤية لانعكاس الاحداث السورية على المسيحيين

لمرتين متتاليتين اثار كلام البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي اول من امس في الفاتيكان حول ما سمّاه "التظاهرات والاعتراضات العربية"، وقبله بيان مجلس المطارنة الموارنة في الاول من حزيران عن "احداث امنية"، التباسات على مستويات كنسية وسياسية مختلفة. ففي ضوء الاحداث الخطيرة التي شهدها العالم العربي وتشهدها سوريا منذ نحو اربعة اشهر، ما اضطر الفاتيكان الى توجيه كلام لافت للقيادة السورية، يدور في لبنان نقاش جدي على خطين حول تداعيات الاحداث السورية ، ومستقبلها المجهول ، على وضع المسيحيين في لبنان وسوريا.

وبدا واضحا في الاسابيع الاخيرة ان ثمة كلاما يقوله بعض المسيحيين للمرة الاولى في تاريخهم الحديث يعبّرون فيه عن قلقهم من احتمالات التغيير في النظام السوري.
يدور النقاش حول فكرتين تقليديتين، لكنهما تصبان في روحية المنحى الخطر الذي يعيشه لبنان: هل بقاء النظام السوري الحالي اضمن للوجود المسيحي في لبنان وسوريا والذي سيصبح في خطر اذا ما حل محله نظام اسلامي اصولي؟ ام ان النظام العلماني البعثي كان مسؤولا عما حصل للبنان ومسيحييه، وتاليا فان اي تغيير فيه لن يكون انعكاسه اسوأ مما حصل حتى الان؟
تداول هاتين الفكرتين في المجتمعات الشعبية، تحول اخيرا مناقشات سياسية عميقة، بدأت تنعكس في التعاطي السياسي للفريقين المسيحيين في 8 و 14 آذار في ادارتهم للازمة الراهنة.
يتحدث العماد ميشال عون عن انعكاس زياراته لسوريا تباعا على وضع المسيحيين هناك وعلى تطور اوضاعهم، والآتون من سوريا يتحدثون عن اعتزام بعضهم الانضمام الى التظاهرات، وفي المقابل عن الخوف الذي يعيشه هؤلاء في خضم المأزق الذي يتعايشون معه. فهم اولا من ابناء النظام ومنضوون تحت لوائه امنيا وسياسيا. وقد عبر عن مخاوفهم ما قاله الاسبوع الفائت رئيس اساقفة دمشق للسريان الكاثوليك المطران غريغوريوس الياس طبي الذي عكس قلقا من مرحلة ما بعد الاسد وقيام نظام اصولي. لكنهم بقدر ما يلتصق بعضهم اليوم بالنظام حفاظا على مواقعهم تحت سقف التهديدات المتتالية، يمثل هاجس مسيحيي العراق همّا في صحنهم اليومي، ما يجعلهم يعيشون بين سندان النظام ومطرقة تهديداته. 
لكن وضع مسيحيي لبنان وسوريا وفق قيادات 8 آذار المسيحية، سيصبح في مأزق اذا سقط نظام الاسد وتحولت سوريا موطىء قدم للاسلام الاصولي ولو بالنموذج التركي “الاصولي كما يظهر من لباس زوجات الرئيسين عبدالله غول ورجب طيب اردوغان ووزير الخارجية داود اوغلو”، بحسب قيادي مسيحي في 8 آذار. 
وتتعاطى هذه القيادات مع ما يحصل في سوريا من زاوية انعكاسه على لبنان، وضرورة الافادة من الوضع الراهن لتعزيز وضع المسيحيين المنضوين تحت خط هذه القيادات في ظل الحكومة الجديدة. من هنا تصبح الاتصالات البعيدة عن الاضواء بين البطريرك الراعي والعماد عون، محط اهتمام. وتنظر قوى 14 آذار الى انضمام الرئيس ميشال سليمان الى هذه الاتصالات بقلق على انها محاولة لايجاد خط دفاع داخلي يهدف الى تعزيز ورقة المسيحيين المناوئين لقوى 14 آذار، كما حصل مع التجمعات التي كانت تقودها سوريا لمقارعة “قرنة شهوان”. 
وعلى خط قوى 14 آذار، توضح اوساط سياسية رفيعة فيها ان ثمة نقاشا مفتوحا ليس حول ما يجري في سوريا واحتمالاته فحسب، انما ايضا على مستوى مجاراة المسيحيين لهذه التطورات وكيفية تعاطي الشريك المسلم مع الهواجس والاسئلة التي يطرحها البعض علنا. وهذه النقاشات ليست طارئة اذ بدأت حتى مع دوائر الفاتيكان في لقاءات على مستوى عال تزامنا مع بدء الثورات العربية. مسيحيو 14 آذار، وبخلاف ما يمكن ان يتصوره البعض، لا يتوحدون تحت سقف واحد حيال رؤيتهم لانعكاس تدهور وضع النظام السوري - الذي عانوا منه جميعا - على المسيحيين. والاهم ان فريق 14 آذار فقد المظلة المسيحية الدينية التي كانت تتوج مقارعته لهذه المسائل سياسيا وفكريا، بعد استقالة البطريرك الماروني الكاردينال مارنصرالله بطرس صفير الذي كان يتوج في القضايا الوطنية ما يُعتبر انه زبدة المواقف الوطنية ، الامر الذي كان يسمح لمسيحيي 14 آذار بالذهاب الى المناقشات مع الطرف الاخر تحت سقف بكركي. لكن الامور اختلفت مع الراعي، الذي اراد الذهاب منذ اليوم الاول لتفقد مسيحيي سوريا ولم يعترف بعد بخطورة ما يدور على ارضها. ومناقشات مجلس المطارنة الاخيرة كانت واضحة في هذا الاتجاه، وقد كرسها الراعي بحديثه في الفاتيكان وطرحه مخاوف من التقسيم والانظمة المتشددة طائفيا.
 اما سياسيا فالرئيس امين الجميل كان واضحا حين طرح هواجسه علنا في باريس، ويتقاطع مقربون منه في بعض التفاصيل مع ما يقوله عون حول الهواجس من نظام اصولي يمكن ان تكون سوريا مقبلة عليه.
فيما تنكفىء “القوات اللبنانية” عن الدخول العلني في نقاش مفتوح حول المسألة المذكورة، محكومة بهاجس الماضي والتجارب السيئة التي خبرتها مع النظام السوري واحتمالات عقد الصفقات في اللحظات الاخيرة على حسابها وتحولها كبش محرقة. وهي لا تقدم على رهانات لا حول النظام في ذاته ولا حول مستقبله. 
ومع ذلك تبقى النقاشات مفتوحة يجريها سياسيو 14 آذار ومثقفوها مع نظرائهم في تيار “المستقبل” حول اي صورة للاسلام يمكن ان يقدمها هذا الفريق، الاسلام المعتدل ام الاسلام الذي يظهر بين الفينة والاخرى في بيروت وطرابلس؟ وهل يحتاج الاسلام اللبناني الى النموذج التركي لتسويق نفسه ندا للنظام السوري وحاميا للتعددية في لبنان؟ الاجوبة عن هذه الاسئلة لا تحتاج الى جلسات نقاش بين المسلمين والمسيحيين، بل الى انطلاقة داخل اروقة المسيحيين انفسهم. وقد لا تكون لقاءات بكركي المقبلة هذه المرة كافية لطرح هذه الهواجس ما دام سيدها لم يعترف بعد بأن “الجمعات” الدامية في سوريا باتت أكبر من تظاهرة.

هيام القصيفي      



الجمعة، 20 مايو 2011

هل يترحّمون على حسني مبارك؟ بقلم جان عزيز



لم يعد ميدان التحرير القاهري يقدر على تعداد صدماته والخيبات، علماً بأنّ الميدان نفسه لم يعد اليوم ـــــ كما لم يكن يوماً ـــــ ساحة لمصر وحدها، بل أصبح قلباً لمنطقة بأسرها، تُقدم حين يُقدم، وتُحجم حين يُحجم، وتأمل مع بشائر أمله وتيأس بنذر يأسه.
منذ اللحظات الأولى لما بعد «الثورة»، حاول الميدان امتصاص الصدمة البكر. حين منع يوسف القرضاوي وائل غنيم من الكلام في الساحة نفسها التي شهدت «تقية» الشيخ، وحمية الشاب. والاثنان رمزان بامتياز للحدث. الأول مرجع لفتاوى الصمت، والثاني محرّك لمفاتيح الاتصال والتواصل. فحين يقدر القرضاوي على إسكات غنيم في ميدان التحرير، يكون الزمن قد مُسخ، وراحت عقاربه تمشي إلى الوراء.
بعدها جاء الاستفتاء على الدستور صدمة جديدة لقوى مصر التغيير والتحديث والعصرنة والخروج إلى نور الغد. كأن المناخ العام قد بدأ يخيّم على أرض النيل، فراحت سمومه تهبّ في أكثر من مكان. حتى تعيين محافظ قبطي لم يمر من خرم العيون الضيقة لأناس القرون الماضية. ولم يمضِ وقت طويل حتى تأكد الاتجاه، فانفجرت في إمبابا مسخرة تلك السيدة. لحظات قليلة من النار المندلعة حقداً أمام الكنيسة، كانت كافية لتظهر هشاشة تلك الصور المركبة طيلة ثلاثة أسابيع، عن قرآن وإنجيل وكليشيهات علمانية مزعومة وأخوّة وشعارات ممجوجة. قبل 25 يناير، قيل إن نظام مبارك فجّر كنيسة القديسين. بعد ميدان التحرير كيف يمكن تفسير إحراق الكنيسة؟ أليس دليلاً على أن النظام لم يسقط، أو على أن مصدر العنف والحقد والقتل والحرق، أكثر جذورية وبنيوية من مجرد شخص وسلطة وحكم.
قبل أيام جاءت الصدمة الأخيرة: السلفيون يفرضون على زمن ما بعد الثورة، وعلى أزهر ما بعد الميدان، وعلى مصر ما بعد مبارك... يفرضون عليهم جميعاً قانوناً جديداً للأحوال الشخصية أكثر خضوعاً لمفاهيم الدين والشريعة والحرفية. السلفيون الذين لم يكونوا بين شبان الجدران في الميدان، والسلفيون الذين لم يسقطوا بسواطير البلطجية، والسلفيون الذين يغنّون للثورة ولم يهزجوا للتغيير ولم يرقصوا في عرس الفجر المصري الجديد، السلفيون أنفسهم فرضوا إلغاء القانون السابق، وبدء الإعداد لقانون جديد، يكون أكثر «حنبلية» في تطبيق الشريعة على حياة الشخص الإنساني، وعلى حياة المواطن المصري، في كل ما يتعلق بمسائل لصيقة الانبثاق بضميره الشخصي الحر، وبحقوقه الأصيلة وبكرامته الإنسانية الثابتة وغير القابلة للتنازل.
والمصادفة المفارقة في الحدث، أن القانون السابق الذي «يثور» ضده السلفيون معروف باسم قانون سوزان مبارك، فيما كانت سيدة مصر الأولى السابقة تخضع للمحاكمة على أيدي عسكر النظام الجديد ـــــ القديم. كأنما حدث الميدان التاريخي قد تحول في أسابيع إلى عملية تقاسم لتركة السلطة البائدة، لا غير ولا أكثر. تماماً وفق مقولة «حالكم في الجاهلية كحالكم في الإسلام»، أو أسوأ منها، أو أسوأ ممّا كان.
أين الكارثة في ذلك؟ أولاً أن تنحر ثورة رائعة بهذا الشكل. ثانياً، أن يسير الزمن المصري والمشرقي القهقرى، من قرون وسطى إلى قرون أسبق. ثالثاً والأهم، أن تكون الاستراتيجية الأساسية للمحافظين الجدد في جوهر فكرهم، قد نجحت، أو كادت تفعل. فمنذ سقوط جدار برلين، قيل في واشنطن إن «عدوّنا» السابق قد انهار نتيجة سياستنا الحِصارية عبر «الاحتواء المزدوج» لحدوده. وهي النظرية التي أسّست لمشروعي «مارشال» في غربي موسكو، و«منظمة المؤتمر الإسلامي» شرقيّها، بحيث يوضع المارد الأحمر بين فكي كماشة الليبرالية المسيحية في أوروبا الغربية، والأصولية الإسلامية في آسيا، حتى يختنق ويسقط. وبعد سقوط جدار برلين، قيل في واشنطن أيضاً إن «عدوّنا» الجديد ـــــ أي الإسلام الحركي السياسي ـــــ يجب أن يحاصَر وأن يعدَّ لانهياره. لكنه عدوّ من النوع الذي بلا حدود. وبالتالي، فأي احتواء مزدوج له لا يمكن أن يكون من خارجه، بل من الداخل. هكذا ولدت نظرية تفجير الإسلام ذاتياً، بصاعق أصوليته لا غير، وعلى خطّي تناقضه: خط الصراع المذهبي بين السنّة والشيعة، وخط الصراع العرقي بين عربي وغير عربي، ضمن إمبراطورية المارد المستيقظ من عتمة التاريخ. وقيل في واشنطن كذلك إن تلك النظرية كانت المكتوب المستور خلف كل الحروب الأميركية غير المفهومة للبعض، من كابول إلى بغداد، ومن استعداء طهران إلى دفع الاقتداء باسطنبول.
بعيد 25 يناير، بدا للجميع أن ثمة خياراً آخرَ لأناس هذه المنطقة. خيار أكثر إنسانية وعصرنة وحداثة وآنية واستقبالاً لزمن الما بعد، قبل أن يعود أهل الظلمة والظلم لخنقه، وقبل أن يغطّوا فعلتهم بمحاكمة أشخاص وتأبيد نظام. الذين يدركون سر حركة التاريخ، يخشون اليوم أن يفيق مصري في يوم قريب، مترحّماً على حسني مبارك.

الجمعة، 13 مايو 2011

موقعة السيّد وصفعة المطران بقلم نصري الصايغ / السفير



المطران غريغوار حدّاد
السيّد هاني فحص

لم يكن  لديه ما يدافع به عن نفسه. رجل دين، يتقن الصمت والعزلة والتأمل. إذا نطق همس، وإذا مشى خلته ظلاً خفيفاً، وإذا صلّى، التهم الفقراء كلامه كالخبز.

لم يكن لديه ما يدافع به عن جسده، عندما أقدم واحد من رعاع الدين واعتدى عليه، وهو يهمّ بدخول ستديوهات «تيلي لوميير».

هو رجل دين، يدعى المطران غريغوار حداد، الذي أفضت به جرأته على الاختلاف، وتشبثه بالمحرومين، إلى ترك سدّة المطرانية، بكل ما فيها ومن فيها... يوم ضاقت الكنيسة عليه، خرج إلى الله، فتعرّف عليه المساكين، وعقد عهده الكهنوتي على خدمة الناس. فالله، أكثر كثافة وحضوراً مع الفقراء. المكان الأكثر قداسة، هو الإنسان.
هذا الرجل، اعتدى عليه واحد «رعاعي»، ما ارتجفت يده. قبضته من تعصب وزغل. إيمانه لوثة تكفير. حاضنه عفن متراكم. وما يدافع عنه، عمى في العقل ورمد في الروح.
يومها... لم ينشق حجاب الهيكل... ولا خرجت مظاهرة استنكار. كأننا في وطن يليق فقط، بمن يدمّره ويُحتقر البشر فيه ويقيم للعهر صلواته وابتهالاته، سياسة ومروقاً في الأخلاق والقيم.
تذكرت هذه الحادثة، عندما علمت أن منزل السيد هاني فحص، وعائلته، تعرّضوا لقبضات الرعاع وعصيِّهم وغليظ قولهم. وتذكرت ان أوجه الشبه كثيرة. الأول اختلف معه أهل النفوذ والسطوة في دينه وطائفته، والثاني اختلف معه أهل الحظوة والمقام في مذهبه وسياساته.
وما تحرّك لنصرته غير قلة قليلة. علماً، ان الرجل عَلَمٌ بارز بين أعلام، سيّد في القلم وفي اللغة، ملتزم بالحرية إيماناً، وبالاختلاف نهجاً وبالاحترام سلوكاً. يقيم في أمكنته العصية على الآخرين، يكابد استقلالية، في أزمنة الاستتباع السهل. يعتزل، ولا ينعزل، يجتهد في التواصل، فبينه وبين الآخر، جسور بناها ومشاها، فكان محلّ قبول من الأبعدين والأبعدين، فلمَ تخلَّف الأقربون؟
تذكّرت الرجلين معاً، وشعرت أن انحطاطاً أصاب بلاداً ومؤسسات ومذاهب، إذ، لا يعقل، ان يصاب غريغوار حداد، ولا تثور براءة، ولا تصيح نخبة ولا يتحرك جيل. وإذ، لا يعقل، ان يعتدى على منزل السيد هاني فحص وآل بيته، ولا ترتج بيوت ولا تصدع أقوال ولا يندى جبين.
أنحن ما زلنا على شفير القيم؟ هل انحدرنا إلى أسفل السافلين؟ هل دخلنا الجاهلية الحديثة، حيث لفتوى القبائل سيادة على مقامات العقل والفضيلة والاحترام؟
لا مبالغة البتة، ان بلاداً يعتدى فيها على قديس علماني برتبة مطران ديني متحرر ومبدع وخلاق ومختلف، ويعتدى فيه أيضاً على سيد ديني ومدني له حضور مميز ومختلف، وخارج عن سياقات الالتحاق، ومتحصّن بحرية الرأي والمعتقد.. يخشى عليه من الظلامية السياسية، وهي أشدّ فتكاً، عندما تقترن بالظلامية المذهبية. 
ليس مسموحاً البتة أن ترتفع يد على مواطن عادي. نحن اليوم في زمن الثورة الديموقراطية العربية، في ربيع الحرية، في مرحلة أفول الدكتاتوريات المعتدية والسلطات السافلة. نحن اليوم، نستعيد كراماتنا كمواطنين، وطئتنا أنظمة الاستبداد وداست على حرياتنا ومعتقداتنا ومصالحنا وحقوقنا... فليس مسموحاً أن لا نقتدي بمن حوّل الساحات برلمانات شعبية، تحاسب السلطات وتدينها وتزيلها إن استطاعت، وليس مسموحاً كذلك، أن نستهين بأي إهانة لمواطن... شبعنا ظلماً وخوفاً ومهانة، غصباً عنا. وأن من لا زال يتجرأ على كرامات البشر، أن يكفّ يده ويصون لسانه ويرعوي.
إذا كانت إهانة مواطن عادي جريمة، فكيف الاعتداء على مقامات فكرية وثقافية ومدنية ودينية، جريمتها أنها ليست من «رفاق القطعان»؟
غريغوار حداد، المطران الأحمر. لم تطقه طائفته. رذلته. عزلته. فانتمى إلى بيت المسيح في قانا حيث كسر الخبز ورفع الكأس وبارك قائلاً: خذوا فكلوا... خذوا واشربوا.. ولكم تغذّت أجساد ولكم سكرت نفوس!
ولقد كان السيد هاني فحص، ولا زال، علامة صارخة في البرية اللبنانية، صاحب طريقة، لا يطلب من أحد أن يحتذيها، فلكل طريقته وخياراته. يتعاطى السياسة بحرفة المثقف، ويختار المواقع بمعرفته التامة للنواقص، كبيرها وصغيرها. السيد هاني، هل لهذا السبب، استحق العقاب نبذاً وغمزاً وحطاً فتجرأ الرعاع على استعمال القبضات؟ ماذا يضير المذاهب والطوائف إذا اختلف بعضها مع أكثرها؟ ألم تنته محاكم التفتيش؟ ألم نؤمن أن أمهاتنا ولدتنا أحراراً؟ أما بلغنا سن الرشد السياسي، حيث الخلاف يحلّ بالتي هي أحسن، وتعالوا إلى كلمة سواء... ولو على تباين وتعارض. فما نلتقي عليه، أبلغ مما نختلف فيه؟
سيُقال: المشكلة مشكلة عقار.
إن تصغير المشكلة إلى هذا الدرك، يدلّ على خبث. المشكلة أن القلوب المليانة، معبأة بغريزة الالتحاق. ولا يستوي عندهم من التحق ومن تحرر. تلك ضريبة الحرية. ولكنها ضريبة خسيسة.
أشد ما يؤلم، ظلمُ ذوي القربى.
وأبلغ ما يواسي، ان يشعر من أُلحق به ظلم، أنه ليس وحيداً. لا تتركوهما وحيدين

nsayeghassafir.com




مسيحيّو الشرق في مهبّ النيران العربيّة بقلم هيام القصيفي/ النهار


غياب المواكبة اللبنانية لأخطار التطورات
مسيحيو الشرق في مهبّ النيران العربية
القدّيس شربل


فيما يغرق لبنان في يوميات تأليف الحكومة، تنحو المنطقة العربية في اتجاه متغيرات جذرية تزداد خطورتها يومياً". ورغم ان الانتفاضات الشعبية التي اندلعت في تونس ومصر فاليمن وسوريا كانت متفلتة من بذور طائفية وانحصرت في المطالب التغييرية، سرعان ما فرضت الاحداث "اجندة" مختلفة في اتجاه استهداف الوجود المسيحي، ولا سيما مع بدء المراكز والاعلام المتخصص بث ملفات عن الوجود المسيحي في الشرق، او بالاحرى عن تاريخ هذا الوجود. 
فالحريق الذي التهم كنيسة امبابا، لم يكن العمل الاول الذي يستهدف الاقباط، والاحداث الطائفية في مصر ليست طارئة، وآخرها ما حدث في نهاية عهد الرئيس حسني مبارك، حين هوجمت كنيسة القديسين في الاسكندرية ليلة رأس السنة. لكن حجم الادانات العربية الاخيرة وفي مقدمها تلك الصادرة عن السعودية، والردود الغربية، ومقالات الكتاب والصحافيين العرب، تكاد تكون الاولى من نوعها. وهي تطرح اسئلة عن النار الكامنة في رماد الاحداث العربية، وتنذر بمخاوف جدية عن وضع مسيحيي الشرق.
ولا يمكن عزل الحدث المصري والعنف الطائفي، عن سلسلة احداث بدأت ولم تنتهِ في العراق، حيث دفع العراقيون اثمانا متفاوتة بسبب العنف الذي انفجر بقوة على ارضهم. إلا ان مسيحيي العراق دفعوا ثمنا كاملا قتلا وتهجيرا وتخليا عن وطنهم وممتلكاتهم، وذهبوا في اتجاه دول الاغتراب والمنفى القريب والبعيد الذي صار يضم آلاف العائلات العراقية المسيحية. وحين اعتدي على كنيسة الاسكندرية، حاول الفاتيكان ابداء موقفه لكن مصر سارعت حينها الى رفض التدخل في شؤونها الداخلية. وظل الواقع المصري المسيحي مضبوط الايقاع، الى ان وقعت العملية الاخيرة. وخطورة التطور المصري، رغم مشاركة الاقباط في الانتفاضة على مبارك، انه جزء من حلقات بدأت تطول مسيحيي سوريا ايضا.
وتفيد معلومات موثوق بها، ينقلها عدد من المسيحيين السوريين الآتين حديثا الى لبنان، ان عددا من القرى المسيحية في المناطق الريفية المحاذية لطرطوس وبانياس، تشهد ليليا اطلاق نار وعمليات ترهيب وتخويف يومي. وحتى الآن بدأت العائلات الميسورة من مسيحيي سوريا وتلك التي تربطها صلات قربى بعائلات لبناية، بالمجيء الى لبنان.
ويروي الآتون تجارب مقلقة تعيشها هذه المناطق، لاثارة النظام السوري مخاوف من تطورات تنعكس على البنية المسيحية في هذه المناطق التي تشكل جزءا من وادي النصارى. ودقة ما ينقل، هو انه بعيد عن الحملات الاعلامية لكلا الطرفين المتصارعين في سوريا. فالاعلام السوري ينقل الرواية الرسمية عن مكافحة "الارهابيين"، فيما الجهات المعارضة تنقل روايات ومشاهد متلفزة للمتظاهرين وقمع الامن السوري لهم. صحيح ان الطرفين يتحدثان عن سقوط قتلى من المعسكرين، الا ان كليهما ينأى بنفسه عن الخوض في حديث عن الصراع المذهبي والطائفي الذي تشهده سوريا، رغم ان العارفين بجغرافية سوريا وتقسيمها الاجتماعي يدركون خطورة المواجهات وحساسيتها، حين يكون الامر متعلقا ببانياس او حمص او درعا وادلب، او بعض الاحياء الدمشقية. ويروي زوار سوريا اخيرا ان بعض المؤشرات تعكس بجدية مناخا مقلقا من حدة مذهبية، ينال المسيحيون قسطا منها، ولا سيما ان النظام السوري لا ينفك يشعرهم بأنه وحده قادر على تأمين حماية لهم. 
وقد بدأت اصوات لبنانية مقربة من سوريا تتحدث في هذا المنحى، ضاغطة في اتجاه التحذير من مغبة تفريط العالم الغربي بالنظام السوري خدمة لمشروع اصولي يدفع المسيحيون ثمنه كما حصل في فلسطين، ومن ثم العراق، ومصر اخيرا.
اما في لبنان، فثمة تساؤلات جدية عشية التحضير للقمة الروحية، وبعيدا عن شعارات "حوار الاديان واهمية مسيحيي الشرق"، عن امكان مواكبة لبنان عموما، ومسيحيا خصوصا، لحجم المتغيرات التي تعصف بالدول العربية التي تتغير انظمتها من دون ان يتغير استهداف المسيحيين فيها. وقياسا على التجربة اللبنانية مع المهاجرين العراقيين، التي انحصرت في حفلات ترفيهية لاطفال العائلات العراقية يوم عيد الميلاد، تدور في كواليس المتابعين هواجس حقيقية تبدو القوى المسيحية غائبة عنها. ولا تزال تتعامل مع ما يرسم لمسيحيي الشرق، بأقل مما هو مطلوب، فلا خطة عمل، ولا مواكبة جذرية على المستوى الديني او السياسي، لإمكان حدوث متحولات اكثر حدة، ليس على صعيد الهجرة المسيحية فحسب الى لبنان، انما في التفكير عاليا بما يمكن ان يكون عليه لبنان ومسيحيوه في خضم التحولات. وهذا امر تفتقده قاعة بكركي ومقر قرنة شهوان، فيما السياسيون غارقون في التفتيش عن جنس الملائكة لتولي الحقائب الوزارية. 
هيام القصيفي      


الأربعاء، 6 أبريل 2011

تلّة مار مطانيوس الحدث تعود إلى أهلها/ بيار عطاالله



في الحدت "أرضك هي عرضك"

تلة مار مطانيوس تعود إلى أهلها


من الحدت هذه الايام يفاجأ بالعدد الكبير من اللوحات الاعلانية المرفوعة عند كل ناصية طريق، والتي تدعو الاهالي وبـ"العربي المشبرح" الى عدم بيع اراضيهم وبيوتهم، وفيها: "ما تبيع بيتك وارضك البلدية ما بتوقعلك". وتوقيع البلدية يعني الكثير، فمن دون موافقتها على المعاملات وافادة المحتويات لا يمكن انجاز اي عملية بيع او شراء اراض. ومسألة بيع الاراضي في الحدت مصيرية وحساسة جداً بعدما بيع ثلث المنطقة في ازمنة سابقة، ولم يتبق للاهالي سوى بيوتهم والقليل من حدائقهم تذكرهم بانهم في ارضهم وبين ذكرياتهم.

وفي هذا الاطار اثار الكلام على بيع تلة مار مطانيوس الاستراتيجية شمال الحدت، ضجة كبيرة في المنطقة لما تشكله البلدة من واسطة العقد وركيزة الحضور المسيحي في ساحل المتن الجنوبي، وصعوداً الى قضاءي بعبدا وعاليه. ووجه الخطورة في ما جرى ان مساحة العقارات في تلة مار مطانيوس (40 دونماً) يمكن ان تحدث فارقاً نهائياً وتحولاً ديموغرافياً وجغرافياً لمرة واحدة ونهائية. وشرح رئيس بلدية الحدت جورج عون لـ"النهار"، ان صفقة بيع التلة جرت قبل انتخاب المجلس البلدي الحالي وتوليه مسؤولياته بشهرين. ويبرز اوراق معاملات الصفقة التي تظهر انها تمت بموجب وكالات من السيد ب. ن. الى مجموعة من الاشخاص في 24 آذار 2010. لكن البيع بموجب وكالات لا يكفي بل يحتاج الامر الى التسجيل في الدوائر العقارية، وهذا ما شرع البائعون والشارون في العمل على تحقيقه خلال صيف 2010. 
وتغيرت الامور مع انتخاب البلدية الجديدة، ووضع قضية بيع الاراضي في سلم الاولويات. ويشير عون، الى ان البلدية السابقة برئاسة انطوان كرم لم تنبس بكلمة عن بيع التلة ولا غيرها في منطقة الوروار وسواها. وعندما فشل مشترو تلة مار مطانيوس الجدد في الحصول على افادة من البلدية لتسجيل العقارات المبيعة، تولى امين السجل العقاري في بعبدا تسجيل العقارات المذكورة على اسم المشترين باجتهاد شخصي، واستبدل افادة البلدية بضم "محضر فني عن معاملة اظهار حدود". فعمدت البلدية الى توجيه انذار له مع نسخة الى المدير العام للشؤون العقارية في وزارة المال بشارة قرقفي حملته فيه المسؤولية القانونية عن المخالفة المرتكبة، في مراسلة يبرز عون نسخة منها(...).
يؤكد الاهالي ان تلة مار مطانيوس كانت موضوع درس وعناية وتخطيط من المجلس البلدي وكل المهتمين بتطوير منطقة بعبدا، وانها تشكل المتنفس البيئي الوحيد لمنطقة الحدت وجوارها لما تحتويه من كروم زيتون واشجار صنوبر. لذا بادر المجلس البلدي المنتخب في اولى جلساته في 23 آب 2010 الى اصدار القرار رقم 153 م. ب. الذي قضى باستملاك العقارات التي تشكل تلة مار مطانيوس من اجل تنفيذ مشاريع ذات منفعة عامة، منها انشاء مساكن شعبية للاهالي والشباب المتزوجين وحدائق عامة وملاعب للاطفال وملاعب رياضية وموقف عمومي للسيارات، الى مجمع بلدي للخدمات الصحية والاجتماعية وبيت راحة ومأوى للعجزة بالتعاون مع الوزارات والمؤسسات المعنية، واجتازت الدراسات شوطاً بعيداً نحو انجازها.
والاحد الفائت تولى اكثر من 12 كاهناً في رعايا الحدت من موارنة وروم ارثوذكس وروم كاثوليك وانجيليين واشوريين الوعظ عن اهمية الارض وعدم التخلي عنها، سواء ببيعها او بهجرها.

كتب بيار عطاالله     

السبت، 2 أبريل 2011

الموارنة بقلم سجعان قزّي نائب رئيس حزب الكتائب



مـوارنـة وجـيـش ونـظـام

سجعان القزي
نـائب رئيس حزب الـكتائب اللبنانية

مجلة المسيرة في 27 شباط 2011

أنذكرُ؟ أتذكرون ذاك الدورَ الرائد والطليعي لموارنة لبنان؟ إن تذكَّرناه فلـنُـحْـيه، وإن نسيناه فلنصنـعْـه. في ما مضى، عواملُ متعدِّدة صنعت الدورَ السياسيَّ الأولَ للموارنةِ في لبنان، وأبرزها:
·  أولاً: شعَر الموارنةُ أن جبلَ لبنان هو ملاذُهم، وأن تضاريسَه الجغرافيةَ تشكل بحدِّ ذاتها استراتيجيةً دفاعيةً تحميهم. فأنشأوا فيه بُناهم التحتية ومؤسساتهم الروحية، وجعلوه قاعدةَ وجودِهم ومَـقـرَّ بطريركيتهم ومنطلَق إشعاعِهم. هكذا ابتدع الموارنةُ اللبنانيون معادلةً تكاملية بين التعلُّقِ بالأرض والإيمانِ بالدين، حتى بات الفصلُ بين جبل لبنان والموارنة انتهاكاً لخصوصيتهم وتعدياً على أمنهم وحريتهم ودينهم. ولو لم يتمسك الموارنة بهذه المعادلةِ منذ أواسط القرن السادس، لما نجحوا في تأسيس دولة لبنان الكبير في أوائل القرن العشرين.
·  ثانياً: تخطّى الموارنةُ النزاعَ مع الفتوحات الإسلامية، فحافظوا، رغم اضطهادهم، على انتمائِهم المشرقي الآرامي السرياني اللبناني. وإذ واصلوا خِدمةَ محيطِهم العربي والتجذُّرَ في الشرق، أقاموا علاقاتٍ لاهوتيةً وسياسية وأمنية بالغرب. وبعيداً عن المزايدات، وفّرت العلاقةُ بالغربِ المسيحيِّ حمايةً كِيانية للموارنة عبر تاريخهم القديم والحديث. وبالمناسبة، إن مسيحيّي الغرب هم على دينِ الشرق وليس مسيحيو الشرق من هم على دين الغرب. وما الفاتيكان سوى المقرِّ التاريخي البديل عن أورشليم، المقرِّ التاريخي الأصيل.
·  ثالثاً: اعتمد الموارنةُ نمطَ حياةٍ ارتكز على النقاوةِ الروحية وسياسةِ الإنجاب والانتشارِ الداخلي والعلم. النقاوةُ جعلتهم مثالاً وقدوة، الإنجاب وفّر لهم الأرجحيةَ العددية، الانتشاُرُ وسّع انتماءهم إلى كل لبنان، والعلم أهّـلَهم ليكونوا روَّادَ النهضةِ اللبنانية والعربية.
·  رابعاًً: نَـقَـل الموارنة إلى لبنان مفهومَ "الدولة ـ الأمة" بدل "الأمة الدولة". فالأولى رسَت على القانونِ وحقوقِ الإنسان وحقِّ الشعوب بتقرير مصيرها؛ والثانيةُ على الفتوحاتِ العسكرية ونُكرانِ الآخر ونَـبْـذِ المساواة بين المواطنين. وبَدت الدولة اللبنانية سنةَ 1920، التي رعى الفرنسيون والموارنة تنظيمَها، أوّلَ نَموذجٍ شرقيٍّ وعربي وآسيوي لدولة القانون. هذا يعني أن الميثاق الوطني الذي "أُقِـرَّ" سنةَ 1943، اصطفاه الموارنةُ لدى إنشاءِ دولة لبنان التي وحَّدت ديمقراطياً وتدريجاً حوالي عشرين طائفة مسيحية وإسلامية ويهودية. وحده هذا الإنجاز التاريخي والإنساني والاجتماعي، يكفي لأن يعترف باقي اللبنانيين للموارنة بدورٍ وطني خاص ورائد بِغضِّ النظر عن جداول العدد. فلو لم يُنشِئ الموارنة الدولةَ اللبنانية المستقلة، لما كان يوجد اليوم "مسلمون لبنانيون"، إذ كانت الدولة العربية الكبرى ضمَّتهم إليها وأعطتهم جنسيتها.
·  خامساً: التزمَ الموارنةُ مبدأ الصمود والصبر، والتموضعَ في مسيرةِ التاريخ لا في حركية "الواقع الآني". ساعدتهم هذه الاستراتيجية، المستقاةُ من روح الإنجيل، على تجاوز الصعوباتِ المرحلية والإيمان بالقيامة الوطنية أيضاً. وقد سعى الشعب الماروني المقاوِم دوماً إلى عدم التورّط، بالمقابل، بمغامراتٍ عسكرية انتحارية ضد أي قوة احتلال من زمن البيزنطيين والخلفاء الراشدين حتى العثمانيين. لكن ذلك لم يَردع الموارنةَ عن الاقتتال في ما بينهم على السلطة، وأي سلطة؟!

اليوم سقط مفهوم المـحَمـيَّـة الجغرافية الطبيعية، وضعُـفَت حماية الغرب لأقليات الشرق، وتغيّر نمط حياة الموارنة. بات صعباً على المارونية السياسية أن تحيا من دون مارونيةٍ أخلاقية، وصار قادةٌ موارنةٌ يريدون الهيمنةَ على الموارنةِ وسائر المسيحيين تعويضاً عن عجزِهم عن السيطرةِ على البلاد، فوقعوا في تجربةِ الغرورِ والشخْصَنة والنرجسيّـة والخِداع والعَجرفة والعنجهية والتفرّد والجهل وانفِصامِ الشخصية، فسيطرَ النَـزَقُ على قراراتِ بعضهم والـنَـزوةُ على خِياراتهم.
لم نضع، كموارنة، استراتيجيةَ حمايةٍ ذاتية. راهـنَّـا على الدولة فخَذلَتنا. ولما حاولنا استلحاقَ الأمر وانتظَمْنا في مقاومةٍ عسكرية دفاعاً عن حياتنا ومنعاً لإبادتنا، اُتهمنا زوراً بالتقسيم، ونحن صانِعوا الوحدة اللبنانية. خَجِلنا من تهمةِ الزور، أُحْرجنا، احْـمَرَّت خُدودُنا، وسلَّمنا سلاحَنا علَّ دولةً تقوم وتحمي الجميع، فقامت. قامت دولةٌ تضطهد المسيحيين وتَـقمع شبابهم وتَسجن قادتهم وتنفيهم. لو كان السلاح لا يزال معنا، أو لو كانت الدولةُ قويةً، أكان يجرؤ أحدٌ على رفعِ رأسِه وصوته وإصبعه بوجهنا؟

أظن أن الوقتَ حان لأن يُفكر الموارنةُ بشجاعة بمستقبلهم في لبنان والشرق: كيان 1920 غَرِق تحت موجِ العَدد، وصيغةُ 1943 سقطت تحت سيوفِ الأصولـيّـات بعد أن نزَفت تحت بنودِ اتفاق الطائف. حين كانت لدينا دولةٌ لم يعترف المسلمون بالوطن، وحين اعترفوا بالوطن وَجدنا الدولةَ تودِّع الموارنة. حين كان لدينا دستورٌ عَلماني متوازن يَسمح لللبنانيين أن يحكموا أنفسهَم من دون وصاية، بَحثنا عن وصاية، وحين طاب لنا طَعمُ الاستقلال وَجدنا دستوراً مُـمَـذْهَباً مُختلاً يستدعي وجودَ وصيٍّ ما.
الموارنة اليوم مُهدَّدون بقِلة العدد، بأنانيةِ سياسيِّيهم، بشَحِّ الموارِد المالية، بتَرنُّحِ دورِهم في الدولة، بانحسارِ انتشارِهم في لبنان، بضعفِ الدور الاجتماعي للكنيسة، بالأصوليةِ الإسلامية على أنواعها، بمشروعِ ولاية الفقيه، باختلافِ أنماط الحياة بين المكوّنات المجتمعية، بالتوطين الفِلسطيني، بوجود إسرائيل، بالهيمنة السورية، وبامتداد الثورات التائهة. ويشعُر الموارنةُ أن عليهم أن يختاروا بين ذِمـيّـةٍ داخلية أو وصايةٍ عربية أو حماية دولية، فيما المشروع المسيحي التاريخي هو نقيضُ الحالاتِ الثلاث. إنه يرتكز على وجودٍ مسيحي حر، في مجتمع تعدّدي، متكاملٍ وفي دولة مستقلة. فلا وجودُنا حرّ، ولا التعددية تكاملية ولا الدولة مستقلة.

لا نفضِّل إنشاءَ أمنٍ ذاتي. وليس لدينا ثقةٌ بقدرةِ المؤسساتِ العسكريةِ الشرعية على حمايتنا. إننا نثق بالجيش، لكن نراه لا يملك حريةَ التدخّلِ لوضع حدٍّ لفتنة داخلية. وذلك بحكم صيغتِه، وبفعل جدليةِ التناقضِ في السلطة السياسية الآمرة، وبسبب ملابسات إعادة تكوينه في التسعينات. هذا الشعور ليس تحليلاً أو هاجساً خيالياً، بل هو مبني على تجاربَ امتدت طَوال ستين عاماً: منذ سنة 1952 حتى 7 أيار 2008 مروراً بسنوات 1958 و 1973 و 1975، مع التوقّف عند حربِ الجبل وسقوطِ بيروت الغربية سنةَ 1984.
لو كان جيشُ بلادي قادراً على الحسم، لما أتت القوّات الأميركية سنةَ 1958 والسوريةُ سنةَ 1976 والدوليةُ سنتي 1978 و 2006 والمتعددةُ الجنسيات سنة 1982. لو كان جيش بلادي قادراً على الحسم، لما تفاقمت الحربُ بين اللبنانيين أنفسهم، وبين اللبنانيين والفلسطينيين، ولما فاضت دماء. خلافاً لواقع اليوم، كان جيشُ بلادي في السبعينات أقوى من كل الأطراف مجتمِعين. ولو تَوفَّر له القرارُ السياسي آنذاك لتمكَّن الجيش، ربما، من وأدِ الحرب ـ المؤامرة في مهدِها. لكن الانقسامَ الطائفي في الحكمِ وتدخّلَ قوى خارجية مثل سوريا والسعودية وغيرهِما، كما حصل في أيار سنة 1973، وإسرائيل في خريف سنة 1983، منعا الجيش اللبناني من الحسم.
قيادة الجيش بريئة من هذا الضعف. تشعُر، مثلنا، بالقهر والغبن. لا الوطنيةُ تَنقُصها ولا الشجاعة ولا الإرادة. لكن ضعفَ السلطة السياسية هو الذي يَجني على الجيش. إنها أزمةُ نظام لا أزمةُ جيش. والاستثناء الذي حصل في معركة مخيم نهر البارد سنة 2007، يؤكد هذا الواقع. فما كان الجيش ليخوضَ تلك المعركةَ البطولية ويحسمَها، بما تيسَّر له من سلاح، إلا لأن السلطةَ السياسية كانت موافِقةً والقيادةُ السُنية مقتنعة بالأمر.
هذا الواقع يجب أن يدفعَ بقيادةِ الجيش إلى رفع شكوى للقيادةِ السياسية مَفادها: أننا كمؤسسة عسكرية لا نقبل بأن نبنيَ جيشاً لا يحمي الناس، ولا نقبل التشكيكَ بدورنا ولا بتعطيله. نريد صيغةَ حكمٍ تؤمِّن للجيشِ قدرةَ التدخل. لا نقبل بعد اليوم ألّا نلبيَ حاجة المواطن إلى السلام. لا نقبل أن نخـيِّب أمل المواطن بنا. الشعب يحب جيشه لكنه تلوّع من "حياديته السلبية" إبّـان المحنِ السابقة. لذا، نرفض، كقيادة، استمرارَ أزمةِ المعاناة في الجيش وأزمةِ الثقة بينه وبين الشعب. نريد أن نكون عند حسن ظن الشعب. فنحن جيشُ شعبٍ ودولة، لا جيش طوائف وأحزاب ومناطق.

إن كنا كموارنةٍ نطرح هذه الإشكالية، فلإننا، مع سائر المسيحيين، مُهدَّدون أكثر من غيرنا بوجودنا وأمننا وحريتنا ودورنا الوطني، ولأننا عُـزَّلُ إلا من الإيمان والشجاعة والعزم على البقاء هنا.
لن نَهابُ الدعوةَ إلى تغييرِ هيكلية النظام المركزي للاتجاه نحو حالة دستورية أخرى تؤمِّن للمسيحيين ولسائرِ اللبنانيين مستقبلاً تَحدّه الحريةُ والأمن والاستقرار، لا الحروب والفتن والاضطراب الدائم. نريد أن نبقى هنا نُرى بالعين المجرَّدة ـ بكل المعاني ـ لا بالمِجْهر.
الموارنةُ اليوم، وهم يُحدِّقون بحاضرةِ الفاتيكان، حيث رُفع الستارُ عن تمثالِ شفيعهم مار مارون، يَرَون لبنانَ "صَفْدة" فارغةً من لؤلؤتها، وشجرةً من دون ثمارها، ووطناً من دون رسالته، ودولةً من دون هيبتها، وشرعيةً من دون قرارها، وقادةً من دون وِحدتهم، ومجتمعاً من دون رُقـيِّـه، وأجيالاً من دون آفاق. لكنهم مصممون على مواجهة هذه المرحلة مهما كبرت الصعاب. نحن لسنا أتباعَ من قال: بإيمانكم تنقلون البندقية من كتف إلى كتف، بل أتباعُ من قال: بإيمانكم تنقلون الجبال. سننقل الجبال إلا جبلَ لبنان.