الثلاثاء، 29 مارس، 2011

هل مار مارون مارونيّ بقلم هالة حمصي / النهار


هل مار مارون ماروني؟ السؤال قد يثير شيئا من الاستغراب، او ضحك البعض، لكنه من دون شك يفتح صفحات لوجه "راهب ناسك" كان "فلاحا الهيا"، اشتهر في زمنه وبعده، لسيرة حياته واعماله والشفاءات التي قام بها، بما افضى الى تعارك اهل منطقته على جثمانه بعد موته، أَرَّخ له احد معاصري تلك الحقبة الزمنية.  
في الزمن الذي نشأ فيه مار مارون، كانت الحغرافيا السياسية للمنطقة التي عاش فيها، وتحديدا سوريا، مختلفة جدا عما هي عليه اليوم. "فسوريا الشمالية قسمت اداريا آنذاك ثلاثة اقسام: سوريا الاولى او الجوفاء وحاضرتها انطاكيا، سوريا الثانية او الطيبة وحاضرتها أفامية، وسوريا الثالثة او الفراتية وحاضرتها هيرابوليس او منبج. وتقع قورش، او قورس، المنطقة التي عاش فيها مارون، غرب سوريا الفراتية، وشمال سوريا الاولى، على نحو "مسيرة يومين" من انطاكيا الى الشمال الشرقي، وعلى نحو 70 كيلومترا من حلب الى الشمال الغربي. وكانت ارضا منبسطة في شكل واد فسيح تحيط بها جبال قليلة الارتفاع وقمم متتابعة لا تتجاوز علياها  800 متر...". 
ولمزيد من التوضيح، فان سوريا كانت تعني "المكان الذي كانوا يتكلمون فيه السريانية، وفي انطاكية كانوا يتكلمون اليونانية والسريانية"، يشرح الاستاذ في كلية التربية في الجامعة اللبنانية الدكتور في الآداب والعلوم الانسانية الخوري ناصر الجميل لـ"النهار". وما جذور اسم القديس مارون سوى انعكاس واضح لتلك البيئة التي عاش فيها. فـ"مارون اسم سرياني ورد بصيغة التصغير من مار، ومعناه السيّد"(1).
البحث في حياة مارون يصطدم بشح في المعلومات. فاول ذكر له ورد في رسالة بعث بها القديس يوحنا الذهبي الفم من منفاه في مدينة كوكوزا –ارمينيا نحو العام 404-405، الى "مارون الكاهن الناسك"، سائلا اياه ان يذكره في صلواته. وبعد نحو ربع قرن، جاءت شهادة اسقف قورش ثيودوريتوس(2) (423-458) لتشكل مرجعا اساسيا لتكوين صورة عن القديس. "زينة في خورس القديسين الإلهيين، معلم نساك القورشية وابوهم، الزارع لله في جوار قورش..." بهذه التعابير وغيرها وصفه، واخبر عن ميزاته ومواهبه الروحية والشفائية الالهية
ماذا يعرف عنه ايضا؟ 
- يرجح انه ولد في منتصف القرن الرابع، نحو العام 350. ولا شيء مذكور عن والديه او اخوته، او نشأته وتعليمه. "لا نعرف اي شيء عن عائلته، وما اذا كان تعلم في الجامعات الانطاكية آنذاك. كل ما نعرف عنه انه كان راهبا ناسكا. وتحديد الراهب هو الساعي نحو الكمال المسيحي"، يقول الجميل.
- يختلف المؤرخون حول منشأ مارون، بين قائلين انه ولد في قورش- لا في جوار انطاكيا- وانه مات فيها، وفقا للاب لامنس، بينما يعتقد آخرون ان ولادته كانت في زبد، في جوار معرة النعمان في سوريا او في قنسرين (دراسة تاريخية للاب بطرس ضو).
- اتخذ مارون له، وفقا لثيودوريتوس، "رابية... حيث كان هيكل للشياطين، فحوّل ما فيه الى عبادة الله، ثم ابتنى لنفسه صومعة حقيرة يلجأ اليها في ظروف نادرة". غير ان كلام ثيودوريتوس افتقر الى معلومات جغرافية دقيقة، فلم يحدد في اي جزء من قورش تنسك مارون، ولا اي رابية اختارها لصومعته.
- يختلف ايضا المؤرخون حول المكان الذي تنسك فيه مارون: الاب لامنس حدده بانه "كان على احدى تلك القمم في منطقة قورش، وتحديدا في الجبال المتسلسلة جنوب شرق قورش على طريق حلب". غير ان المطران بطرس ديب يجعل المنسك على "جبل في منطقة افامية في سورية الثانية". وثمة مؤرخون يقولون ايضا ان "مكان منسكه يدعى اليوم جبل سمعان، وآخرون يشيرون الى منطقة قريبة منه تدعى البارسا - داغ، وكانت تحوي تلالا يدعى القسم الاكبر منها جبال نابو"(3).
- توفي مارون العام 410، قبل 13 عاما من تولي ثيودوريتوس (393) اسقفية قورش. ويكتب الاسقف ان مارون توفي، "بعدما انتابه مرض بسيط اودى بحياته". ويشير الى قيام "نزاع شديد بين القرى المجاورة رغبة في الاستيلاء على جثمانه. وكانت على الحدود بلدة كثيرة الرجال اقبلت باسرها وبددت الآخرين وانتزعت منهم ذلك الكنز المرغوب فيه، فشيدوا له عندهم مقاما فخما... وهم منذ ذلك الوقت يكرمون هذا المظفر العظيم بمهرجان شعبي". وتلك البلدة كانت براد الواقعة جنوب قورش.  
مكرَّم الكنيسة الجامعة
 في توصيف اضافي، "كان مار مارون من الامبراطورية البيزنطية الشرقية التي عاصمتها بيزنطيا... كان من كنيسة انطاكيا"، يقول الجميل. واذا كانت السريانية اللغة المتداولة في زمنه، فان الطقوس الكنسية التي مارسها كانت "طقوسا كنسية انطاكية، تقليدا انطاكيا مشتركا. ويمكن ايجادها اليوم عند السريان والروم الكاثوليك والموارنة والروم الارثوذكس، الذين هم جميعا انطاكيون. ففي فلسفة الطقس، اكان بيزنطيا ام سريانيا، كانت هيكليته عينها، مع بعض الطعم المميز لكل مجموعة، اكان في القداس ام الرتب ام الصلوات"، يشرح.
امر آخر يميز شخص القديس مارون، ويجمع حوله مختلف الكنائس الانطاكية، لاسيما في السؤال عن انتمائه الكنسي والروحي: هل كان ارثوذكسيا ام سريانيا ام مارونيا ام كاثوليكيا؟... والتأكيد الماروني في هذا المجال ان "مارون هو قديس الكنيسة الجامعة، اذ لم تكن الانشقاقات الكبرى في الكنيسة حصلت بعد على ايامه. انه مكرم لدى كنيسة انطاكية، وهو من التقليد المشترك لكنائس انطاكيا"، يقول الجميل. ويذهب الى ابعد، الى القول "ان مارون لم تكن له حتى علاقة بتأسيس الكنيسة المارونية، اذ من بعده جاء تلاميذه ورهبان اتخذوا منه قدوة وعاشوا على طريقته، وسمّوا انفسهم "رهبان بيت مارون"، واسسوا ادياراً كثيرة حملت اسمه". الكنيسة المارونية تحتفل بعيد "ابيها" في 9 شباط من كل سنة.
وحتى موقف الكنيسة الارثوذكسية الانطاكية، التي تعيّد لتذكار القديس مارون في 14 شباط من كل سنة، واضح. "مرجعها الوحيد" لسيرة مار مارون، وفقا لسنكسار "كتاب سير القديسين" الكنيسة الأرثوذكسية للارشمندريت توما بيطار، هو ايضا ثيودوريتوس اسقف قورش. وصفة "القديس الجامع للكل" ترسو عليه بامتياز.  يقول المدرّس في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي – جامعة البلمند الأب بسام ناصيف ان "مارون ينتمي الى الكنيسة الجامعة، وليس حكراً على جماعة مسيحية من دون اخرى، اذ توفي قبل زمن الانشقاقات الكبرى في الكنيسة. وهو ابن هذه المنطقة التي تضمها كنيسة انطاكية وسائر المشرق".
والتكريم الذي تخص به الكنيسة الارثوذكسية مار مارون خاص، "وتمدحه في صلواتها"، على قول ناصيف، "مرتلة له الطروبارية الآتية: "لقد أذبلتَ تلذُّذ الجسد، بما يطابقُ اسمكَ يا مارونُ المتوشِّحُ بالله، فظهرتَ إناءً مصطفى للروح. فأنت توزِّعُ للجميع مواهبَ شفاءِ الأجساد والنفوس. لذلك نكرِّمُ تذكاركَ الشريف، هاتفين: المجدُ لمن وهبكَ القوَّة، المجد للذي توَّجكَ، المجدُ للفاعلِ بكَ الأشفية للجميع".

(1) كتاب "مار مارون" – فؤاد افرام البستاني - دار المشرق.
(2) كتاب "تاريخ اصفياء الله".
(3) "ناسك القورشية" - الخوري انطوان الدويهي - المكتبة البولسية

الاثنين، 21 مارس، 2011

عن بكركي والبطريرك الراعي بقلم هيام القصيفي/ النهار

بكركي في مرحلة تاريخية لرسم دورها الوطني مع البطريرك بشارة الراعي

تحديات التنظيم ودور الانتشار الماروني والتزام الشرعة والمجمع الأخير



لا تعكس السكينة التي خلدت اليها بكركي بعد احتفالية انتخاب البطريرك الجديد مار بشارة بطرس الراعي، واقع الحال الذي تعيشه الكنيسة المارونية هذه الايام. ولم تلغ الاحتفالات الاسئلة التي تدور في اروقة الكنيسة علمانيين واكليروسا عن دور بكركي الجديد في ظل التحديات والانتظارات التي يصبو اليها الموارنة. ولعل اعلان خليفة البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، وفي حضوره، انه سيزور سوريا، كان اول الاجوبة عن الاسئلة السياسية،  لكنه ليس حكما خاتمة الاجوبة عن سلسلة من الاسئلة الوطنية والكنسية، وورشة العمل الجديدة لاستكمال تنظيم الكنيسة المارونية.

 والاعلان عن زيارة سوريا وضع حدا للتساؤلات عن الدور الذي رسمه الكرسي الرسولي لبكركي عبر سفيره في لبنان بعد 25 عاما من الاستقلالية ومن ارتفاع شأنها على يد صفير كنسيا ووطنيا، واي مثال يريده الفاتيكان لمسيحيي لبنان، بعدما حافظ عليهم وسط تشرذم مسيحيي الشرق وخضوعهم لسطاتهم المدنية كما في سوريا. وينقل احد المسؤولين السياسيين الذي يلتقي دوريا السفير البابوي في لبنان غبريالي كاتشا والدوائر الفاتيكانية انه يفاجأ دوما بالاشادات التي يغدقها هؤلاء على وضع مسيحيي سوريا مقارنة مع وضعهم في العالم العربي، ولبنان من ضمنه.

والمفارقة ان تكون السياسة هي التي تناولت موقع الراعي وبكركي المستقبلي لا التحديات الكنسية،  بعد سؤال اولي تداولته الصالونات الشعبية والسياسية، هل الراعي مع قوى 14 او 8 آذار؟ وهل هو مع العماد ميشال عون او مع الدكتور سمير جعجع؟ وهل المشهد "الاحتفالي" الذي دفع بالرئيس نبيه بري والحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث وسفير سوريا في لبنان الى زيارة بكركي، كان سيكون نفسه لو انتخب المطران يوسف بشارة بطريركا، على ما دلت عملية البوانتاج الاخيرة عشية التفاهم – او الارادة الفاتيكانية، او كما يحب مؤيدو الراعي تسميتها ارادة الروح القدس؟.
 والاسئلة السياسية مشروعة بعدما شعر فريق سياسي بانه "انتصر" بمجرد ان قدم "بطريرك الاستقلال" استقالته، ورفع السفير البابوي تزكية لتقرير سبق لسلفه ان رفعه، مفضلا ابعاد احد المطارنة الاقوياء لانتمائه الى خط صفير نفسه، على ما يؤكد احد زوار الفاتيكان الذين قرأوا التقرير.
لا شك في ان التحديات الكبيرة التي وضعها الراعي لنفسه سياسيا ستكون كبيرة. وقد اكدت مصادر كنسية رفيعة  لـ"النهار" ان الراعي تعهد قبل انتخابه تنفيذ مقررات المجمع الماروني، ويعني بذلك الوثائق السياسية والاجتماعية والكنسية وكل بنودها. وهذا في ذاته التزام واضح لمسار سلفه صفير في السياسة العامة للكنيسة. لكنه ايضا تحد كبير،  لانه بحسب اوساط رهبانية قريبة منه، فان الدور الجديد الذي يفترض ان يضطلع به مبني على الارشاد الرسولي القائم على ان لبنان بلد الرسالة والحوار والنموذج اي الانفتاح والشراكة مع الآخرين في ظل التحديات التي تواجهه في محيطه، ولا سيما الاصولية . وزيارة سوريا في هذا الاطار تدخل ضمنا ضمن مشروع الحوار من اجل لبنان الذي يحلم به الفاتيكان. فصفير، وفق خبير في الشؤون الكنسية، لم يزر سوريا تماشيا مع معركة السيادة التي بدأها،  لكن الظروف اليوم مغايرة وسوريا لم تعد في لبنان وتحديات الراعي مختلفة في هذا الاطار
أما التحديات الكنسية فكثيرة، واهمها إعادة تهدئة النفوس الرهبانية، والتوفيق بين الدورين الرهباني والابرشي، واعادة التوازن والاستقرار الى الاكليروس الابرشي. فالفرحة التي عمت الرهبان الذين اموا بكركي بالعشرات بعد عملية الانتخاب،  لا تعكس فرحا بانتخاب راهب على كرسي انطاكية وحسب، انما ايضا ترسم مرحلة جديدة بعد "الاجحاف" الذي اختبره الرهبان في حقهم بابعادهم عن كرسي انطاكية لاكثر من مئة عام، وصولا الى تعزيز حصتهم في مجلس المطارنة الجديد الذي ينتخب ثمانية اعضاء منهم في حزيران المقبل. والثمانية المستقيلون بينهم سبعة مطارنة ابرشيين (المركز الثامن شغر بانتخاب الراعي)، والرهبان بدأوا يعدون العدة لتحقيق معادلة جديدة تقلب ميزان مجلس المطارنة الذي قال الراعي عنه انه ستكون له الكلمة الفصل في القضايا المصيرية، ليرتفع عدد المطارنة الرهبان على حساب حصة المطارنة الابرشيين.
والتحديات الاخرى كثيرة، منها استكمال اللائحة الطويلة من انجازات صفير، ومأسسة الكنيسة وتنظيم بكركي مؤسساتيا واحداث تغيير جوهري في عملها التنظيمي، بعيدا عن الاستهدافات، والتعامل مع الابرشيات بحيث لا تصبح جزيرة منفصلة عن الكنيسة الام.



متري: الكنيسة وتجديد نفسها 
يقول الوزير طارق متري الذي رافق مسيرة بكركي مع صفير الذي عرفه منذ عام 1977: "انظر الى دور البطريرك الجديد رئيساً للكنيسة المارونية قبل ان يكون صاحب اي دور آخر، ودوره الكنسي اهم من الادوار الاخرى. والكنيسة المارونية منذ قيام المدرسة المارونية في روما تواجه دوما مسؤولية تجديد نفسها، لمصلحة المسيحيين في العالم العربي. والمجمع الماروني صاغ توجهات الكنيسة وخططها للعمل بما يسمح لها بأن تجدد نفسها في خدمة الجميع. والبطريرك الماروني اضافة الى انه رأس الكنيسة، صاحب دور وطني، ولا يخفى على اي مؤرخ الدور الذي اضطلع به الموارنة بقيادة البطريرك الماروني في تكوين لبنان الذي نعرفه واعطائه عددا من الميزات، ولا سيما لجهة الحرية والحداثة تحديدا. وما يسمى الدور الوطني للبطريرك ينطلق من مسؤوليته للحفاظ على لبنان وميزاته. وبطاركة لبنان وعلى رأسهم صفير عملوا على الحفاظ على ميزاته ودرء أخطار تفتيته وانهياره، ولكن دوما بمنطق ميثاقي. ولم تكن مرة مواقفهم منعزلة عن جميع اللبنانيين مسيحيين ومسلمين. والحساسية الميثاقية وخصوصية لبنان طبعتا مسيرة البطاركة الكبار".

وهل المشهدية الاخيرة في بكركي لحلفاء سوريا في تهنئة الراعي واعلانه زيارة سوريا تشكل تغييرا في المشهد الذي يمكن ان تقدمه بكركي،  يجيب متري: "اعتقد ان ثمة مبالغة في تسييس المسائل وتفسيرها واعطاء مسائل صغيرة الأولوية. فالراعي اولا رئيس كنيسة ويكمل مسار البطاركة التاريخيين، اما الباقي فتفاصيل. فهو يمكن ان يزور سوريا متى يشاء. الموضوع لا يحتمل مبالغات في تفسير دلالاته. فدور بكركي الانفتاح واستقبال الزوار من كل المذاهب والاتجاهات، وهذا لم يكن يوما غريبا عليها. وهنا يجب  الا ننسى دور الموارنة وخصوصيته في لبنان والعالم العربي والنهضة العربية. وهم كان لديهم دوما دور عربي لا يتناقض مع لبنانيتهم. والبطريرك صفير وهو بطريرك المصالحة، كان حريصا على الا يكون دفاعه عن الموارنة فوق مصلحة لبنان. وهذه خصوصية البطاركة الكبار، واعتقد ان الراعي يفكر بالطريقة نفسها،  فالولاء للبنان لا يعني التقوقع والانعزال عن العالم العربي". 

ويختم متري مشدداً على ان الاشكالية كانت دوما بين "دور البطريرك في قيادة شعبه وان يقول كلمته وفق ما يرتئيه في الشان الوطني مثلا، وعلى الآخرين السير بتوجهاته لا ان يكون حكما بين الافرقاء ويعمل على تقريب وجهات النظر السياسية. وانا اؤيد النظرة الاولى لدور البطريرك".


ماضي: الانتشار وجمع الموارنة
أخذ الكلام على الانتشار الماروني حيزا كبيرا في حديث البطريرك الجديد، فيما جرى الحديث عن الدور الذي اضطلع به مطارنة الانتشار في ايصال الراعي الى السدة البطريركية.

يتحدث الرئيس العام لجمعية المرسلين اللبنانيين الاباتي ايلي ماضي الى "النهار" عن علامات الازمنة في اختيار البطريرك الجديد، وعن عمل الجمعية البطريركية "في الانتشار الماروني الذي ركز عليه الراعي في معظم احاديثه لاحياء الروح الرسولية" فنعمل جميعا، كل واحد في مجاله يدا واحدة لنجمع الموارنة تحت راية كنيستهم وبطريركهم وعيش الروحانية المارونية الانطاكية الشرقية، ونحافظ على وجودنا ومستقبلنا في البلد. كلنا نعرف ان للانتشار دورا كبيرا في الدعم الاقتصادي للبنان ففي كل عام تصل 8 مليارات دولار تحويلات الى العائلات اللبنانية". 

يعتبر ماضي ان "الحشود التي امت بكركي تشعر الراعي انه "يحمل حملا كبيرا، وليس امرا سهلا ان تؤم بكركي وفود شبابية وطالبية تحمله مسؤولية كبيرة يجب الا يستهين بها أحد. ونحن نصلي له كي يعطيه الله النعمة والقوة والحكمة. فهذه الوفود تقول له انت الخلاص. لان ذلك هو دور بكركي التاريخي،  ويشعر الناس بانهم ارتاحوا وتنفسوا".
وهل كان هؤلاء يشعرون ان ثمة مشكلة مع بكركي سابقا،
يجيب: "ليس الامر على هذا النحو. ولكن كل تجدد يحمل معه امورا مختلفة. لقد انتخب بطريرك جديد، وكل تغيير مفيد. هذه سنة الحياة".
ولماذا الشعور بأن ثمة تياراً غلب وتياراً خسر في انتخابات الراعي، يقول ماضي: "اطلاقا. كان ثمة اجماع عليه. وهو شكر في كلمته اصحاب السيادة وعلى المحبة التي قوبل بها. والمجمع كان مميزا. ربنا اختاره بطريركا كما اختاره سابقا راهبا ومطرانا. وهذه علامة لنا نحن المسيحيين إكليروسا قبل العلمانيين، ان نكون واحدا. وقد تكون السرعة التي حصل فيها الانتخاب، علامة من الله للوحدة والتضامن والمحبة بين العلمانيين من اجل توحيد كلمتنا. فالافكار كثيرة وكل واحد لديه توجه، لكن كما كان يقول البابا يوحنا بولس الثاني " الوحدة في التنوع". والبطريرك الراعي شدد على الشركة والمحبة".
ويحدد ماضي تحديات الراعي ودور بكركي تباعا "كنسيا واجتماعيا ووطنيا
والبطريرك الراعي شارك في السينودس من اجل لبنان وفي المجمع الماروني ومهمته متابعة هذين المجمعين ووضع ما فيهما موضع التنفيذ، بحكمته وديناميته". ويقول: "ما يجب ان يتحلى به المسؤول الكنسي هو التدبير والتعليم والتقديس. اي ان يعرف كيف يدبر الامور ويوجه ويعلم، ويعرف أن يقود شعبه نحو القداسة. وهذه الامور تجمع المواضيع السياسية والاجتماعية، وكلها تحتاج الى حكمة. الزمن اليوم زمن الروح القدس وهو الذي يعمل".
عمليا كيف يترجم عمل الروح القدس؟ يجيب ماضي: "الكلام الان عن التجدد في الكنيسة على مستوى الافراد والاكليروس ونوع من المصالحة مع الذات وتجديد مؤسساتنا وتنظيم انفسنا. ولا ننسَ ان الكنيسة هي كنيسة الفقراء. ونحن نعرف وضع شعبنا واللبنانيين عموما. فالحاجات كثيرة ومؤسساتنا الاجتماعية في حاجة الى تفعيل، وهذه من انتظارات شعبنا".
اما عن الدور الوطني لبكركي فيذكّر بأنها "من مؤسسي الكيان. والبطريرك الراعي كان واضحا حين تحدث عن الدور الوطني وعن زيارة سوريا والابرشيات الثلاث فيها . وهذا تحد كبير يخوضه ولكن في النهاية هذه حياته وطريقه كما مار بطرس الذي انفتح على العالم. المسيح لم يدع لليهود وحدهم، بل للجميع. هناك في سوريا ايضا شعبه. ولا ننسَ ان كلامه المهم هو اجماع مجلس المطارنة لاعلان مواقف موحدة من القضايا الرئيسية".

زيدان: تحديات الانتظارت
يقول المدير العام للمركز الماروني للتوثيق والابحاث المونسنيور كميل زيدان: "نحن الشرقيين لدينا نزعة لتأليه المسؤول، ونعتقد انه قادر على كل شيء. والخوف الكبير ان تتحول هذه الانتظارات الكبيرة من المسؤول بسرعة خيبة امل. ولذلك فالتحدي الاكبر ان يكون البطريرك الجديد قادرا على التجاوب مع انتظارات الناس وموجات الفرح التي عمت مجتمعنا".

اما التحدي الثاني، فان تعود الكنيسة لتصبح بوصلة مجتمعها،  بعد الاشكالات الكبيرة حول سلم القيم الضائعة في شكل رهيب على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاخلاقية. فهل الوجه الشعبي للبطريرك قادر على ان يعيد الناس الى خط خيارات واضحة تعيد تصحيح سلم القيم؟

التحدي الثالث هو ورشة التنظيم العلاقة بين الرهبان والاسقف الابرشي، وهذا جزء من مشكلة هيكلة الكنيسة وتنظيمها. كثيرون يحلمون بان تصبح بكركي منظمة على مثال الفاتيكان. فهل البطريرك الجديد قادر على ان يجمع حوله اشخاصا يستطيعون ان يقوموا بهذا العمل، ويتخطى كل الصراعات الموجودة في الكنيسة والاشخاص الطامحين الى مواقع، ويختار من هم مستعدون للعمل بنفس مسيحي وكنسي، ويبني حقيقة في الهدوء والظل، وليسوا معرضين لتجربة المال وحب الظهور والسلطة، وهي التجارب التي تعرض لها المسيح؟".
 بعدما وضع الفاتيكان يده على الرهبانيات في التسعينات هل ثمة خوف على تأثير فاتيكاني على بكركي، يقول زيدان: "اجيب عن السؤال بالابتعاد عنه الى حد ما. اعتقد ان احد التحديات هو الحضور الماروني في الدوائر الفاتيكانية في ظل سؤال اساسي عن وضعنا هناك ومن لدينا في الفاتيكان ومن يعمل فيه؟ اذا لم نكن حاضرين فلن يكون لدينا اي تأثير. وأمنيتي ان يكون لدينا استراتيجية واضحة لهذا الحضور في الفاتيكان.
ثم، ان غبطته رجل قانون ويعلم اكثر من غيره ان القوانين انطلاقا من نص المجمع الفاتيكاني الثاني تعطيه حماية لاستقلاليته. والخطر من وضع اليد،  يكون اولا بالدفاع عن حقه من خلال القوانين والانظمة المرعية الاجراء في الكنيسة الجامعة والعمل على حضور فاعل اقوى في الكنيسة الجامعة والادارة العامة للفاتيكان. وفي الوقت نفسه العمل جدي وحثيث مع سائر البطاركة الشرقيين  لتحديد موقع البطاركة في الكنيسة الجامعة، وخصوصا السلطة على رعاياها خارج النطاق البطريركي في بلاد الانتشار . وبعد المجمع الفاتيكاني وما صدر حول الكنائس الشرقية، نأمل فعلا وليس قولا الحفاظ على التعددية في الكنيسة. وبما ان الوضع الامني والسياسي والاقتصادي يهجر المسيحيين من المنطقة، فهل ننتظر ان يصبح لدينا بطاركة من دون شعب ومن دون مؤمنين؟ فهل بذلك نحافظ على التعددية في الكنيسة؟ اذا اردنا ان نحافظ على مسيحيي الشرق فيجب اعادة النظر في دور البطاركة الشرقيين وحقهم في الولاية على ابناء رعاياهم.
أما عن العلاقة مع الرهبانيات، فأقول مع انطوان دي سانت اكزوبيري، الصداقة الحقيقة ليست ان يتطلع الواحد الى الآخر بل ان يتطلعا معا الى هدف واحد. لن نتخطى مشكلتنا اذا كنا نتطلع الى قضايا داخلية ومصالح خاصة. والقيادة الروحية هي الاساس عند البطريرك الجديد، فهل هو قادر من خلال الرؤية البعيدة على ان يجعل الجميع يتخطون الصراعات الصغيرة بين بعضهم البعض، سواء بين الاساقفة والرهبان او الكهنة والرهبان او السياسيين ذاتهم".
لبكركي دور سياسي "كما يقول زيدان "شئنا ام ابينا،  وغبطته كان من المشاركين الاساسيين في صياغة شرعة العمل السياسي التي صدرت عن المركز، والتحدي هل هو قادر على ان ينقل النص المرجعي لكنيستنا المارونية الى حيز التطبيق بعدما وصل الى مركز القرار، وان يوظف ايجابا العطف الذي اخذه انتخابه حتى يغير فعليا؟ وهل هو قادر على ان يستقطب الناس حتى لا يضيعوا بين 8 و 14 آذار ويكون خطابه ارفع من الخطابين؟
اما بالنسبة الى سوريا فالقصة ليست قصة ذهابه اليها، وهو كان يلقي محاضرات فيها وفي العراق. ولكن هناك تحد آخر محلي، ماذا نفعل بقضية السلاح وبالمحكمة؟ ما هو موقف الكنيسة من القضيتين اللتين رفعتهما 14 آذار في وجه 8 آذار؟ ما هو موقفها من الضغوط الخارجية على لبنان؟ في تاريخنا البطريركي، كان لدينا بطاركة كبار اتخذوا مواقف جريئة، ولكننا نعرف انهم تعرضوا ايضا لضغوط كبرى. والتحدي هو ان يعرف كيف يحافظ على علاقة مرنة مع الجميع والا يساوم في الوقت ذاته على الخيارات الاساسية. البطريرك صفير لم يكن شعبيا في نظر البعض لكنه كان حكيما وصلبا ولم يساوم رغم كل الضغوط التي مورست عليه".  

الخميس، 17 مارس، 2011

في التعامل مع البطريرك الجديد بقلم إيلي الحاج/ النهار

لا أحد سيكون قادراً على التعرض للبطريرك الماروني الجديد بشارة الراعي. بصرف النظر عن مواقفه المتطابقة في القضايا الوطنية الكبيرة مع مواقف سلفه البطريرك الكبير نصرالله صفير، ما تغيّر وسيتغيّر أكثر هو الأسلوب وتأثيره ليس بقليل. والرجل هوالأسلوب

البطريرك الجديد يحمل في شخصيته مواصفات القائد والنجم الشعبي. خلافاً للبطريرك الكاردينال صفير الذي أجبرته الظروف اضطراراً على إعلان مواقف وطنية واضحة كانت لها ترجمة سياسية تاريخية، لكن الصفة التي غلبت عليه طوال ربع قرن أنه راع كنسي وَرِع لطائفته. صفير يعلن رأيه ببساطة ويترك مجالاً للإلتباس الخلاق فعلاً. يدوّر الزوايا في أحاديثه، يترك المجال واسعاً للأخذ والرد، ويعفّ عن الرد إذا تخلل اسفافٌ كلام من يتوجهون إليه. الراعي يختلف في خلفية مقاربته للسياسة وفي الطريقة. "سيصعد إلى زعامة الطائفة بسرعة"، يقول بعض عارفيه القريبين منه. ويضيفون: "بالمعنى السياسي قد يهدد مباشرة زعامتين كبيرتين عند الموارنة. هو ذو كاريزما قادر على أن يواجه إذا لزم الأمر وبطريقة حاسمة، سياسياً شعبوياً مثل النائب الجنرال ميشال عون، وسياسياً برغماتياً مثل الدكتور سمير جعجع. يستطيع البطريرك الراعي أن ينتزع ممن يفكرون في توجيه الإنتقاد غير البنّاء إلى بكركي وسائلهم والذرائع وحتى أفكاراً يعتبرونها في رصيدهم، ويستخدمونها في محاربة بعضهم البعض". 
الراهب شربل القدّيس
المعنى أن التعامل مع البطريرك الجديد سيكون مسألة دقيقة وحساسة. والسياسيون الموارنة الذين يخالفون توجهات بكركي الوطنية  سيترحمون على أيام بطريركية صفير، إذا لم يتكيّفوا مع الواقع الجديد ويغيّروا في الشكل والمضمون ويعدّوا إلى ألف، وليس إلى عشرة أو مئة فقط، قبل توجيه كلام تحدٍ إلى البطريرك الجديد ومخاصمته كما فعلوا مع سلفه. فليذكروا أنه لوّح لهم وهو بعد مطران بـ"الحرم الكبير" إذا واصلوا تهجمهم على البطريرك بسبب وبدون سبب، بمناسبة وبدون مناسبة. كذلك على من يسيرون في توجهات بكركي أن يتواضعوا ويتكيفوا   مع حقيقة أن الزعامة الكبرى التي لا نزاع عليها والتي كانوا يتطلعون إلى اكتمال نواصيهم بين أيديهم يوماً، سواء بسقوط خصومهم تدريجاً - بسبب من خسارة رهانهم على خط سياسي أو ضمور حضورهم السياسي الشعبي - هي زعامة لن تؤول إليهم بل إلى سيّد بكركي المحدّث الذي يحمل رؤية مستقبلية، ذي الشخصية الهجومية التي لا تترك مجالاً لمساومات أو مهادنة.
لماذا عون وجعجع؟ يعتبر الراعي، على ما ينقل القريبون منه، أن انقسام المسيحيين بين "قوات" وعونيين كانت له نتائج سلبية جداً على موقعهم وحضورهم ووزنهم في لبنان، وأن العناد والمثابرة المستمرين في إشاعة أجواء التباعد بين مؤيدي الجانبين يحولان دون عودة المسيحيين إلى دورهم الطبيعي، وأن مسيرة تقويم المسار في لبنان تبدأ من معالجة هذا الوضع. جديرة بالتأمل هنا أجوبة البطريرك على أسئلة وجهت إليه خلال برنامج تلفزيوني (في الـ"أم تي في") قبل انتخابه بأيام. سئل عن نظرته إلى جعجع فأجاب بأن "مواقفه أحياناً غير بنّاءة". وعن عون: "يعتقد أنه وحده يمتلك الحقيقة، ولا يستمع إلى أحد". 
النصيحة الأخيرة إلى من يستعجلون زيارة البطريرك الراعي لسوريا ويزينونها بأنها عودة إلى الجذور في براد وغيرها. كان سلفه صفير يجيب علناً عندما يُسأل "نزورها عندما تصبح الزيارة مفيدة". وهذا موقف مبدئي.  وفي غير العلن يقول إن 75 بطريركاً من قبله لم يقوموا بهذه الزيارة، فليقم بها من يأتي بعده إذا شاء. أما الراعي فيقول إنه لن يقوم بهذه الزيارة إلا متى أصبحت الظروف لا تشكل خطراً على سيادة لبنان واستقلاله. وهذا موقف أكثر من مبدئي. إنه متشدّد

الأربعاء، 16 مارس، 2011

المعجزة المارونيّة بقلم ساطع نور الدين/ السفير




انتخبت الكنيسة المارونية بطريركها. الخطوة بحد ذاتها جذابة. أن يخرج الزعيم الروحي للطائفة المارونية من صناديق الاقتراع، بعد عملية معقدة، تستبعد فكرة الاحتكام الى القوانين الالهية، ويخضع المؤسسة الدينية العريقة للقوانين الوضعية، السياسية التي يختزلها المنصب الجامع بين ما هو زائل وما هو ازلي. 
ليس الانتخاب استثناء كنسيا لا في لبنان ولا في اي مكان يعيش فيه مسيحيون مؤمنون. هو ميزة على المسلمين الذين كانت تجارب اختيار زعمائهم الدينيين نادرة عبر التاريخ، تخترق عرفا وتقليدا قديما يقضى بان يكون الامام، الشيخ او السيد، وكيلا مدى الحياة ومرجعا بعد الممات، حتى ولو كان عمره مليئا بالخطايا، ولو كان ارثه خاويا من اي أثر. الثورة المصرية تضغط هذه الايام في اتجاه احياء ذلك السلوك وتلك التجربة العريقة في المؤسسة الاسلامية الاعرق بأن يكون اختيار شيخها بالتصويت لا بالتعيين ولا حتى بالتكليف، فيتجرد الرجل من القداسة المزعومة وترتقي المرجعية الى مصاف الجامعة. 
الخطوة متقدمة، بدءا من القرار الجريء الذي اتخذه البطريرك السابق نصر الله بطرس صفير عندما استأذن بالانصراف، من دون ان يفصح عن الاسباب الكاملة، غير التقدم بالسن، وترك للمخيلة ان تشطح في تفسير التوقيت وفي تقدير المسافة التي يريدها الرجل عن رعية ليست في احسن حال، بل لعلها في اسوئه، وعن كنيسة لا يمكنها ان تنكر ذلك التوتر الشديد داخل الطائفة ولا ان تردم تلك الهوّة السحيقة بين ابنائها. كان طلب الاذن بالرحيل، اشبه بالاعلان عن فشل النوايا الحسنة في تهدئة الرؤوس المارونية الحامية... وفي حفظ مواقعها المتداعية امام الزحف الاسلامي، والمتهالكة نتيجة تردي اختيار رموزها وممثليها المحاورين او المشاركين للمسلمين سواء في السلطة وخارجها. 
كانت استقالة صفير صرخة في وجه الموارنة، وقفة احتجاجية عفوية على تهافتهم. لم يكن يريد ان يظل شاهدا على ذلك الانهيار للطائفة «المؤسسة للكيان»، وللكنيسة التي غادرها المزيد من روادها وصاروا يزايدون عليها في التدين وفي التدبر، بالترحال السنوي الى النبع، ويشككون حتى في حرصها على مصير الاقلية المشرقية الابرز، وينبذون بركة التوبة التي منحتها لبعض العائدين الى حضنها، عندما كان همها الاساسي هو لمّ الشتات الماروني واحياء الرعية وصون وجودها. 
انتخاب المطران بشارة الراعي بطريركا يعني بأن الكنيسة قررت أن تغادر الاحتجاج الهادئ على تدهور اوضاع الطائفة، وأن تخوض المعركة من جديد من اجل استعادة الوحدة المارونية التي صارت شرطا لازما للبقاء... مع علمها المسبق ان صفير حاول باسلوبه الخاص ان يحقق تلك المعجزة، التي يبدو حسب المطارنة انها باتت تتطلب اسلوبا هجوميا حاسما، يفترض ان يبدأ بسلوك مسار حاد مع الاخر، المسلم الذي تلاعب بالموارنة وفرّق بينهم والذي افرط في النيل من حقهم في اختيار زعمائهم، املا في استعادة دور بكركي باعتبارها فلكا يدور حوله جميع ابناء الطائفة. 
هي مهمة شاقة لأن البطريرك الجديد نفسه يمكن ان يتحول الى عامل جديد من عوامل الاستقطاب، اذا ما تبين ان انتخابه كان جزءا من الصراع داخل الطائفة. 

بشارة الراعي بطريركًا بقلم غراسيا بيطار/ السفير




بكركي
بين «رغبة الروح» و«التدبير الروماني» و«النسخة المنقحة عن انتخابات الرهبنة»، حلّ انتخاب المطران بشارة الراعي البطريرك السابع والسبعين لأنطاكيا وسائر المشرق. عندما دخل خلوة المطارنة كانت ابتسامة الفرح تطبع وجه «سيد بكركي الجديد» الداعي لتقبل النتيجة «أيا كانت بفرح». 
فجأة يتلون دخان بكركي باسمه في اليوم السابع للمجمع الماروني والجلسة الانتخابية الثالثة عشرة منه وبـ«الإجماع». ودودا الى حد الإنسانية، بدا الراعي الجديد لـ«القطيع الصغير» لدى تقبله سيل المهنئين الذي أمطر بكركي منذ الحادية عشرة إلا ثلثا من صباح أمس موعد قرع أجراس الدخان. فخبر الحسم انتشر كالنار منذ مساء الاثنين، لكن من دون هوية البطريرك السابع والسبعين. جبيل والمتن التقيا تحت قبة بكركي رئيسا ومواطنين لتبادل التهاني
«مار بشارة بطرس الراعي» شكر الجميع: من الحبر الأعظم الى الحبر الماروني «البطريرك الدائم»، الى المطارنة والرعية والإعلام... جردة «تشكرات» سردها بتمكّن واضح في كلمة مرتجلة ألقاها في كنيسة الصرح. «بطرك الكلمة والإعلام» و«المدافع الشرس عن الكنيسة» و«الراهب المريمي الأصولي»، على حد الصفة التي تلازم الرهبانية المريمية لناحية تشددها في الدفاع عن القيم المسيحية، اتخذ «الشركة والمحبة» شعارا لحبريته البطريركية في خطوة لم تفاجئ المقربين منه، الذين ملأوا الصرح بالزغاريد والورود. الأب جان الهاشم يتحدث عن «الأب الحنون الداعي الى حضارة المحبة». ومحامي البطريرك الجديد إسكندر جبران يكشف عن مثاله الأعلى البابا يوحنا بولس الثاني فـ«قلبه كبير ومشبع بالروحانية والمحبة». ويذكر أحد المطارنة عن الراعي «الوحيد الذي لازمني عند قدمي أثناء خضوعي لعملية جراحية متمثلا بالسيد المسيح تواضعا ومحبة». 
«اختيار» الراعي جاء نتيجة حصوله «إجماعيا» على 35 صوتا، على حد تأكيد أحد المطلعين على مسار المجمع الماروني. ووفق الصورة التي تظهرت في النهاية فإن «أصوات المقترعين توزعت في الجلسات الانتخابية منذ بدايتها على المطارنة بولس مطر، بولس الصياح، أنطوان العنداري، فرانسوا عيد وغي بولس نجيم. لكن أيا منهم لم يتمكن من الحصول بمفرده على ثلثي الأصوات الى أن رمت «مجموعة المتن» ورقة المطران الراعي في لعبة ذكية مساء الاثنين فتمكنت من انتزاع الإجماع في الجلسة الثالثة عشرة صباح الثلاثاء بخمسة وثلاثين صوتا، وورقة بيضاء، وهكذا أتت النتيجة «الراعية» حاملة توقيع «المايسترو» المطران بطرس الجميّل والمدبر البطريركي المطران رولان أبو جودة ومباركة البطريرك صفير. لكن «تصنيف» الراعي الأول تضعه شخصية كنسية في «الخانة الفاتيكانية». «إنه تأكيد أن نعمة الروح القدس عملت في السادة الأساقفة» يقول رئيس كاريتاس الأب سيمون فضول
وفي أول تعليق له قال المطران يوسف بشارة لـ«السفير»: «لدى البطريرك الجديد خبرة روحية ورعوية وإنسانية وإعلامية تؤهله لتولي هذا المنصف ونتمنى له كل التوفيق لخير الكنيسة والوطن». 
قلة شاهدت المطران بولس مطر بعيد «غبار» المعركة. أحدهم قال إنه غادر فور إعلان النتائج لتتركز الأنظار على سيد بكركي الجديد ومن توافد لتهنئته. ففي أول الوجوه السياسية كان «العصب المتني الجميلي» أول من أتى بالرئيس أمين الجميل لتهنئة «ابن حملايا» المتنية. وسرعان ما رصدت وجوه مروان حمادة وفارس سعيد وكارلوس إده وغيرهم، ليهمس البعض في أذن كنسية «ها هي الفرقة نفسها تأتي». فأتى الجواب: «ومن منع البقية من المجيء»، علما بأن حضور النائبين الجبيليين سيمون أبي رميا ووليد خوري كان لافتا وشددا على «الثقة بأن مجد لبنان أعطي لمن يستحق». ووضع المراقبون أمام عصا الراعي الكثير من التحديات لعل اختصارها هو في «السير مع جميع المسيحيين». فالبطريرك الجديد قد يقصد الوادي المقدس، لكونه من الذين كانوا يمشون في مسيرات البطريرك صفير الطويلة في وداي قنوبين وقد يزور دول الانتشار حيث ستوجه اليه الدعوات حتما، لكن العين ستكون على طريقة تعاطيه مع حفل وضع الحجر الأساس في براد في سوريا في التاسع عشر من الجاري وما إذا كان سيختاره بوابة لإعادة وصل الكثير مما انقطع، بحضوره الشخصي أو بإيفاده ممثلا عنه
يوم بكركي الطويل بدأ بعد قرع الأجراس مع تلاوة المونسنيور يوسف طوق البيان الرسمي الذي أعلن انتخاب الراعي وموعد الاحتفال والتنصيب في 25 من الجاري يوم عيد سيدة البشارة. أُلبس الراعي الشارات البطريركية وخرج المطارنة ليزنروا درج بكركي ممهدين لخروجه أمام حضور غلب عليه مزيج من الفرح والدهشة. وبين قوسي المطارنة دخل المطران الجديد ليتحدث في الكنيسة عن «انتخابات لم نشهد مثلها من قبل لما تخللها من فرح وسرور ومحبة». نقل شعوره بأنه «هدية» البطريرك صفير لمناسبة يوبيله الفضي. شكر بالفرنسية الفاتيكان وممثله. استحضر والديه. وختم: «لقد أراد المجمع المقدس أن ينتخب راهبا بطريركا». 
في صالون التهاني وقف السلف الى جانب الخلف. وبينما صافح الراعي الصغير والكبير ولم يبخل بالقبلات والود، قالت الأيام والتجربة كلمتها عند صفير فكان يجلس كلما تعب. يقترب عضو الرابطة المارونية طلال الدويهي من البطريرك الجديد للتهنئة فيؤكد له الراعي ترحيبه بترؤس العرس الجماعي الذي تنظمه الرابطة في الرابع عشر من أيار القادم في بكركي، ليحفل بعد الظهر بحضور من «الصف الأول». رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان يعقد خلوة مع الراعي ويتحدث من درج بكركي عن «يوم سعيد للبنان وللمسيحيين فضلا عن أن الانتخاب يحمل معاني كثيرة لأنه حمل التوافق وأجواء المحبة»، لافتا الى أن البطريرك الجديد سيسير على خطى البطريرك صفير وسيحافظ على بكركي كمرجعية للمسيحيين في لبنان وفي الشرق الأوسط
وقبل أن يغادر الصرح تصافح سليمان سريعا مع رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي الذي عقد خلوة مع الراعي، تمنى بعدها للبطريرك «كل الخير وأن يعمل على تعزيز الوحدة الوطنية». أضاف: «أعتقد أن صاحب الغبطة مدرك تماما التحديات التي تواجه البلاد وتنتظره، وهو سيكمل مسيرة البطريرك صفير في القيم الوطنية والأخلاقية التي تشكل سر وجود لبنان». 
وقدم رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري التهاني إلى الراعي وقال «ان الانتخاب في هذه السرعة يدل على أن هذا الصرح الكريم كان دائما ولا يزال لكل اللبنانيين، يجمعهم مسلمين ومسيحيين، وخطابه كان دائما وطنيا استقلاليا ولمصلحة كل اللبنانيين. ونحن عاهدناه على أننا سنبقى على الخط نفسه في الاستقلالية والسيادة وفي دعم هذا الصرح». 
وفي أول حديث للبطريرك الجديد إلى الإعلاميين، أكد «أن عملية الانتخابات لم يحصل فيها أي تشنج وكان الفرح عارما في قلوب جميع المطارنة». 
وعن شعاره «شركة ومحبة»، قال: هذا هو عملنا نحن في الداخل وعملنا في لبنان، وعندما نقول شركة فهذه كلمة لها بعد عميق عمودي وبعد أفقي. فالبعد العمودي أي الاتحاد مع الله، أما أفقياً فأحب أن يتبنى اللبنانيون هذا الشعار ويحفظوه في قلوبهم ويكتبوه في بيوتهم، فهو هو الباب الذي من خلاله يمكننا أن نعود ونبني نسيجنا اللبناني، ووحدتنا وليرجع اللبناني يلعب دوره فعلا، فلبنان ننتظر منه دورا كبيرا في هذا العالم العربي الذي يتمخض ولا يعرف الى أين يصل، لكن لبنان عنده هذا الدور». 
واعتبر أنه «عندما كنت مطرانا والآن أصبحت بطريركا فلا يمكنني أن أتصرف إلا بعد التشاور الكامل مع المطارنة، ونحن هنا في بكركي لدينا هيكليتنا وعندنا المطارنة ومجلسنا فنطرح الأمور ونفهم ماذا نريد أن نعمل ونأخذ المواقف
وزار بكركي مهنئا الرئيس أمين الجميل، رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع الذي وجه نداء الى الموارنة «للالتفاف حول البطريرك الجديد»، النائب نديم الجميل، النائب مروان حمادة، قائد الجيش العماد جان قهوجي، رئيس جمعية الصناعيين نعمة إفرام، وشخصيات سياسية وروحية ووفود شعبية.


كتاب مفتوح إلى البطريرك الجديد: إنّنا نستحقّ الرجاء بقلم هدى يمّين


البطريرك المارونيّ مار بشارة بطرس الراعي


سيدي،
استمحيك عذراً إذا تشجعت، وناشدت وكتبت اليك، فمن رجائي أكتب، ومن محبتي أكتب، ومن غيرتي أكتب، وأكتب من بنوّتي.
بعد موت البطريرك مار بولس بطرس المعوشي عام 1975، كتب الأب ميشال الحايك: "إن أي بطريرك ماروني جديد، سيجيء ليرأس إما مأتم المارونية وإما ميلادها في العصر... منه سيكون البدء الماروني وعلى يده النهاية... المُلهم اليوم هو الاقتراع وغداً الاختراع، وإلا فقد انتهت جنازة لتبدأ أخرى".
وصحّ ما توقعه الحايك، فما أن انتهت جنازة المعوشي حتى بدأت جنازة لبنان.
وها نحن اليوم، وبعد عقود نسأل: من سيدحرج للمارونية الحجر عن باب قبرها؟
سيدي،
من الباب ستدخل "ولا يدخل من الباب إلا راعي الخراف"، البوّاب يفتح له والخراف تسمع صوته فتتبعه، وهو يسير أمامها".
ونحن يا سيدي، نحن نستحق الرجاء لأننا على خطاك سائرون وبمثلك العليا ملتزمون، ولأجل ذلك، فإن فصاحة اللسان، وعظة الاحد، والتعاطي في الشأن السياسي، واستقبال السياسيين وأهل اليسر، وترؤس الاحتفالات، وزيارة الرعية في الانتشار، وسيامة المطارنة، ورعاية افتتاح الصروح الجامعية، وجمع بقية الطوائف المسيحية في سبيل ما يسمى وحدة الكنائس، ومعايدة المفتين والمشايخ في أعيادهم، والكلام على العيش الواحد، والايعاز بتأليف كتب الصلاة، والتدقيق في الليتورجيا والتفريق بين مفهوم الجمعية والرهبانية، واستلهام الروح القدس كلما حانت عملية اقتراع... كلها أمور تبقى على رغم اهميتها: من هذا العالم.
ومن أنتم على خطاه سائرون، لم تكن مملكته من هذا العالم، ولم يأت من أجل الاصحّاء، فهؤلاء لا يحتاجون الى طبيب، إنما جاء من أجل المساكين والضعفاء والمرضى والمعذبين، فأقام ميتاً ومشّى مخلعاً، وفتّح أعمى، وأبرأ أبرص وموّن العرس في قانا، وأطعم الجماهير من خمس سمكات وثلاثة ارغفة، وشفى النازفة وخلّص إبن الكنعانية وأقام أليعازر من الموت، ومشى على الماء وقام في اليوم الثالث، وغفر للمجدلية وسامح صالبيه وبارك لاعنيه وأحبّ مبغضيه، وقرّع الاغنياء وقبّح المال والجاه والسلطان، وبشّر الفقراء بأن لهم ملكوت السماوات، وأبى أن يرصد للآثام، وغلا فمن يخلص؟
ويحضرني يوم انتخابك السؤال الآتي: أيهما اقرب الى الآب، الفقير أم خادم الفقراء؟ وبأيهما يتمجد الله أكثر: أبالفقر أم بمن نذر نفسه لخدمة الفقير؟ كلاهما ليس بعيداً عن الله، وخادم الفقير هو الأقرب، وبكليهما يتمجد الله، وبخادم الفقير يزداد مجداً، لأن محبة الفقير والعمل من أجله هي المحك الحقيقي للصلاة، وبواسطتها نلج باب الحياة، وفي التغاضي كل العذاب ولا برهان حسياً للعلاقة بالله إلا بمحبة الفقير. فامتحان كياننا قائم على العطاء وعلى بذلك الذات، وحقيقة عملنا تكمن في العمل الصالح، وفي المرادفة بين الفقر والبر وفي التماثل بين الفقر والوداعة.
في سبيل الفقراء وحدهم ومن أجلهم وحدهم ربما، اقام المعلم الناس صنفين: "أهل يمنى وأهل يسار" فمن عمل في سبيل الفقراء، فالى قيامة الحياة ومن أساء او لم يعمل، فالى الدينونة.
وقال لنا بعد كل هذا، لأن نيره طيب وحمله خفيف، ودعانا الى أن نكون كاملين، كما ان أبانا السماوي كامل هو.
وبعد،
أين بكركي من المرادفة بين الفقر والبر.
وهل انتم بالفعل ما قاله غريغوريوس: "مدبري رجاءنا وحراس الملكوت"؟
وهل يتم الاصلاح في الكنيسة المارونية بالعظات وحدها وبالاداريات وحدها وبالقوانين وبالمواثيق، أم ثمة مسيحي يجب أن يسكنها لتصير صورة عن الملكوت؟
وفي الختام دعني سيدي وعن غير استحقاق أن اردد مع السيد: "يا لك عبداً صالحاً، كنت أميناً على القليل فهآنذاك اقيمت أميناً
على الكثير".
صرخة ضيق اطلقتها من صدري، عساها تصل وتفعل. اللهم إني بلغت.

بقلم هدى يمين / جريدة النهار   

الخميس، 10 مارس، 2011

عون آخر مودّعي صفير بقلم غراسيا بيطار/ السفير



في اليوم الأخير من عهده البطريركي تسلم البطريرك نصرالله صفير «بطرشيل» أب الطائفة المارونية مار مارون، حاكته بيديها راهبات «القربان المقدس». وفي اليوم عينه سجلت في عينيه «لمعة»، كانت ربما متوارية أو لم تولد بعد، لدى استقباله العماد ميشال عون. ريح في الطبيعة وفي الكنيسة عصفت أمس بالصرح البطريركي وعلى وقع زخات المطر الثقيلة توافد المطارنة. من يستعين بـ«عكازه»، وعددهم لافت للانتباه، لم يوفره. ومن أبقى سترته مستريحة على ذراعه رغم الطقس البارد في إشارة الى «روح الشباب» لم يتوان. 
وفي طلة المنتصر حضر «الحارسان الخازنيان» فريد هيكل وأمين كسروان من دون سيوف، وأقفلا البوابة السوداء لباحة الصرح الداخلية في تمام السادسة والدقيقة السادسة والعشرين ليفتح باب التكهنات على مصراعيه عن هوية البطريرك السابع والسبعين لأنطاكيا وسائر المشرق والذي سيتمكن من الحصول على ثلثي أصوات تسعة وثلاثين مطرانا من ضمنهم صفير. 
ساعات ما قبل إقفال البوابة كانت الأكثر زخما. إذ بدأت بوصول العماد عون في تمام الرابعة بعد الظهر ليكون آخر زائر مدني يجتمع بصفير كبطريرك «تصريف أعمال». قرابة الست دقائق انتظر البطريرك زائره «البرتقالي» عند باب الصالون الكبير لبكركي. سلام وقبلات واجتماع ضم الى صفير وعون كلا من المدبر البطريركي رولان أبو جودة والمطران سمير مظلوم ومن ثم مطران اللاذقية مسعود يوسف مسعود ومنسق العلاقة بين الكنيسة والتيار الوطني الحر غابي جبريال.
أربعون دقيقة بين الرجلين بدأت بإدخال فناجين القهوة للضيوف. لكن البطريرك سأل عون إذا ما كان يفضل شيئا ساخنا «كرمال صحتك لأنك تبدو مريضا من صوتك». فشكر عون للبطريرك حسن اهتمامه وسرعان ما أعيدت صينية القهوة واستبدلت بأخرى للشاي. 
إنه الـ«تي تايم» الأخير بين الرجلين قبل خلوة الانتخاب وسادته، وفق المجتمعين، أجواء من «الود والإيجابية الخالصة» عكسها تصريح عون الذي أدلى به في حضور صفير. ولم تخل الجلسة من التطرق الى شوؤن الساعة وخصوصا «المشاورات الحكومية» وتجسد ذلك في استيضاح صفير لعون عن أفق الولادة الحكومية وإنما بشكل خاطف لأن الجو الروحاني هو الذي ساد الجلسة». هذه الجلسة التي استهلت بطلب البطريرك من عون أن يهنئ المطرانين سمير مظلوم ورولان أبو جودة لأنهما «أنجزا الصلحة بين الخازنيين». 
وقال العماد عون بعد لقائه صفير إن الزيارة «لشكره على السنوات الطويلة التي قضاها في سدّة البطريركيّة، جميعنا نمرّ في هذه الدّنيا، ولكن القوّة هي في استمرار المؤسّسات واستمرار بكركي وما ترمز إليه»، ونفى أن تكون الزيارة للمصالحة لأن «ما من مشكلة ليكون هناك مصالحة». وعن البطريرك المنتظر قال: ما أعرفه هو أنّ الكنيسة أدرى بهذه الأمور. جميع الأساقفة مجتمعون ولديهم أفضليّات في معالجة المواضيع، أي تعاطي الكنيسة مع رعيّة منتشرة في كلّ العالم، وتعاطيها بأمور أخرى إداريّة وغير إداريّة. لست أنا من يجب أن يقدّم لهم النصّائح، هم يعرفون ما هي الأمور الواجب معالجتها. 
وجدد القول ردا على سؤال «أن مسألة السلاح هناك حيالها وجهتا نظر والظروف الوطنية هي التي تملي التخلي عن السلاح أم لا». 
غادر «الجنرال» بكركي على وقع توافد المطارنة تحت المظلات وتحت عدسات الإعلام التي اقتنصت آخر التعليقات. المطران بشارة الراعي: نفتح قلبنا لكي يلهمنا الروح القدس وسوف نقبل النتيجة بفرح كبير. يوافقه المطران جورج أبو جودة ويضيف ردا على سؤال: لا صراع وفي النهاية سيولى واحد منا على السدة البطريركية وبإجماع تام». وهل من المحتمل أن يكون البطريرك الجديد مطرانا من الانتشار، يجيب مطران كندا جوزف خوري: وهل الانتشار ليس في قلب لبنان؟ وراوحت سلامات المطارنة بين «النظر» أو القبلات، «على قد المعرفة» ومدى توافق «خيارات الترشح». 
دق جرس كنيسة الصرح فدخل الجميع الكنيسة للصلاة، افتتاحية الخلوة. دقائق ويطلب من الاعلام المغادرة. وبينما راوحت تقديرات المطارنة تصاعد الدخان الأبيض الإثنين استبعد آخرون أن يعلن عن انتخاب البطريرك الجديد في «14 آذار» كما قفز موعد الخلوة من ثمانية الى تسعة آذار. ووصلت بورصة الترجيحات الى احتمال التوافق على المطران غي بولس نجيم، الذي وصل منذ أمس الأول الى بكركي، نظرا لصعوبة أن يحصل أي من المطارنة على ثلثي الأصوات، على ما توقع رئيس المؤسسة المارونية للإنتشار ميشال إده. ولكن كله يبقى كـ«الضرب في الرمل» والمطارنة يقولون لنطرق باب السماء وننتظر الجواب فـ«من يقرع يفتح له». 
وكان صفير استهل يوم بكركي الطويل باستقبال وفد من «حركة التجدد الديموقراطي»، ضم نائب رئيس الحركة مصباح الاحدب الذي وصف استقالة صفير بالفعل المتواضع داعيا الى أن تكون أمثولة للجميع. ثم استقبل صفير عميد «الكتلة الوطنية» كارلوس اده على رأس وفد، الرئيس الاسبق لحزب الكتائب الدكتور ايلي كرامة، رئيس جامعة الحضارة الاسلامية الشيخ مخلص الجدة، رئيس حزب «السيادة الوطنية» نزيه نعيم شلالا، الوزير ميشال فرعون، المحامي جوزف أبو شرف، النائب فؤاد السعد، الوزير السابق جان عبيد، الوزير السابق يوسف سلامة، وفد من اللقاء الشبابي الفلسطيني برئاسة احمد الشاويش وفعاليات. 
كما التقى صفير السفير الفرنسي دوني بيتون الذي سلمه رسالة من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يأسف فيها لاستقالته ولكنه يقدر القرار الذي اتخذه بحكمة. وقال فيها ان «فرنسا تبقى اكثر من اي وقت مضى الى جانب لبنان سيد وتعددي يستمد غناه من التنوع والحوار والصداقة الاسلامية ـ المسيحية».

الفاتيكان عينه على خلف صفير بقلم كلير شكر / السفير



في أعلى الموقع الالكتروني الخاص بالبطريركية المارونية، صورة ضخمة تجسّد بكركي، وقد أحاطتها من اليسار شجرات أرز عتقية، ومن اليمين نور آت من خلف الأفق. لتلك الصورة رمزية خاصة، تعبّر عن تطلع الموارنة إلى كنيستهم، ومدى عمق جذورها في هذه الأرض. 
صورة البطريرك المستقيل نصر الله صفير، تتربّع في وسط الصفحة، فيما عظاته، تأتي من بعده. ترتيب دقيق للصفحة، يطمح البعض إلى انسحابه على وضعية البطريركية، والمؤسسات التابعة لها. هدف بات ثابتاً على جدول أعمال الكرسي الرسولي، الذي قرر مواكبة كنيسته الشرقية، بكلّ محطاتها المفصلية، البطريركية والرهبانية. 
وبينما أقفل الأساقفة أبواب بكركي من حولهم، مساء أمس، كي لا يخرجوا من داخلها، إلا خلفاً لبطريرك جديد، تراقب روما مجريات الاستحقاق عن بعد: قلبها على الخلف، وعينها على برنامجه... لأن المسارين صارا متلازمين بنظرها في هذا الزمن. 
نداءات متكررة وجهها الفاتيكان إلى الكنيسة المارونية، كي ترتّب صفوفها، وأوضاعها الإدارية، التي لا تزال تسير وفق «وصايا القدماء». محاولات خجولة لم تر النور، وانتهت إلى وضعها في أدراج بكركي، لكنها لم تقنع السلطات الحبرية، بالتخلي عن هذه «التوصية»، التي صارت حاجة، وليس ترفاً، يفترض بها أن تعوّض تراجعاً في حضور المسيحيين في الشرق الأوسط، وفي لبنان. 
تنظيم البطريركية إدارياً هو من مسؤولية رأس الكنيسة ومعاونيه. ولكن غياب الهيكلية الواضحة، دفع روما في أكثر من مناسبة إلى مناشدة الكنيسة المارونية إلى مأسسة ذاتها. فقد ذكّر الكرسي الرسولي عبر الإرشاد الرسولي الخاص بلبنان، والإرشاد الجديد للسينودوس الخاص بالشرق الأوسط، بالبند الإصلاحي، الذي يبدو أنه صار طارئاً على جدول أعمال الفاتيكان، والذي لا يتناول الشرع الكنسي، وإنما العلاقة ما بين السلطة الكنسية والمجتمع المسيحي. 
ويُشاع عن وجود شكوى فاتيكانية، من اتساع الهوة بين بكركي وبين الشباب الماروني، والمسيحي بشكل عام، الأمر الذي تتطلب معالجته بشكل سريع، ما يستدعي إصلاحاً، لا تزال أفكاره مطروحة عن بعد، وتنتظر العهد البطريركي الجديد. هناك من يرى ضرورة إعطاء دور للعلمانيين، من خلال إنشاء مجلس بطريركي علماني، يكون بإدارة أسقف أو أكثر، أو من خلال تحويل بكركي إلى مؤسسة رديفة لمؤسسات الدولة، بمعنى السهر ومراقبة عمل هذه الأخيرة، لتكون الكنيسة شريكة فعلية في السلطات المدنية. 
كما أن هاجس هجرة مسيحيي الشرق، يؤرق المسؤولين الحبريين، ويدفعهم إلى لعب دور استثنائي، في علاقاتهم مع الكنائس المشرقية. وقد تمنّت روما في أكثر من مناسبة وقف هذا النزيف، كما صاغت خطط عمل، غالباً ما كانت علنية عبر رسائل حبرية، رفعتها إلى الكنائس المعنية، على أمل ترجمتها على الأرض. 
بالنتيجة، إصلاحان أساسيان، تضعهما الفاتيكان نصب عينها، أولهما وطني، من خلال «اعتماد بكركي نهج الانفتاح على أبناء الوطن وطوائفه كافة»، كما يقول أحد الكهنة. ثانيهما، التنظيم الإداري لبكركي، التي باتت تحتاج إلى دم شبابي يجدد عروقها، لا سيما وأنها تستضيف أكثر من أربعة أساقفة تخطوا الخامسة والسبعين من عمرهم. 
الفاتيكان تريد بكركي على «صورتها ومثالها»، من المأسسة. هكذا يختصر الكاهن، نظرة الكرسي الرسولي إلى تنظيم البطريركية المارونية، لجهة إنشاء دوائر متخصصة، مالية، سياسية، علمية، ثقافية، اجتماعية... تتابع شؤون الرعايا. 
انطلاقاً من كونها «أم» الكنائس، وصاحبة سلطة روحية وغير سلطوية، يذهب الكثيرون إلى حدّ القول، إن روما اليوم، غير روما الأمس، في علاقتها مع الكنائس الشرقية، في ضوء التراجع الدراماتيكي الذي أصاب مسيحيي الشرق، والتهجير القسري والإرادي الذي يتعرّضون له. يؤكدون أن إصرار الكرسي الرسولي على متابعة دقائق الأمور، لم يعد موضع نقاش. السفير البابوي السابق لويجي غاتي، نجح، خلال ولايته الدبلوماسية في نقل صورة مفصّلة عن أوضاع الكنيــسة المارونية، بكلّ أزماتها، ومعاناة مؤمنيها. السفير الحالي غابريال كاتشيا يضع في جيبه استراتيجية روما، لهذه الكنيسة، ورؤيتها المستقــبلية لأبناء هذه المنطقة. وما حمله في صناديق انتخابات الرهبــانية المارونية، لم يكن إلا واحداً من خطوات كثيرة قد تقوم بها الفاتيكان لتقويم الاعوجاج، وقد تلت تلك الخطوة دعوات خطية وجهها الفاتيــكان إلى الأساقفة الذين بلغوا السن القانونية ودعاهم إلى تقديم استقالاتهم، ليكون الاستحقاق البطريركي، ثالث تلك المحطات. 
أن يصل عميد مجمع الكنائس الشرقية الكاردينال ليوناردو ساندري إلى بيروت، في هذا التوقيت بالذات، يحمل برأي الكثيرين دلالات قوية، وإن كان للزيارة أهداف معلنة، تتصل بتكريم البطريرك المستقيل نصر الله صفير، ولكنه مؤشر واضح على إبقاء الفاتيكان على عينه ساهرة، لحين خروج الدخان الأبيض من الصرح البطريركي. 
وهناك من يقول، إن روما تدرك بينها وبين ذاتها، من سيكون الخلف السابع والسبعين للبطريرك صفير، لأنّ المواصفات المطلوبة لهذه المرحلة، تكاد محصورة بأساقفة محدودين. أما سلطة «التثبيت» التي يملكها الفاتيكان، والتي يفترض بأي مرشح يحصل على ثلثي أصوات «زملائه» الأساقفة، أن ينالها من السلطات الحبرية كي يتوّج بطريركاً... فتخوّل الكرسي الرسولي، بحسب أحد الكهنة، بأن يكون له كلمة حاسمة من اسم البطريرك العتيد. ويميل المشجعون إلى «نفضة تنظيمية» في بكركي إلى الاعتقاد، أن الكرسي الرسولي يهتم بهوية سيد بكركي الجديد، بقدر اهتمامه، بأجندة هذا الأخير للغد... وبسيرته في الأمس. 
هرمياً، البطريرك الماروني هو رأس هذه الكنيسة، يعاونه مجلس مطارنة لإدارة شؤون الطائفة، الوطنية، الاجتماعية، الكنسية وحتى في التنظيم الإداري. يترأس البطريرك المجلس الذي يسير وفق قانون الشرع للكنيسة المارونية، الذي يحدد آلية اتخاذ القرارات فيه. 
الأبرشيات هي المستوى الثاني للسلطة الكنسية، تكون إما برئاسة أسقف أو البطريرك بالإنابة، تتولى شؤون الرعايا وإدارة المؤسسات الموجودة في نطاقها، وتتوزع على الداخل اللبناني وخارجه، وهي: نيابة زغرتا المارونيّة، أبرشيّة بروكلين، أبرشيّة أنطلياس، أبرشيّة البترون، أبرشيّة جبيل، أبرشيّة قبرص، أبرشيّة الأرجنتين، نيابة صربا، نيابة الجبة، أبرشيّة بيروت، أبرشيّة مونتريال، أبرشيّة حيفا والأراضي المقدّسة، أبرشيّة حلب، نيابة جونية، أبرشيّة لوس أنجلس، أبرشيّة اللاذقية، أبرشيّة استراليا، أبرشيّة زحلة، أبرشيّة المكسيك، أبرشيّة صور، أبرشيّة القاهرة، أبرشيّة بعلبك ودير الأحمر، أبرشيّة طرابلس، أبرشيّة صيدا، أبرشيّة البرازيل، وأبرشيّة دمشق. والمقصود بالنيابة، تلك الأبرشية التي تتبع مباشرة للبطريرك الذي يعين نائباً عنه لإدارتها. 
تعتبر أبرشية بيروت التي يترأسها المطران بولس مطر، هي «الأقوى» والأكثر نفوذاً لكونها تقع جغرافياً في موقع القرار وقريبة من مراكز النفوذ السياسية. يقصدها رئيس الجمهورية للمشاركة في قداس مار مارون، في دلالة على أهمية هذه الأبرشية. كما تبرز «قوتها» من المؤسسات التربوية التي تديرها، وأبرزها جامعة الحكمة ومدرسة الحكمة، إضافة إلى مهنيتين، ومدارس مجانية، إلى جانب امتدادها الجغرافي في بقعة يُعتبر رعاياها ميسورين. جغرافياً تمتد الأبرشية من بيروت حتى نهر الدامور، صعوداً نحو نبع الصفا وعيندارا في عاليه، كما أن معظم قضاء بعبدا يتبع لها، إضافة إلى جزء كبير من قضاء المتن الشمالي، من عينطورة، المتين، المروج، بعبدات، بيت مري، عين سعادة (المقر الصيفي للمطران)، الجديدة...